هل صحيح أنّ المهم أداء العمل والنتائج على الله؟

اسلاميات
28 فبراير 2018 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

مقولةٌ شائعةٌ تلك الّتي تقول: “إنّ الله سبحانه يحاسبنا على أداء الواجب/العمل، أمّا النتائج فإليه سبحانه”. وقد صارت عند بعض الدّعاة والوعّاظ والموجّهين والمتحدّثين مسلّمة، يذكّرون بها ويذكرونها مرّة بعد أخرى، والعجيب أن يؤتى بها في سياق التّحفيز
على العمل والنّشاط والإيجابيّة!؟.

أبادر فأقول: إنّ هذه المقولة جمعت حقًّا وباطلاً؛ إنّها صحيحة من جهة، ولكنّها خطأ من جهة أخرى!، ولابدّ من تَبَيُّن ذلك وتبيينه؛ لأنّ هذه المقولة صارت من أكثر ما يسوّغ به الفشل!، فصار كلّ من يكلّف بعمل ويعجز عن إنجاحه يدافع عن انتكاسته بقوله: “الله غالب، النّتيجة على ربّي”، يقولها الطّالب الرّاسب، والعامل الكسول، والتّاجر الخامل، والموظّف المراوغ، والرّياضيّ الفاشل، والمسؤول العاجز. مع أنّ الله عزّ وعلا غالب على أمره في كلّ حال وعلى أيّ حال، فحتّى مع نجاح هؤلاء فالله غالب قاهر سبحانه: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
إنّ الحقّ في هذه المقولة هو ما هو معلوم من عقيدتنا أنّه لن يكون شيء، ولن يحدث شيء، ولن يقع شيء، ولن يتم شيء، إلاّ بتقدير الله وتيسيره، وحكمه وأمره، هذه عقيدتنا؛ فإذا عمل عاملٌ وقام بكلّ ما يجب عليه ثمّ تخلّفت النتيجة؛ فلأنّ الله سبحانه قضى ذلك؛ لحكمةٍ، والخير في ما اختاره الله عزّ وجلّ، وذلك إنّما يكون ابتلاءً وامتحانًا منه سبحانه، وهذا مشاهدٌ وملموس، لكن هذا يحدث مرّة بعد مرّة، ولشخص دون غيره.
بيد أنّ الباطل يدخل على هذه المقولة لمّا نجد مَن يعمل العمل مرّات ويفشل كلّ مرّة، ولمّا نجد من يتولّى مسؤولية يفشل في تحقيقها مرّة بعد أخرى، ولمّا يحاسب يقول: النتيجة على الله، ألا إنّ هذا هو الكذب على الله، وهذه هي المغالطة لخلق الله!، إنّ الله سبحانه لا يرضى أبدًا بتضييع الجهود، وهدر الطاقات، وإضاعة الفرص، وإهدار الوقت!، بل هو كما قال عنه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقِنه” رواه الطبراني، ومن إتقان العمل أن يأتي على أتمّ وجه، وأن يحقّق النتائج المرجوة منه، وهو سبحانه أوجب علينا السّعي للنّجاح والإجادة كما في الحديث الآخر: “إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء” رواه مسلم، والإحسان هو الإتقان والإجادة، ولا يحسن عملٌ ما لم يتمّ ويثمر!، فهذا هو الواجب: العمل وإتقانه وإحسانه.
ويزيد هذا الأمر وضوحًا حديث جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: “ما من مسلم يغرس غرسًا، إلاّ كان ما أكل منه صدقة، وما سرق منه صدقة، ولا يرزؤه –أيّ يأخذ منه- إلاّ كان له صدقة إلى يوم القيامة” رواه أحمد، ولا شكّ أنّ هذا لا يتحقّق إلاّ لمَن غرس وأنتج غرسه، وإلاّ فكم من شجرة غرست وبارت، فالّتي أثمرت هي صدقة بنصّ الحديث، أمّا الّتي فسدت وضاعت فإنّ صاحبها سيحاسب عنها، لِم لم تثمر؟ يؤكد هذا رواية أخرى لهذا الحديث قال فيها صلّى الله عليه وسلّم: “مَن نصب شجرة فصبر على حفظها، والقيام عليها حتّى تثمر، كان له في كلّ شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عزّ وجلّ”، فهو صريح في أنّ الأجر إنّما يكون لمَن حفظ وقام، أمّا مَن ضيّع ثمّ سوّغ [وبرّر]، ولم يقم بما يجب عليه ثمّ اعتذر؛ فلا صدقة ولا أجرٌ!. وما هذا إلاّ مثال تقاس عليه باقي الأعمال والأحوال.
إنّه من غير المعقول أن يقوم إنسان بعمل ويفشل في كلّ مرّة، ويسوّغ فشله بالقدر!، وإنّه من غير المقبول أن يشغل إنسانٌ منصبًا وتتوالَى النّكسات والخسائر على يده، ولا يستقيل ويبرّر موقفه بأنّ الله لم يكتبها هذه المرّة وفي كلّ مرّة!، وإنّه من غير المعقول ولا المقبول ولا الطّبيعيّ ولا العاديّ أن نقوم بنفس العمل عدّة مرّات، ولا تتحقّق نتائجه، ونتقبّل الأمر أو نعتذر له، ولا نقم بأيّ تغيير: لا في الأشخاص المكلّفين به، ولا في طريقة العمل وطريقة إنجازه!، إنّ حكماء البشرية قالوا: “من السّذاجة أن نقوم بنفس الأعمال بنفس الطريقة ثمّ ننتظر نتائج مغايرة”، ولكن أحمق من ذلك مَن يبرّر هذه السّذاجة!، وأشدّ حمقًا من يبرر الفشل ويعتذر للفاشل باسم الدِّين، وبقضاء وقدر ربّ العالمين سبحانه!، فمَن يفعل ذلك إنّما هو جاهل بسُنَن الله عزّ وجلّ في كونه القاضية بأنّ للنّجاح أسبابًا وشروطًا، مَن أتى بها أفلح ومَن لا فلا. وعاجزٌ عن فهم الحياة ومغالبتها، وعن تكاليف التّغيير والإصلاح الّذي يأتي بالخير وبالنّتائج الطيبة المرجوة، كما أنّه كسول لا يريد أن يكدّ ويجهد ويجتهد، ويحاول أن يتفهّم الأسباب؛ ليبذل جهدًا أكبر من أجل تحقيق نتائج عمله!، وقد كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول كلّ يوم صباح مساء ثلاث مرّات: “اللّهمّ إنّي أعوذ بك من العَجْز والكسل” رواه البخاري ومسلم.
وعليه فالواجب هو العمل، وتحقيق نتائج العمل، فإذا عمل المرء عملاً لم تتحقّق نتائجه؛ فالواجب عليه أنّ يُراجع عمله ويراجع نفسه، ليعلم أين أخطأ وأين قصّر، فيصحّح الخطأ ويتلافى التّقصير، وإذا كان التّوفيق من الله يقينًا أفلا يجب على الفاشل -بدل أن يسوّغ ويبرّر فشله بأنّ الله لم يكتبها؟ أنّ يسأل: لماذا لم يوفّقني الله عزّ وجلّ؟!.
* إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول