مسار المحارب للظفر بـ"كيس من الحليب"

مجتمع
13 مارس 2018 () - حسام حريشان
الصورة حقوق محفوظة
0 قراءة
+ -

تبدأ أولى صور المشهد في التشكل بدءا من الساعة السادسة والنصف صباحا، حيث يصطف أول الزبائن من الجنسين أمام إحدى الأبواب الموصدة لإحدى نقاط بيع الحليب بباب الزوار شرقي العاصمة، وهكذا يبدأ الطابوران الطويلان يمتدان يمينا بالرجال وشمالا بالنسوة، وتنبعث من حين لآخر همسات غير واضحة من أفواه الزبائن تتخللها عبارات استياء وسخط، في انتظار قدوم صاحب الكشك لفتح الأبواب في حدود الساعة الثامنة صباحا، على أن تصل شاحنة الحليب في الثامنة والنصف.

ما إن ركن السائق شاحنته الممتلئة عن آخرها بأكياس الحليب وهم بفتح بابها الخلفي استعدادا للتوزيع، حتى التفت جميع العيون حوله وتعالت الأصوات وبدت أكثر وضوحا، وراح أولئك الشيوخ يختلسون النظرات من أمامهم ويحرصون على تطبيق نظرية "من قدم أخيرا يشتري أخيرا"، ومن حين لآخر يكسر تركيزهم أحد طويلي اللسان متهكما، كأن يقول أحدهم بصوت مرتفع لجلب الانتباه: "يا فلان ماذا هناك.. هل يوزعون شيئا بالمجان؟".

 

"ليس من الضروري أن تشربوا الحليب"

 

في حدود الساعة التاسعة صباحا أصبح الطابور متكونا من مئات الأشخاص أغلبهم من الشيوخ المتقاعدين والنساء الماكثات في البيوت، وعمت الفوضى الممزوجة بأصوات تجيد النقد والتعليقات السلبية، فهذا أتقن جيدا انتقاد الحكومة الجزائرية قائلا: "هذا ما أراده رئيس حكومتكم سي أويحيى عندما قال لكم: ليس من الضروري أكل الياغورت، ولا أستبعد أن يقول لكم في المستقبل القريب ليس من الضروري أن تشربوا الحليب"، لتعقب كلماته قهقهات المستمعين، قبل أن يتابع الشيخ وهو يشير بيده: "والله لا أصدق بأننا في 2018.. هذا المشهد يذكرني بالسنوات العجاف خلال الثمانينات حينما كنا نصطف أمام رفوف فارغة بسوق الفلاح". 

لم يتوقف الزبائن الذين غلب عليهم كبر السن عن الحديث في كل الاتجاهات وراحوا يصبّون جام غضبهم على الحكام والحكومة والمحكوم فيهم، وقال أحدهم: "كل هذا السيناريو مفتعل، يريدونك أن تشعر بالفرحة عندما تحصل على كيس حليب، كي لا تطمح للحصول على أشياء أخرى".

ويقاطعه آخر: "إيه الأغنياء يشربون حليب العلب بـ100 دينار للتر الواحد و"الزوالية" يزاحمون بعضهم البعض للحصول على كيس "يشبه" الحليب".

يقترب الزبائن ببطء من البائع وهم يتبادلون الحديث عن أمور السياسة تارة وغلاء المعيشة تارة أخرى وعن أوضاع البلاد والعباد، وفجأة كسر حديثهم صوت البائع وهو يخاطب أحد الزبائن بصوت مرتفع: "مثلك مثل باقي الزبائن لا أستطيع أن أمنحك أكثر من 4 أكياس"، قبل أن يضيف بنبرة حادة: "إن أردت أن تأخذ أكثر من أربعة أكياس فعليك اقتناء على الأقل كيس من حليب البقرة (60 دينارا)، والآن يرحم والديك دعني أتمم عملي". لكن الزبون لم يعجبه العرض وألح على اقتناء 8 أكياس حليب عادي، ليثور باقي الزبائن الذين لم يستطيعوا كبح جماحهم وراحوا يلومون ذلك الزبون باسمه، حتى وافق على عرض البائع وحمل أكياس الحليب وغادر على مضض.

 

البائع.. "سلطان"

 

لقد كان البائع أهم شخص في تلك اللحظات ومن كانت تربطه صلة قرابة أو صداقة معه فحتما سيكون محظوظا، ولهذا كان يتحدث بازدراء ومن حين لآخر يقول بصوت مرتفع: "نظموا أنفسكم وإلا سأوقف البيع ولن أجلب لكم الحليب بعد اليوم، هذه التجارة ليست فيها أي فائدة بل سوى "تكسار" الرأس". كان يتكلم بنبرة غاضبة ويوزع الحليب من دون أكياس، بل كان يضعها في حضن الزبائن ويأخذ النقود ويلتفت إلى الزبون الموالي.

من بين أولئك الزبائن الذين لا يكادون ينتهون برز صوت أحدهم وهو شاب في العقد الرابع من العمر كان يرتدي قشابية حمراء اللون، يقول: "ما هؤلاء القوم! هذه الوجوه هي نفسها التي كانت هنا أول أمس وستجدها بعد غد، وفي كل مرة يريدون اقتناء 12 كيس حليب. هذه هي اللهفة بأم عينها، ما عساهم يفعلون بكل هذه الكمية؟ ألا يعلمون بأن حليب الأكياس يتلف بسرعة عكس حليب علب الكرتون.. لو يقتني كل واحد منا وفق ما يستهلكه أفراد عائلته لزالت هذه الطوابير الطويلة وانتهت الأزمة".

ليعقب على كلامه آخر: "المواطن الجزائري فقد الثقة في كل شيء، لهذا تجده يقتني كميات كبيرة يدسها في الثلاجة تحسبا لأي أمر طارئ مثلما يقول المثل: لا تترك ما بين يديك وتتبع ما هو موجود في الغار".

 

.. وللنساء نصيب

 

من الجانب الآخر، اندفعت النسوة متلاصقات بعضهن ببعض وهن يتهامسن ويتحدثن من دون انقطاع، وكل واحدة منهن ما إن تقف أمام البائع حتى تحاول جاهدة أخذ أكبر كمية من أكياس الحليب. ولفتت الانتباه إحداهن خرجت عن العادة وأسرت لأخرى بأنها ستأخذ كيسين فقط، لتتفاجأ محدثتها وقالت وعيناها منفتحتان: "هذا كنز يا حبيبتي، لن تخسري شيئا خذي 4 أو 6 سوف تندمين لو اكتفيت بكيسين". سمعتهما زبونة أخرى فتدخلت قائلة: "من فضلك اقتني لي كيسين سأدفع لك الثمن.. لدي ستة أطفال و4 أكياس لا تكفينا". إلا أن السيدة تراجعت عن رأيها وبعد برهة أردفت قائلة: "تذكرت أن جارتي أوصتني لأن أجلب لها كيسين معي". كان الطابور الخاص بالنساء أقل تنظيما من نظيره من الرجال، وفي كل مرة تنشب مشادات كلامية بينهن، والسبب دائما هو محاولة إحداهن تخطي الأخرى. يقول أحد شيوخ الحي معلقا على الأمر: "في الأسبوع الماضي تطورت ملاسنات إلى مشادات بالأيدي بين امرأتين واستدعى الأمر حضور الزوج الذي أراد إيداع شكوى ضد من اعتدت على زوجته".

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول