العاصمة تتحول إلى جحيم

روبورتاجات
4 فبراير 2014 () - الجزائر: نوار سوكو
0 قراءة
+ -

 أصبح الدخول إلى العاصمة على متن أي نوع من المركبات أشبه ما يكون بعقوبة، من فرط الازدحام الذي يصل يوميا حد الاختناق، حالة تحول الآلاف من الناس القادمين من ولايات أخرى إلى كائنات مضغوطة ولو أن المدن في العالم توفر عوامل امتصاص القلق لتوافر عناصر الطمأنينة التامة على نحو يجعل الحياة أكثر جاذبية تغذي فيهم حلم العودة لرؤيتها مرة أخرى. فالداخلون إلى العاصمة الجزائرية من ضاحيتها الجنوبية، وتحديدا من الأربعاء والكاليتوس يقسمون بأنهم لن يدخلوا العاصمة مرة أخرى، بعد أن أصبحوا يقضون نحو ثلاث ساعات على طول المسافة الرابطة بين الأربعاء والحراش, ففي حدود الساعة السادسة والنصف صباحا من يوم الثلاثاء والأحد (وهما يومي الاستقبال في الإداراة)، تبدأ حالة الازدحام وتصل إلى ذروتها أمام مقر بلدية الكاليتوس حتى سوق الجملة للخضر والفواكه.
النهوض على الخامسة صباحا لتحاشي الازدحام
مثل هذا الوضع ضغط بثقله على كثير من المواطنين ممن يشتغلون في الإدارة العمومية وسبّب لهم متاعب لا حصر لها على نحو ما يشير إليه نبيل، وهو شاب يقيم بالكاليتوس ويشتغل بإحدى فروع مصالح الضمان الاجتماعي بقلب العاصمة: “بعدما كنت أخرج من البيت قبل عام على الساعة السادسة صباحا لأتوجه إلى مقر العمل، أصبحت أنهض على الساعة الخامسة صباحا، وإلا فإني لن أصل في الوقت المحدد”. ومع أن باقي أيام الأسبوع (السبت والاثنين والأربعاء والجمعة) ليست أيام استقبال، إلا أن الطريق السريع الرابط بين الدار البيضاء وزرالدة، يعرف حالة ازدحام بشكل يومي لا نظير لها في حدود الساعة الثامنة صباحا والرابعة مساء، في مرحلة الذهاب، بين براقي ومنطقة حي الجبل بباش جراح، إذ يتواجد بالمنطقة حاجزين أمنيين، واحد للدرك الوطني وعلى بعد كيلومتر منه حاجز آخر للشرطة.
يتساءلون عن رفع حالة الطوارئ والإبقاء على الحواجز الأمنية
ما وقفنا عليه، هو أن كثير من الجزائريين لا يترددون في طرح تساؤل مؤداه، لماذا تم الإبقاء على هذه الحواجز الأمنية، أليس ذلك مرتبط برفع حالة الطوارئ؟. ربما هناك لبس بين حالة الطوارئ المسوّقة من قبل الإعلام باتجاه المواطنين وبين التصور الذي تحتفظ به مصالح الأمن، خاصة وأن هناك من قال لنا أن “هذين الحاجزين هما مصدر تأخر كثير من الناس في الوصول إلى مقرات عملهم، بل وفيما تفيد  هذه الحواجز، أليست هناك وسائل تكنولوجية متناهية في الدقة قادرة على مراقبة الأشخاص والمركبات”.

العاصمة..تتحول الى سجن كبير
واصلنا جولتنا على مستوى الطريق السريع حتى قبالة حديقة الحيوانات ثم انحرفنا يمينا للدخول إلى بن عكنون، ما تأكدت منه خلال تلك اللحظات هو أن الجزائر العاصمة تحولت فعلا إلى سجن كبير ممتد بفعل هذا الكم الهائل من السيارات التي جعلت الحياة تتحول إلى جحيم بعد أن فقدت طعمها تحت ضغوطات القلق والخوف من ضياع الوقت في طابور واسع من السيارات التي تتحرك بريتم ميليمتري، ففي مسافة تقل عن الكيلومتر انتظرنا لقرابة 10 دقائق لتتأزم الأمور أكثر بعد أن اقتربنا من قلب المدينة. هذا الوضع في الحقيقة يقود إلى طرح تساؤل آخر عن الخطاب الرسمي المسوق في الجزائر وفي الخارج عن السياحة في بلدنا.
فإذا كان الأجنبي يستغرق ساعتين في رحلته عبر الطائرة من باريس إلى مطار هواري بومدين، فإن الجزائري يستغرق أزيد من ساعتين من المطار إلى ساحة الشهداء على متن سيارة أجرة أو بسيارته. فالسياحة الجالبة أكثر للطمأنينة هي الرهان الذي تتنافس عليه اليوم كافة الدول العارفة بهذا المجال، وبدأت مؤشرات نجاحها في دبي وقطر..خرجنا من بن عكنون بشق الأنفس باتجاه الأبيار في حدود الساعة الواحدة زوالا، لكن ما أن وصلنا إلى شارع محمد شعبان التي تأخذ شكل منحدر إلا وعادت الأمور لتتأزم من جديد، بدليل أن كيلومتر واحد انتظرنا لأجل اجتيازه أكثر من 20 دقيقة. هذا المقطع، يقول عنه بعض أبناء الأبيار أنه تحوّل إلى هاجس كبير منذ نحو ثلاث سنوات. عندما سمعنا أحد عناصر الشرطة نتحدث، التفت إلى صاحب سيارة أجرة وقال له “أنتم ونحن بصدد العمل وأصحاب كل هذه السيارات ماذا يفعلون في هذا الوقت بالضبط في الطرقات”.

 لماذا يجوبون الشوارع أثناء ساعات العمل؟
ربما الشرطي قد ألهم الحقيقة من حيث لا يدري، ماذا يفعل الآلاف من الجزائريين بسياراتهم في الطرقات أثناء ساعات العمل (من الساعة التاسعة صباحا الى الرابعة مساء)؟ يجيب رشيد رب عائلة، تجاوز الخمسينيات من عمره “هذا المشكل يتحمل مسؤوليته رئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى، الذي جاء بإجراءات شراء السيارات بالتقسيط”، ليقاطعه سعيد وهو أحد جيرانه بالقول “من حق أي جزائري أن يكسب سيارة، فالمشكل ليس في السيارة وإنما في غياب سياسة رشيدة خاصة بقطاع النقل وبتنظيم المدينة”. ثم تدخّل مولود وهو جار لسعيد ورشيد “السيارة في الجزائر أصبحت في مخيلة الجزائري رمزا للرفاهية حتى أنه ربما عمال كل القطاعات ممن استفادوا من الزيادات في الأجور كانوا يضعون في صدارة أولوياتهم الاجتماعية، شراء سيارة خاصة، وأن المجتمع الجزائري عاش سنوات الجمر والحرمان وهو اليوم بدأ يتنفس، يعبر عن أماله وطموحاته من خلال هذه الحاجيات”.
من الأبيار قررنا الذهاب إلى باب الزوار عبر الطريق السريع، ما أن وصلنا إلى حي الموز حتى شدّنا مظهر مئات السيارات إن لم تكن الآلاف وهي متوقفة على طول مسافة تزيد عن الثلاث كيلومترات ولاسيما جهة الطريق المدخلة الى العاصمة، إذ تحولت منطقة حي الموز الى نقطة سوداء مند نحو ثلاث سنوات.

أربعة ملايين سيارة والاستيراد متواصل..
وإن أعاب بعض أصحاب المركبات على وزارة الأشغال العمومية عدم استثمارها للطريق السيار واستخدامه في القضاء على بعض النقاط السوداء من جانب إنجاز ما أمكن من المحولات، فإن البعض يقول أنه ينتظر من الحكومة أن تلتفت من حولها لتدارس خطر الازدحام على معيشة وحياة الناس، بعد أن أصبحت كل مداخل ومخارج وطرقات المدينة لا تستوعب الكم الهائل من السيارات، بدليل أن وزير النقل نفسه عمار غول يعترف صراحة أن مشكل الازدحام في العاصمة قد تفاقم  أكثر من ذي قبل ورهن مستقبل المدينة، وصرح بوجود ما لا يقل عن أربعة ملايين سيارة تدخل يوميا إلى العاصمة، وسيتضاعف العدد بأربع مرات في غضون 2025 إذا لم يتم إيجاد حلول وإجراءات استعجالية للمشكل، يحدث ذلك في غمرة مواصلة إبقاء الحكومة على عملية استيراد السيارات من الخارج.
وتفيد روايات أصحاب مركبات تحدّثنا إليهم ببلكور قبل وصولنا إلى ساحة أول ماي بصعوبة كبيرة في حدود الساعة الثانية زوالا، أن حالات الازدحام على مداخل ومخارج العاصمة سببت مشاكل ومتاعب للناس لا حصر لها، إذ توفي أشخاص كانوا في طريقهم إلى المستشفى، فيما عاشت عائلات أخرى على وقع مشاكل الطلاق، بينما فصل موظفون وعمال من مناصبهم واقتيد آخرون إلى محاكم. لكن ما هي الأسباب التي قادت إلى تفاقم هذا المشكل لدرجة تعذر إيجاد حلول ولو مؤقتة له.
بعض العارفين بقطاع النقل يقولون إن النقل العمومي في أية دولة متقدمة هو حجر الزاوية في معادلة تنقّل المواطنين، إلا أن ضعف هذا النوع من النقل وبقائه محصورا في بعض المناطق الضيقة فقط من المدن، جعل الناس يلجؤون لاستعمال المركبات للالتحاق بمقرات عملهم وقضاء حاجياتهم.”فالنقل العمومي في العاصمة مازال بعيدا عن مستواه، بدليل قلة الحافلات التابعة لشركة النقل الحضري (إيتوزا)، فضلا عن عدم استناد هذا النوع من النقل الى سياسة ناجعة وصارمة تراعي التوقيت الدقيق”، يقول إطار سابق في مؤسسة النقل الحضري.

غياب النقل العمومي..
والى ذلك، فإن الجزائريين الذين انتظروا لأزيد من 30 عاما لركوب الميترو، خاب أملهم على اعتبار أن النقل عبر هذه الوسيلة مازال محدودا في بعض الكيلومترات، ولم يسهم على نحو ملموس في التقليص من مشكل تنقّل المواطنين، مما يعني أن التخطيط لوسيلة النقل هذه لم يكن بطريقة استراتيجية، بدليل أنه وعلى بعد 7 كيلومترات من العاصمة، مازال المواطنون يستعملون مئات السيارات، إن لم تكن الآلاف للدخول الى العاصمة. يحدث ذلك في غمرة سوء التنظيم الذي يطبع عملية النقل بالسكك الحديدية. فعلى الرغم من ترسانة القطارات التي وضعت لخدمة سكان الضاحية الشرقية للعاصمة، إلا أن ذلك بدا غير كاف لامتصاص المد الهائل من الركاب القادمين الى العاصمة، فضلا عن عدم احترام التوقيت، مما يجعل العديد منهم يلجأ مرة أخرى لاستعمال مركباتهم، لأنهم فقدوا الثقة في وسيلة لا تحترم عامل الوقت.
محلل اجتماعي: “العاصمة يجب أن تنظم كمدينة وليس كدوار”
ويقول البروفيسور محمد طيبي، وهو محلل اجتماعي، أن مشكل الازدحام في العاصمة هو “نتيجة لفشل واضح في التخطيط العمراني، كما تحيل المشكلة بالأساس إلى غياب علم صناعة المدينة من حيث دور المختصين كالعمرانيين ودور الاجتماعيين العمرانيين ودور نخبة المدينة الأصيلة. ويضيف “العجب ليس في وصول مدينة الجزائر إلى مستوى هذا الاختناق، بل أيضا في الجانب المكلف اقتصاديا والمتعب نفسيا والصانع لفوضى المدينة التي ينجرّ عنها السلوكيات القاتلة للمدينة”. ويرى أن “هناك مدن أخرى ستصل إلى هذه المأساة بما سيشكل خطرا يصعب التحكم فيه على الأمن القومي والسلم الاجتماعي. وقال “إن العاصمة يجب أن تنظّم كمدينة وليس كدوار ويخطط لها كفضاء قابل للتوسع والمشكل قائم منذ عشرات السنين”. كما لم يتردد في إرجاع المشكل إلى غياب النقل العمومي الذي “يجب أن يكون أساسيا في المدينة ويشترط فيه جملة من العوامل، أهمها وفرة المركبات وسعتها. وثانيا التوقيت الدقيق لسيرانها وثالثا الأمن العمومي”.كما أنه يعترف بـ “غياب محولات على مستوى الطرقات وضرورة ارتقاء الشرطة المرورية إلى المهنة المطلوبة وتحلي سلطات العاصمة برؤية علمية ترى المدينة ككيان حيوي يتوسع ويتغير ويتطور، فالمدينة هي مرجعيات جمالية وفنية وليست فقط شوارع وطرقات”.

مدينة الجزائر تحت الحصار..
وعلى أية حال، فإن العاصمة أضحت كما لو أنها محاصرة، بدليل أن كل المداخل والمخارج التي تفكر في استعمالها تجدها مختنقة من الصباح حتى المساء، بدليل أنه في حدود الساعة الثانية زوالا لم نتمكن من الدخول إلى ساحة أول ماي، إذ عرف الجسر الرابط بين بلكور وساحة أول ماي، حالة ازدحام بعثت الخوف في نفوس بعض الناس ممن تساءلوا عما إذا كان الجسر يستوعب كل هذا الكم من السيارات، وتعقدت الأشياء عند النفق الواقع قرب مستشفى مصطفى باشا، حتى أنك لا تتردد في التساؤل عن عشرات السيارات التي اصطفت في طابور واسع امام المدخل الرئيسي للمستشفى وبقي أصحابها عالقون ينتظرون انفراجا في الحركة لعلهم يتمكنون من رؤية مرضاهم. ولم تخرج شوارع ديدوش مراد، خميستي بالبريد المركزي في حدود الساعة الثانية والنصف زوالا عن القاعدة. والأمر نفسه بالنسبة لشارع زيروت يوسف والشارع الذي يربط عبان رمضان بساحة الشهداء، الطريقان المستعملان عادة من قبل السياسيين والوزراء والنواب.

فاروق قسنطيني: “نحضر لاقتراح الزيادة في سعر البنزين”
هذا المشكل قال عنه رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان فاروق قسنطيني، إنه “سيكون ضمن التقرير السنوي عن حقوق الإنسان في الجزائر والذي سيقدم للرئيس بوتفليقة، خاصة بعد تلقينا شكاوى من عشرات المواطنين ممن يواجهون متاعب يومية بسبب الازدحام”. وتابع المتحدث في تصريح لـ”الخبر” طلبنا من الحكومة تعيين خبراء ولجان مختصة لتدارس المشكل قصد إيجاد ولو حلول مؤقتة له، ونحن حاليا بصدد إعداد اقتراح سيقدم للحكومة، يتضمن الزيادة في سعر البنزين بنوعيه للتخفيف من استعمال السيارة”. وقال “إن هناك من يستعمل السيارة قصد الذهاب لشراء خبزة وكيس حليب”. فبالنسبة إليه إن “المشكل يتفاقم من يوم لآخر ومع ذلك لا يوجد أحد يفكر في حله، بدليل تواصل عملية استيراد السيارات، والمشكل أصبح يؤثر على مردودية الناس”، بينما يقول المختص في علم النفس والناطق الرسمي لجمعية طريق السلامة مسعود بن حليمة “إن الانتظار في حالة الازدحام لو يتجاوز 30 ثانية إلى 50 ثانية تبدأ الهرمونات بإنتاج إفرازات تكون مسؤولة مباشرة عن القلق، وهذا القلق يؤدي إلى خلل في التركيز، مما يقود بالتالي إلى الاضطراب الذي تنجم عنه أمراض المعدة، القلب، تقلص العضلات، التشنج وضغط الدم، وكذا أمراض نفسية”.كما يشير إلى أن الازدحام سببه أيضا غياب ثقافة السير، فضلا عن كون الجزائري ليست له ثقافة استعمال السيارة من جانب كونه لا يعير اهتماما لقوانين المرور.

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول