غلق الإدارات وقطع الطرق للحصول على الحقوق

روبورتاجات
8 مايو 2015 () - تيزي وزو: م. تشعبونت
0 قراءة
+ -

فجّر والي ولاية تيزي وزو، عبد القادر بوعزغي، قبل أيام، قنبلة من العيار الثقيل عندما اتهم أطرافا، لم يفصح عن هويتها، بحبك مؤامرات لعرقلة التنمية بالولاية، محذرا من خطر انزلاق الوضع. وذكرت مصادر متطابقة أن مسؤول الهيئة التنفيذية الولائية اتخذ قرارات وخطوات لحل بعض القضايا العالقة، إلا أنه لقي معارضة من جهات تبدو “أقوى” منه.

باستثناء الأحداث الأليمة التي عاشتها الولاية ربيع 2001، لم يسبق لأي مسؤول بولاية تيزي وزو أن أطلق تحذيرات من خطر انزلاق الوضع مثلما فعله الوالي عبد القادر بوعزغي، وهو المسؤول الأول عن الولاية الذي يملك كل المعلومات عما يجري في العلن وفي الخفاء. هذه التصريحات التي أطلقها في دورة رسمية للمجلس الشعبي الولائي تركت الانطباع بأن هذا المسؤول، الذي قضى أزيد من 5 سنوات على رأس هذه الولاية، اصطدم بعراقيل تجاوزت صلاحياته وسلطاته وما أوتي من قوة قانونية لمواجهتها. 

قدّر والي تيزي وزو عدد غلق مختلف المقرات الإدارية بما لا يقل عن 868، كانت البلديات أكثر الهيئات عرضة للغلق، كما لم تسلم بناية الولاية من الغلق الذي طالها 103 مرة خلال الفترة نفسها. ومست هذه العملية في الأغلبية الساحقة من الحالات مقرات البلديات، حيث يراها المحتجون كرموز للسلطات العمومية التي لم تستجب لمطالبهم، إلا أن الظاهرة مست كذلك مقرات “الجزائرية للمياه” وشركة سونلغاز على الأقل 60 مرة، كون أغلب احتجاجات المواطنين بولاية تيزي وزو تأتي عندما يحرمون من الماء أو الكهرباء باعتبارهما من أبجديات الحياة، إلا أن الظاهرة امتدت للمطالب السياسية، حيث شهدت مقرات عدد من البلديات غلقا لعدة أيام بفعل خلافات سياسية، وأحيانا للمطالبة برحيل رئيس البلدية وحل المجلس البلدي.

ويعدّ قطع الطرق أمام حركة المرور أبرز المشاهد التي أضحت تطبع يوميات المنطقة، فالطريق الوطني رقم 12، أكبر طريق بالولاية، ظل على مدار السنوات الأخيرة يشهد كل أسبوع تقريبا حركات احتجاجية لمواطني العديد من القرى والبلديات للفت انتباه السلطات العمومية، حيث كانت هذه الحركات على مستوى الطريق المذكور في عدة مناسبات وراء شل الحركة بين عاصمة الولاية وأزيد من نصف عدد البلديات.

وتشهد بلدية عزازڤة منذ 8 أشهر حالة شلل تام ومنع رئيس البلدية من دخول مكتبه لمزاولة مهامه، حيث يطالب مواطنو عدد من قرى البلدية بحل المجلس، وهو ما دفع والي تيزي وزو لإيفاد لجنة تحقيق كانت نتائجها، حسب المسؤول الولائي، فارغة من كل ما من شأنه أن يؤدي لحل المجلس، قبل أن يعود رئيس البلدية إلى مكتبه قبل أيام بالقوة العمومية، إلا أن الاحتجاجات لم تتوقف.

من جهتهم، شل موظفو قطاع المالية، قبل أيام، ولمدة فاقت أسبوعين، مختلف نشاطات بقية القطاعات بفعل الإضراب العام الذي دخلوا فيه، وهو الوضع الذي أجبر مسؤول الهيئة التنفيذية الولائية على الاستنجاد ببعض مصالح المالية في ولايات مجاورة، وتزامن ذلك مع إضراب أساتذة الجامعة لقرابة شهرين. ولم تتخلف عاملات مصنع الأقمصة بالأربعاء ناث إيراثن عن الموعد، حيث قمن بشل نشاط المصنع لمدة فاقت 8 أشهر تمكنن بعد هذه الحركة الاحتجاجية القوية من تحقيق مطلبهن المتمثل في تنحية مدير المؤسسة واستبداله بمدير جديد. 

هذا الوضع المضطرب بالولاية فسره والي تيزي وزو على أنه مؤامرة تحاك من أطراف، لم يرد الكشف عنها، لعرقلة التنمية والدفع بالولاية نحو الانزلاق. وقد سجلت الولاية خلال العام المنصرم، حسب تصريح المسؤول الولائي، أزيد من 800 حركة احتجاجية شنها مواطنون من مختلف الفئات لأسباب تلتقي كلها في المطالبة بتحسين الظروف المعيشية، بعدما اقتنع هؤلاء أن السبيل الوحيد لتحقيق المطالب هو الاحتجاج بأقصى الدرجات الممكنة. وليس هذا مجرد اقتناع، بل أكدت ردود فعل السلطات العمومية أن التظاهر وقطع الطريق يعتبر أنجع السبل وأقصر الطرق للحصول على المطالب. فقد استجابت السلطات العمومية قبل أشهر قليلة لمواطنين قطعوا الطريق على بعد أمتار من مكتب الوالي وتمت إعادة إسكانهم فورا في سكنات جديدة، وليس هذا سوى مثال عن تحقيق مواطنين مطالبهم بالاحتجاج “واستعمال القوة”.

مدخل مقر الولاية يتحول لـ«حائط المبكى”!

يصطدم الداخل إلى مقر ولاية تيزي وزو بديكور يومي في السنوات الأخيرة، يتمثل في شاحنات تابعة لمصالح الشرطة وأعداد معتبرة من أعوان مكافحة الشغب رابضين بالقرب من الشاحنات لا يغادرون المكان ليلا ونهارا، وعلى مدى أيام الأسبوع في هيئة حالة الطوارئ، حتى يعتقد الداخل للولاية أنه يلج إحدى الهيئات الأمنية وليس إدارة مدنية. ويأتي قرار استقدام هذه التعزيزات الأمنية بعدما أصبح مدخل مقر الولاية كحائط المبكى، حيث أشار والي تيزي وزو قبل أيام إلى أن مقر البناية التي يتواجد بها مكتبه شهد خلال 4 سنوات 103 اعتصاما، لكن الرقم الذي قدمه الوالي يبدو أنه أقل من العدد الحقيقي، حيث لا يمر أسبوع دون أن يتم تسجيل حركة احتجاجية على الأقل، يشنها مواطنون وموظفون وطلبة وعمال ومعاقون ومختلف فئات المواطنين للتعبير عن تذمرهم أو لتقديم شكوى من حرمانهم من حقوق تعتبر من أدنى الحقوق التي تمكن الإنسان من الاستمرار في الحياة، على شاكلة الماء الشروب أو الكهرباء أو تزفيت الطريق.

وباستثناء عناصر الجيش الوطني وأفراد الشرطة وأعوان الدرك والأئمة، فإن بقية فئات المجتمع بالولاية نظمت على الأقل اعتصاما احتجاجيا واحدا أمام إحدى الإدارات.

عشرات الإضرابات شلت مختلف القطاعات

شهدت العديد من قطاعات النشاط بالولاية، خلال السنوات الأخيرة، اضطرابات وتوقفات عن العمل كان الهدف منها المطالبة بتحسين الظروف المعيشية والمهنية. ولم تقتصر هذه الإضرابات على قطاعات الوظيف العمومي والقطاع الاقتصادي، بل امتدت لتشمل الخواص وأصحاب المهن الحرة كالناقلين بوجه خاص، ووصل الحد إلى إقدام تجار الجملة على شن إضراب وقطع الطريق الاجتنابي لمطالبة السلطات العمومية بتهيئة مكان لهم لممارسة نشاطهم التجاري، علاوة على الطلبة الجامعيين الذين يعبرون عن تذمرهم من الخدمات المقدمة على مستوى الإقامات الجامعية، أو لرفع احتجاجهم على المشاكل البيداغوجية.

السلطات تتعامل بحذر وتستثمر في الوضع

تتعامل السلطات العمومية بولاية تيزي وزو بحذر شديد مع الحركات الاحتجاجية، وتعمل بشكل يصب في اتجاه إخماد الحركة دون اللجوء إلى القوة، سواء بدافع عدم الرغبة في العودة إلى ما يشبه أحداث “الربيع الأسود” لسنة 2001، أو لإبعاد كل ما يشتبه فيه أنه قد يشعل فتيل احتجاج ينتهي بعبارة “ارحل”. 

وقد سئل والي تيزي وزو السابق، المتواجد حاليا بولاية باتنة، حسين معزوز، ذات يوم من طرف صحفي بتيزي وزو: “لماذا لا تتدخل السلطات العمومية لفتح الطرق عند قطعها من قِبل المحتجين؟”، فكانت إجابته: “أنا وال مكلف بالتنمية، ولست مكلفا بالقمع”.

هذه الاستراتيجية جعلت المواطنين يؤمنون فعلا أن السلطات تعمل عكس رغباتهم، سواء نتيجة الإهمال والتقاعس عن العمل أو لأسباب مجهولة، ذلك أن العديد من الانشغالات تبقى عالقة لعشرات السنين، لكن بمجرد شن حركة احتجاجية واسعة تسارع الجهات المعنية للتكفل بها في أسرع وقت، إلى درجة أن السكان أصبحوا يلجأون للاحتجاج لتلتفت إليهم السلطات.

وأمام كثرة الحركات الاحتجاجية انتقلت السلطات العمومية إلى خطاب جديد مفاده أن كثرة الاحتجاجات دليل على نجاح البرامج التنموية “وبالتالي فإن المواطنين يطالبون بالمزيد”، لكن الحركات الاحتجاجية كاملة لم تخرج دوافعها عن 3 مطالب تتجدد في كل احتجاج، وهي الماء الشروب وتعبيد الطريق وانقطاع التيار الكهربائي، وفي حالات قليلة الغاز الطبيعي، وهي مطالب يفترض أنها لا تطرح في بلد بحجم الجزائر. وقد ألقت هذه الظاهرة بضلالها على التنمية حيث تعاني الولاية مشكلا عويصا يتمثل في ندرة وسائل الإنجاز، بسبب “فرار” العديد من المقاولين إلى ولايات أخرى، إذ يقول هؤلاء إن كثرة الحركات الاحتجاجية تسبب لهم خسائر كبيرة، وبالتالي فإنهم يفضلون العمل والاستثمار في مناطق أخرى.

من الاحتجاجات السياسية إلى المطالب الاجتماعية

لقد نجحت السلطات إلى حد كبير في احتواء الاحتجاجات ذات الطابع السياسي، والتي كانت في السنوات الماضية تطبع الحياة في المنطقة، على شاكلة المسيرات والاعتصامات لطرح مطالب سياسية كالاعتراف باللغة الأمازيغية، إلى جانب المسيرات الكبرى التي كانت تنظمها الأحزاب السياسية المتجذرة بالمنطقة وبعض المنظمات والجمعيات، على غرار الحركة الثقافية الأمازيغية سابقا، لكن الوضع تغير، حيث غابت هذه التظاهرات السياسية التي كانت تميز المنطقة في عهد السرية، لتحل محلها احتجاجات لطرح مطالب اجتماعية دون تأطير من أي طرف كان. وبات المواطنون ينظمون حركات احتجاجية غير متناهية لحمل المسؤولين على ربط القرى بالماء الشروب أو لتعبيد الطرقات، لتبقى هذه الطريقة تقليدا في الولاية لإيصال صوت الضعفاء والمحرومين إلى الجهات المعنية، ليس للمطالبة بالرفاهية لكن لتقديم نداء استغاثة لإنقاذهم من العطش أو لتمكينهم من الدخول والخروج من منازلهم دون الغرق في الأوحال.

وعلى عكس خطاب السلطات العمومية، فإن المواطنين يقرون أن إنهاء الوضع القائم لا يمكن أن ينتهي سوى بالتكفل بانشغالاتهم، وذلك بتوفير أدنى ظروف الحياة الكريمة دون انتظار موجة من الاحتجاج لتقوم الجهات المعنية بالمهام الموكلة إليها. م. ت

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول