الصوم مدرسة تربي النفس على حب الفضيلة

اسلاميات
15 مايو 2018 () - حاوره: عبد الحكيم ڤماز
0 قراءة
+ -

أكد فضيلة الشيخ بن يونس آيت سالم، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أن واجب العلماء وأئمة المساجد هو التعليم والتربية والوعظ. وشدد في حوار مع ”الخبر” على حُسْن استقبال شهر رمضان والاستعداد لصيامه وقيامه، داعيًا التجار إلى تجنب الاحتكار والغلاء والغش، على اعتبار أن هذه المحظورات تسيء إلى أجواء الرحمة في شهر الرحمة.

ما نصيحتكم للمسلم في استقبال شهر رمضان؟
 لعل مما يحمل على حُسن استقبال شهر رمضان ويعين النفس على الدخول فيه وهي مستعدة تمام الاستعداد لصيامه وقيامه التذكير بمزاياه وخصوصياته.
إن شهر رمضان من الأزمنة المصطفاة، فهو شهر الصيام وشهر القرآن وهو شهر النفحات الربانية، والأحاديث الواردة في هذا الباب كثيرة، نكتفي منها بالحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: ”إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقْبِل، ويا باغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة”. وإن الخصوصيات الرمضانية التي صرّح بها هذا الحديث الشريف، وغيرها كثير، دالة على حب الله لعباده المؤمنين، وترغيبه إياهم في سلوك طريق الجنة حتى يكونوا أهلاً لكرامته سبحانه، فيظفروا بالنعيم المقيم. فكن يا أخي من السالكين.


وأذَكر نفسي وإياك، أخي المسلم، بأن الصيام والقرآن يأتيان يوم القيامة شفيعين، فيشفعان، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه. فالتأمل في هذا الحديث يعينك على حسن العبادة وإتقانها ويُهوّن أمامك كل الصعاب والعوائق التي قد تقف في طريقك. ولنجتهد جميعًا من أجل أن نوفر لهذا الشهر الكريم أجواء القداسة التي يستحقها في بيوتنا وفي مساجدنا وفي مدارسنا وفي أسواقنا وفي إداراتنا وفي شوارعنا، ويبقى الإنسان هو العنصر الأساس في تحقيق هذا المُبتغَى. وعليه، فلابد أن يوطن نفسه على أن يدخل رمضان بعزم أكيد وإرادة قوية يضعف معهما سلطان الشهوة والهوى والعادة.


ما هي العبادات التي ينبغي الاجتهاد فيها خلال شهر رمضان؟
 من المعلوم أن شهر رمضان شهر الصيام والقيام، قال عليه الصلاة والسلام: ”مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه” أخرجه البخاري في صحيحه.
فلابد أن يعلم المسلم أن الإمساك عن المفطرات حال الصيام ما هو إلا طريق إلى ترك جميع المعاصي والسيئات وتحصين الجوارح من كل المخالفات، قال عليه الصلاة والسلام: ”مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يَدَعَ طعامه وشرابه”. فالعبادة كما تكون بالفعل، قد تكون بالترك.
ومن العبادات التي ينبغي الحرص عليها والاجتهاد فيها، الإنفاق في سبيل الله اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود ما يكون في رمضان.
وبصورة عامة، فإن الصوم مدرسة تربي النفس على حب الفضيلة وبغض الرذيلة. وبالمجمل المفيد يمكن أن نقول إن الصورة الكاملة للصيام تلخصها الكلمات التالية: فطم عن شهوات البطن والفرج واللسان والعين والأذن وكبحُ لهوى الطمع والجشع وردعّ لنزعة التعالي والكِبْر، وهذا من أجل تطهير الإنسان تمهيدًا لتطهير الحياة.


تحول شهر رمضان عند البعض إلى شهر أكل وشرب لما لذ وطاب، فبم تنصحون؟
 من الملاحظ أن كثيرا من الناس يصومون، فإذا حل وقت الإفطار بالغوا في الأكل والشرب مبالغة تتجاوز الحدود، ظنا منهم أن الإمساك بالنهار هو كل شيء في الصيام، والحقيقة أنه وسيلة وليس غاية. قال تعالى: {يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلكُمْ تَتقُونَ أَيامًا مَعْدُودَاتٍ} البقرة:183.
عندما نقول هذا لا يعني أننا نمنع الناس من أن يتمتعوا بما أحل الله لهم من الطيّبات، فربنا سبحانه وتعالى يقول: {كُلُوا مِنْ طَيبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِياهُ تَعْبُدُونَ} البقرة:172. ولكن إلى جانب هذا هم مدعوون إلى عدم الإسراف، قال تعالى: {وُكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إنهُ لاَ يُحِب الْمُسْرِفِينَ} الأعراف:31.
ولعل السبب في تعامل هذه الفئة من الناس مع شهر الصيام بهذه الصورة الناقصة يرجع إلى سوء الفهم للدين والوقوف عند الصور والأشكال، وإلى غياب الأجواء القدسية التي تُعين على الصيام الكامل وعدم الاهتمام بالجوانب التربوية للصيام.


أصبح شهر رمضان لدى كثير من التجار شهر احتكار وغلاء وغش.. فما تعليقكم؟
 لابد أن يعلم المسلم أن هذا الدين العظيم الذي ينتسب إليه يريد من الإنسان أن يكون في حركته الفردية غير مسيء إلى الحياة الاجتماعية، ويدعو في الوقت نفسه إلى أن لا يُلغَى الفرد وحريته بدعوى أن مصلحة الجماعة مقدمة. قال عليه الصلاة والسلام: ”لا ضرر ولا ضِرار”، وهذا الحديث الشريف قاعدة شرعية كبيرة في هذا الباب. أخي التاجر عندما تحتكر أو تغلي الأسعار أو تغش، فأنتَ إلى جانب كونك ترتكب المحظور وتفعل الحرام، تسيء إلى أجواء الرحمة التي جعلها الله تعالى من مميزات هذا الشهر. فهل يرضيك أن تكون كذلك؟!
وأُذَكر نفسي وإياك بقوله صلى الله عليه وسلم: ”مَن لا يَرحَم لا يُرحَم” رواه البخاري ومسلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: ”لا تنزع الرحمة إلا من شقي” رواه الترمذي وهو حديث حسن. اللهم اجعلنا ممن يَرحمون فيُرحمون.

ما واجب العلماء وأئمة المساجد في هذا الشهر؟
 إن واجب العلماء وأئمة المساجد أن يعلموا ويربوا ويعظوا، كما نصت على ذلك كثير من آيات الكتاب العزيز وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأجواء التي يوفرها شهر رمضان تجعل هذه العملية أوْكَد وأنفع.

ولا شك أن الوعظ مطلوب، فقد قال تعالى: {.. وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا}. وقدوة الوعاظ في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ينبغي أن تستغل فرصة الأجواء الرمضانية ليُضاف إلى الوعظ والإرشاد تنظيم دورات علمية يعلم الناس من خلالها أساسيات دين الإسلام وكذا محاضرات وندوات تعالج من خلالها قضايا تهم الوطن والأمة وتتناول مفاهيم تحتاج إلى ضبط وتصحيح، وقدوتنا في هذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإلى جانب التربية والتعليم كان لا يترك الأحداث تصنع الفهوم والمواقف، ثم إنه لم يكن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، ولعل من الموضوعات التي يحسن تناولها: حقيقة الزهد، حقيقة التوكل، مفهوم البدعة، المرجعية أسسها ومرتكزاتها، الأمن والسلم، وحدة الأمة، سماحة الإسلام بين العزيمة والرخصة، حقيقة العبادة. وهذا على سبيل المثال، وإلا فهناك مواضيع أخرى تمليها الظروف والأحوال.  

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول