تلاميذ مدارس كولن شوكة في حلق أردوغان

روبورتاجات
29 مايو 2014 () - إسطنبول: مبعوث “الخبر” محمد درقي
0 قراءة
+ -

 كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر والنصف صباحا، عندما أقلعت بنا طائرة الخطوط الجوية التركية من مدرج مطار هواري بومدين بالجزائر العاصمة باتجاه مدينة إسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا، وبمجرد أن استوت الطائرة في عرض السماء، على ارتفاع 12 ألف قدم عن سطح الأرض، باشرت مُضيفات حسناوات الوجه، أنيقات الملبس، عملية تقديم حلويات تركية على كل ركّاب الطائرة، تُشعرك بمجرد تذوقها بأنك مُقبلٌ على سحر وعبق الدولة العثمانية العليّة التي عرفت في السنوات الأخيرة طفرة نوعية كبيرة، جعلتها تُزاحم كبريات الدول في مجال التطور الاقتصادي والبنية التحتية.

في رحاب مدينة أبي الخيرات
وما هي إلا ثلاث ساعات من الطيران، مرت بسرعة البرق نتيجة الخدمات الرفيعة التي وجدناها أثناء الرحلة، حتى أعلن ربّان الطائرة بأننا سنحطّ بعد دقائق معدودة في مطار إسطنبول الدولي، عندها انتابني وكثير من الركاب شعورٌ فريد ممزوج بالفضول. كيف لا ونحن مقبلون على اكتشاف مدينة أبي الخيرات، محمد الفاتح سابع سلاطين سلالة آل عثمان، الذي كان بحق صدقًا لنبوءة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، حينما بشّر به قائلا: “نعم الأمير أميرُها، ونعم الجيش جيشها”، قاصدا فتح مدينة القسطنطينية على يديه، قبل أن يتحوّل اسمها فيما بعد إلى إسطنبول، في إطار إصلاحات أتاتورك القومية سنة 1930.
وبسلاسة كبيرة تُغاير بكثير حال جُلّ مطاراتنا، تمكنّا من استنفاد إجراءات الدخول، ووجدنا في استقبالنا السيد حميد، أحد قياديي حركة “الخدمة” التي أسّسها فتح اللّه كولن، غريم رئيس الوزراء، الطيب رجب أردوغان، في نهاية الستينيات من القرن الماضي، قبل أن تتحوّل هذه الحركة التي بدأت بمدرسة إلى حركة عالمية، غُرست نواتها الأولى في مدينة “إزمير”، وامتدت جذورها وثمارها إلى أكثر من مائة دولة في العالم، في شكل مدارس ومستشفيات ومنابر إعلامية ومؤسسات خيرية ومنظمات إغاثة للمسلمين، أينما كانوا وحيثما وجدوا.
والحقيقة إنني قبل هذه الزيارة الأولى إلى تركيا، لم أكن أملك أي معلومات عن جماعة “الخدمة”، أو “حزمت” مثلما تسمى في أوساط الأتراك، ولا عن زعيمها المفكر الصوفي فتح اللّه كولن، وهو ما جعل حماسي يزداد وفضولي يستفحل لاكتشاف هذه الحركة التي أحرجت زعيم تركيا الجديد، أردوغان، حتى اضطر، قبل أسابيع، بعد فوزه في الانتخابات البلدية لـ30 مارس المُنقضي إلى تقديم طلب إلى وزارة الخارجية الأمريكية يقضي بتسليمه حليفه السابق رجل الدين، كولن، المقيم حاليا في منفاه الاختياري بمدينة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وتوعّده بتصفية ما يُسميه وأنصاره “الدولة الموازية” التي أسّسها هذا الأخير في دواليب الحكم، واتّهامه بالتنصّت بصورة غير قانونية على آلاف المكالمات الهاتفية لمسؤولين كبار في الدولة، وتسريب تسجيلات تكشف قضايا الفساد التي لاحقت العديد من وزراء وقياديي حزب العدالة والتنمية، في إطار ما بات يُعرف بقضية الفساد والرشوة التي تفجّرت في 17 ديسمبر 2013.

رحلة اكتشاف ثمار ابن مدرسة بديع الزمان
ولأن لكل حكاية بداية، ولكل بداية ديباجة، كانت رحلة اكتشاف هذه الحركة التي تجاوزت باب العالمية من عمادها الذي أنتج مئات الآلاف من الأتباع والأنصار والحواريين، يتوزعون عبر كل أصقاع العالم وأرجاء المعمورة، فكانت الوجهة إلى مجمّع مدارس الفاتح الذي يُعتبر أكبر مدرسة في منطقة مرمرة التي تضم حاليا 106 مجمّع مدرسي تابع لـ«الخدمة”، ناهيك عن مئات المجمّعات والمدارس الأخرى المتوزعة عبر أنحاء تركيا المقسّمة إلى سبع مناطق.
وللأمانة، فإني اندهشت، بل صُعقت لما رأته عيني في هذا المجمّع، ولما لمستُه من خدمات ونظام عمل لا يمكن إلا أن يُنتج ما يُسميه كولن في فلسفة تصوره “النسل الذهبي”، الذي يخدم الإنسانية جمعاء. وعندها عادت مُخيلتي بي قرابة ثلاثة آلاف كيلومتر من موقع تواجدي، وبالتحديد إلى مدارس وإكماليات وثانويات بلادي هناك في الجزائر، في مقارنة غير متكافئة، فاستحضرت حال المؤسسات التربوية في منطقة “شطيبو” و«الحاسي” بوهران وديار البركة والقبة بالعاصمة، والدقسي والزيادية بقسنطينة، ما جعلني أجزم، إلى حد اليقين، بأن الجزائر بحكومتها ووزاراتها وبترولها لم تنجح في بناء مؤسسة واحدة بمواصفات ونظام عمل مجمّع من مجمّعات مدارس “الخدمة”، وهي حركة نبعت من شخص واحد، لم يكن يملك في جعبته سوى أفكاره.
وبغضّ النظر عن هندسة البناية المدروسة، المُتربّعة على مساحة 24 ألف متر مربع، تتخللها مساحات خضراء غاية في الجمال، فإن طريقة التعليم في مدارس “الخدمة” تختلف عن غيرها من المدارس الحكومية والخاصة الأخرى، مثلما يوضح السيد رفيق أوكيان، (أوكيان بالتركية تعني القارئون)، مسؤول العلاقات العامة ونائب المدير، الذي استقبلنا بحفاوة كبيرة، فليس كل من يرغب في الالتحاق بمدارس “الخدمة” يتسنّى له ذلك، حتى لو دفع تكاليف الدراسة السنوية المحددة بـ4,5 ألف دولار للطور التحضيري و9 آلاف دولار بالنسبة للأطوار التعليمية الأخرى، باعتبار أن الطلبة يتم انتقاؤهم بدقة متناهية من خلال لقاء أولي معهم، لامتحان قابليتهم وتقييمهم من الجانب العلمي والأخلاقي، قبل الموافقة على تسجيلهم ضمن صفوة الصفوة.
ولا يقتصر الاختيار والانتقاء المُدقق على التلاميذ والطلبة فحسب، بل يتعداه إلى الأساتذة الذين يُعدّون أساس العملية التعليمية، حيث يوضح السيد رفعت بأن اختيار أساتذة مدارس “الخدمة” يتم وفق عملية مميّزة ومدروسة تنتهي بانتداب خيرة المتخرجين من الطلبة النجباء الذين تتم متابعتهم على مدار سنوات طويلة، من بداية المرحلة التحضيرية وإلى غاية تخرّجهم من الجامعات، فتلاميذ الأمس في مدارس “الخدمة” هم أساتذة اليوم في مجمّعاتها، على اعتبار أن “الخدمة” واصلت توسّعها حتى في التعليم العالي من خلال امتلاكها 13 جامعة في تركيا، ثلاثة منها متواجدة في مدينة اسطنبول لوحدها.
والمثير للغرابة أن الطلب على المدارس التابعة لـ«الخدمة” أكثر من العرض المُتاح في أرض الواقع، ولكن إذا عُرف السبب بطُل العجب، فحسب السيد أوكيان فإن تلاميذ مؤسسات فاتح دائما يُصنّفون في المراتب الثلاث الأولى، وعند صدور نتائج امتحانات الأقسام النهائية المؤهلة للجامعة، تجد ضمن الألف الأوائل مجموع 500 طالب من مجمّعات فاتح الدراسية، والفضل في ذلك يرجع إلى مجموعة من العوامل انصهرت فأنتجت كوادر وإطارات يحتلون حاليا أرقى المناصب العليا في المجتمع وعلى مستوى الشرطة والقضاء والمؤسسات الإعلامية، وغيرها من هيئات وأجهزة الدولة، أبرزها توجيه الكفاءات حسب قدرات كل تلميذ ومجالات تفوقه، استنادا للقاعدة التي سطّرها شيخ التسامح جلال الدين، الذي يقول إن “الإنسان جوهرة، وداخل كل إنسان جوهر نفيس”، ومهمّتنا البحث عن هذا المعدن النفيس وتنميته وتطويره.

صفوة الصفوة الاستثمار الحقيقي لكولن
ولأن سياسة ومنهجية جماعة “الخدمة” تركّز على النجباء والمتفوّقين من التلاميذ، حيث تكاليف دراسة هذه الشريحة المميزة تكون بصفة مجانية طيلة مشوارهم الدراسي إلى غاية تخرّجهم، بل أكثر من ذلك يستفيدون من منح شهرية، ويتم استقطابهم ومتابعتهم في أي نقطة من تركيا، حيث يقدر مسؤول المجمّع نسبة هؤلاء التلاميذ الذين يدرسون بالمجان بـ30 في المائة من مجموع تلاميذ مدارس “الخدمة”. علما أن ثلث تلاميذ تركيا بأكملها يتابعون دراساتهم على مستوى مدارس ومؤسسات الحركة، ما يوضح السمعة الكبيرة التي تحظى بها هذه المدارس لدى الأتراك.
وعند معاينتك للبنايات وقاعات التدريس، تكتشف ببساطة سر النجاح، فالقاعات مُجهّزة بأحدث التقنيات التكنولوجية للتدريس، حتى يكون التلميذ مسايرا لتطورات العصر وتقنيات التواصل والاتصال، مع احترام المعدلات العالمية المفترضة داخل الأقسام، إذ لا يتجاوز عدد التلاميذ 15 تلميذا بالنسبة للأقسام التحضيرية، و24 في باقي الأطوار الأخرى، مع أن معدلات الأقسام في مدارس الحكومة يؤكد السيد أوكيان تبدأ من 35 تلميذا، وقد تصل إلى حدود 60 تلميذا، مشددا على إيلاء مدارس “الخدمة” أهمية قصوى لتعليم اللغات الأجنبية، من خلال أساتذة يتمتعون بكفاءة عالية، أغلبهم من البلدان الأصلية للغات التي يُدرّسونها.
ولم يترك القائمون على هذه المدارس أي شيء للصدفة، ولذلك اخترق نجاحها حدود تركيا وامتد إلى كبريات الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، مُقارعًا مستواها مدارس هذه البلدان في عقر دارها، لاسيما وأن مدارس “الخدمة” تستوعب كل الأطياف دون تمييز، حيث لا يقتصر التدريس على حجرات وأقسام المؤسسة بل يتعداه إلى خارج المؤسسة من خلال متابعة الأستاذ تلاميذه إلى غاية بيوتهم، حيث يتتبّع النقائص العلمية التي يعانون منها، بل يُتابع حتى سلوكاتهم الأخلاقية ومدى مواظبتهم على الصلاة، وغيرها من المسائل التي تكون أسباب النجاح والتفوق، فنظام العمل في مدارس الخدمة متواصل طيلة أيام الأسبوع، ومواقيت العمل تصل إلى 40 ساعة أسبوعيا، خلافا لمواقيت المدارس الحكومية المحددة بـ30 ساعة أسبوعيا فقط.
وقد شدّتني جزئيات بسيطة في هذه المدارس، إلا أن أثرها بالغ جدا على نفسيات التلاميذ ومشوارهم الدراسي وتكوين شخصيتهم المستقبلية، فتجد مثلا وأنت تتجوّل في أروقة أجنحة مختلف الأطوار، صور معلقة لعلماء مسلمين صنعوا مجد هذه الأمة، على غرار ابن سينا والخوارزمي، والعديد من الأعلام الأتراك الذين صنعوا مجد الدولة العثمانية، أمثال خير الدين بربروس، وسنان أكبر معمار في الدولة العثمانية، والفاتح الذي أدخل الإسلام إلى منطقة الأناضول، في خطوة لربط هذا الجيل بأصوله وماضيه العريق.

“أعرف نفسي عندما أقرأ”
أما في إحدى القاعات الخاصة بتلاميذ الابتدائي كانت فارغة، وجدنا في أحد جدرانها صبورة مكتوب في أعلاها، عبارة “أعرف نفسي عندما أقرأ”، وتحتها مباشرة صور أطفال مشكّلة من قطع متعددة، بعضها مُكتمل، وبعضها الآخر تنقصه بعض التفاصيل، وعندما استفسرنا الأمر، أكد لنا مُرافقونا بأن كل التلاميذ مُطالبون بأن يقرأوا كتابا ثقافيا بصفة يومية، وعندما يقوم التلميذ بذلك يُثبّت قطعة على السبورة، حتى عندما يقرأ كل الكتب المطلوبة منه تتشكل له صورته بصفة كاملة، ويتسنى له رؤية الحقيقة بشكل أفضل، فالصور التي وجدناها هي صور تلاميذ تلك القاعة.
وغير بعيد عن القاعة التي غادرناها، وبالضبط في الأروقة المُتاخمة لحجرات التدريس، تجد صور قلوب كبيرة رسمها التلاميذ مملوءة بصفة متفاوتة بورود حمراء، حيث إن كل تلميذ يقوم خلال اليوم بعمل خيري أو تطوعي أو تقديم يد العون لغيره، مهما كان حجم هذا العون، يُخبر أستاذه، ويتسنّى له إضافة وردة حمراء في قلبه، حتى يُصبح لديه في نهاية المطاف قلبٌ كبير مليء بالورود يتعايش مع الناس ويسع الجميع دون كراهية أو حقد. وحتى في السلالم المؤدية إلى الطوابق، تجد عبارات وأمثال وحكم مكتوبة بمختلف اللغات، بالشكل الذي يجعلك تتعلم حتى وأنت بصدد الصعود إلى أي طابق.
وتحتوي المدرسة على إقامة داخلية ممنوع الولوج إليها بالأحذية، باعتبار أن أرضيتها مفروشة ببساط واحد، بها غرف تشبه إلى حدّ كبير غرف فنادق فخمة من طراز أربع أو خمس نجوم، مهيّأة بكل الاحتياجات، تخصص لإقامة الأولياء الذين يفدون من مختلف المحافظات لزيارة أبنائهم المتمدرسين وتفقد أحوالهم، كون المجمع يضم تلاميذ من جنسيات مختلفة ينحدرون من 20 دولة أجنبية، كالصومال وصربيا، وليبيا وغيرها. كما أن التكوين في المجمّع يشمل أيضا كل أولياء الـ1800 تلميذ المسجلين في المدرسة، من خلال جلسات تمتد إلى 30 ساعة في السنة، يشرف عليها مختصون في علم النفس، الهدف منها إكساب الأولياء خبرة في التعامل مع أبنائهم وتنمية قدراتهم خارج أسوار المؤسسة.
ومن مميزات هذا المجمّع الذي يعكس توجّه حركة “الخدمة” ككل، وطريقة عملها، هو أن كل معداته وخدماته وتفاصيله لا تخرج عن دائرة التنظيم، فتصميم البناية وهندستها مثلا أشرف عليه مكتب “زيمباك”، التابع للحركة، تماما مثلما هو الحال بالنسبة للوجبات الغذائية عالية الجودة التي تقدّم للمتمدرسين وطواقم الأساتذة والعمال، والتي تتكفل بها شركة “كاترينك” المتكفلة بتقديم الوجبات لكل مدراس “حزمت” في كل أنحاء تركيا وخارجها، الأمر الذي يعكس الاستقلالية المالية التي حرص كولن على تجسيدها، حتى يجعل حركته مستعصية عن أي محاولات تطويع، وفي منأى عن أي مناورات لتقويضها من قِبل زُمر السلطة ودوائر الحكم، بالرغم من المحاولات المتكررة مع أبنائها لاستدراجهم إلى مناصب في السلطة.

السلطة الرابعة لمواجهة غطرسة الخصوم
القوة التي تستمدها حركة “الخدمة” لمقاومة الضربات الموجعة التي توجّه لها من قِبل العلمانيين في وقت سابق، ومن حزب العدالة والتنمية في الوقت الراهن، لا تقتصر على مجال التربية فقط، بل تتعداه إلى قطاع الإعلام بمختلف أنماطه السمعية، البصرية والمكتوبة، حيث تملك الحركة جريدة “زمان”، التي تُعد أكبر جريدة في تركيا كلها، بسحب قدّره مدير علاقاتها العامة، الذي طاف بنا أرجاء المؤسسة، بمليون و300 ألف نسخة يوميا، أغلبها توزّع على المشتركين إلى غاية بيوتهم، من قِبل جيش من العمال يصل تعداده إلى 2400 عامل يشتغلون في شركات التوزيع. عندما تتجوّل في أرجاء هذه المؤسسة العملاقة ذات البناية الضخمة المؤلفة من عدة طوابق مفتوحة على بعضها، تكتشف سر اكتسابها ثقة القراء، وكيف تمكنت من اعتلاء ريادة كل الصحف بفضل 800 صحفي يشتغلون داخلها، ويعمدون بأقلامهم إلى الدفاع عن الحركة والتصدي للهجمات التي تعترضها وتعترض مؤسسها، حيث تصادفنا أثناء تواجدنا في مقر المؤسسة بنسخة ذلك اليوم، تتحدث في صدر صفحتها الأولى، عن ردود الفعل حول الطلب الذي تقدّم به أردوغان لوزارة الخارجية الأمريكية من أجل بداية عملية قانونية لتسليم فتح اللّه كولن إلى تركيا، من منفاه الإرادي بمدينة بنسلفانيا، بحجة أنه يشكل خطرا على الأمن القومي التركي.
وفي البناية ذاتها التي لا تؤمن بمكاتب مستقلة، تُفرّق ما بين الصحفي والمدير، توجد وكالة الأخبار “جيهان”، التي أوضح لنا أحد مسؤوليها بأن لها شبكة من المراسلين متوزعين عبر 90 دولة في العالم، ما جعل كل الإعلام التركي يشترك معها بناء على اتفاقيات تضمن نقل الأخبار بخمس لغات. في حين تملك الحركة في الشق السمعي البصري مجموعة “سمان يولو”، التي زرنا مقرها الواقع في الشق الآسيوي لمدينة إسطنبول، والتي تتكون من أكثر من عشر قنوات تلفزيونية، تستهدف كل شرائح المجتمع في انتظار المولود الجديد الذي ستتدعم به المجموعة، والمتمثل في إطلاق قناة “حراء” الناطقة باللغة العربية، حتى تؤازر شقيقتها الصغرى مجلة “حراء” التي أطفأت شمعتها التاسعة.

رجال أعمال أرسلوا قصورهم إلى الآخرة
نقطة التحوّل الأخرى التي صنعت صيت هذه الحركة وقوتها، وجعلتها علامة فارقة مقارنة بباقي الحركات الأخرى التي عجزت عن التوسع والتعايش مع الغير، هي مبدأ التضحية الذي غرسه سليل مدرسة بديع الزمان سعيد النورسي، الشيخ الذي تأثر به كولن كثيرا وبرسائل النور التي خلّفها وراءه، حيث تعجبت، إلى حدّ الغرابة، من بعض النماذج التي صادفتها والتقيت بها أثناء زيارتي من أبناء “الخدمة” الذين لا يدّخرون أموالهم وأوقاتهم في سبيل أي عمل يدخل في سياق خط الحركة وتقويتها. ولعل أحسن مثال يعكس هذه الحقيقة هو السيد “أيدن”، الرجل البسيط والبشوش، ذو الهندام المقبول، والسبحة التي لا تفارق معصمه، الذي كان يحرص في أكثر من مناسبة على أن يكون السائق الذي يقتادنا باتجاه مختلف الوجهات التي زرتها رفقة زملائي على مدار ستة أيام مكثناها في إسطنبول، ويعمد إلى حمل حقائبنا وأمتعتنا، وانتظارنا لأوقات طويلة، لنتفاجأ فيما بعد بأنه من أكبر رجال الأعمال في إسطنبول، فهو يملك بواخر تقلّ السياح في جولات استطلاعية تكشف سحر المدينة من مضيق البوسفور، فضلا عن ترسانة من المركبات ووسائل النقل الأخرى. وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على السيد حميد رجل الأعمال الذي يعتبر أن من بين الأهداف الأساسية التي تسعى لها “الخدمة” هي أولا نشر اسم محمد عليه الصلاة والسلام وسيرته في كل أرجاء الدنيا، وفرض التعايش مع الغرب من خلال محاربة ما يسمى الإسلاموفوبيا.
 هذه المشاهد والنماذج من الرجال الذين التقيتهم جعلت أسئلة كثيرة تتزاحم في رأسي، فتساءلت في قرارة نفسي، هل إن تصرفاتهم تدخل في سياق التصنّع، أم هو تواضع منهم، أم تُراه انضباط الجندية الحقّة التي شربوا كأسها في مدارس قائدهم الذي ربّاهم على أن الطاعة ثمرة الثقة.
وقد كان لأثرياء الحركة ورجال أعمالها دورا استراتيجيا في نشأة “الخدمة” ونشر فكر كولن، الذي أقنع هؤلاء بإرسال قصورهم إلى الآخرة، من خلال تحويلها إلى مدارس فتحت العقول، وصقلت خبرات في مختلف المجالات والتخصصات، حيث أوضح السيد أوكيان بأن كل رجال الأعمال الذين تطوعوا لبناء مدارس “الخدمة” لا يأخذون أي أرباح، بل يحرصون على عدم ذكر أسماءهم، وحتى أبناءهم الذين يدرسون في هذه المدارس يدفعون كغيرهم من التلاميذ مستحقات الدراسة. في حين تقوم نساء هؤلاء بتحضير مختلف الحلويات وتنظيم معارض تخصص مداخيلها لإنماء مدارس “الخدمة”، ناهيك عن التضحية التي يستظهرها الأساتذة والمربون الذين ترسلهم الحركة لتأطير المدارس التابعة إليها في أي نقطة من نقاط العالم، على غرار إفريقيا الوسطى وأفغانستان والفلبين، وغيرها من البلدان الفقيرة والمتوترة، وبأجور أقل بكثير من تلك التي يمكن أن يتلقوها على بعد أمتار من مقرات سكناهم.

النموذج الإسلامي التركي على المحكّ
كل هذه العوامل التي حوّلت جماعة “حزمت” إلى قوة حقيقية داخل تركيا وخارجها ساعدت في إنتاج أزمة حقيقية جعلت تركيا بما رحُبت لا تسع رجلين من أبناءها، بالرغم من التحالف الذي جمعهما في وقت سابق في مواجهة العلمانيين والمؤسسة العسكرية، اللذين عانا منهما الإسلاميون الأتراك لسنوات طويلة، حيث تحوّل الصراع اليوم من مواجهة بين العلمانيين والإسلاميين، ومابين حُكم العسكر والدولة المدنية، إلى صراع بين الإسلاميين فيما بينهم، الأمر الذي يضع النموذج الإسلامي التركي على المحكّ، في ضوء سقوط فرضية التعايش مع باقي الأطياف والتيارات الأخرى المشكلة للنسيج التركي في الماء، ما دام أن أقطاب التيارات الإسلامية باتوا عاجزين عن التعايش فيما بينهم، بل اشتدت اللهجة إلى حد التصفية والتخوين.
ويرجع هذا الصدام الذي تطور بين الفريقين، حسب المتتبعين، إلى الاختلاف الفكري ما بين القوى الإسلامية البارزة، خاصة في معالجة بعض الملفات، على غرار تباين الرؤى بخصوص ملف الأكراد، وأسطول مرمرة الذي أدى إلى استشهاد تسعة أتراك أثناء محاولة فك الحصار على قطاع غزة، وغيرها من الملفات التي تشكّل نقاط الخلاف بين كولن الداعية وأردوغان رئيس الوزراء.
وبغضّ النظر عمن هو على حق من الإخوة الخصماء، فإن المواطنين الأتراك، الذين التقيتهم، منقسمون بين الجبهتين، فلا يكاد يختلف اثنان في تركيا على النتائج الكبيرة التي حققها أردوغان أثناء فترة حكمه، لاسيما فيما يتعلق بالإنجازات الاقتصادية، والمواقف التي جعلته يستقطب شعبية كبيرة في أغلب بلدان العالم الإسلامي ككل، على غرار انسحابه من المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس بسبب تواجد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، ومساندته للمسلمين في بورما وحادثة أسطول مرمرة وغيرها من المواقف الخارجية، لكن بالمقابل يجزم المتتبعون، حتى من المتعاطفين مع أردوغان، بأنه بدأ يخسر العديد من الأسهم في ضوء تفجّر قضايا الفساد والرشوة، وحادثة حجب “اليوتوب”، وقضية حديقة جيزي بمنطقة تقسيم.


نوزت سواش المشرف العام على مجلة “حراء” والقيادي في “حزمت”
“أردوغان يتصرف بجنون وما يحدث اختبار لرؤية الخدمة”

كيف تلقيتم إعلان أردوغان عزمه على تقديم طلب للخارجية الأمريكية لتسليمه كولن؟
  لا يمكن أن نُصنف الخطوة التي أقدم عليها الطيب رجب أردوغان مؤخرا، في شكل طلب إلى الولايات المتحدة لتسليم الشيخ كولن، إلا في خانة الجنون والتعسف في استعمال السلطة، والذهاب قُدما نحو ترسيخ الدكتاتورية في تركيا. لقد تعدى هيلمان أردوغان كل الحدود التي قد يقبلها العقل والمنطق، وإلا كيف نفسر هذا الإجراء الغريب الذي لا يستند على أي مبرر أو تهمة يمكن أن تُعلل طلب التسليم هذا. لقد وصلني للتّو، عبر آخر الأخبار التي تُطالعنا بها وكالات الأنباء، أنه عمد صبيحة هذا اليوم، إلى مقاطعة نقيب المحامين السيد فايز أوغلو أثناء خطابه، متهما إياه بالوقاحة لطول خطاب أكثر من خطاب رئيس الجمهورية، مغادرا القاعة وهو في حالة غضب.
بالفعل لقد وصل غرور الرجل وتعنّته إلى حد الجنون الفعلي، وعدم إدراك ما يفعل. أما بخصوص نظرتنا لطلب التسليم والتضييق الجاري على الحركة وأتباعها، فأنا أعتبره اختبارا حقيقيا لرؤية “الخدمة” ورجالاتها الذين تعوّدوا على مثل هذه المحن والعقبات.
وما هو تفسيركم للانتصار الذي حققه أردوغان في الانتخابات الأخيرة، رغم كل الاتهامات التي وُجّهت لرجالات حزبه؟
 نحن في حركة “حزمت” نؤمن بالعمل المتواصل والنضال المستمر لتحقيق الرسالة التي بُنيت على أسسها الحركة. وما تواجدنا اليوم في هذا المؤتمر الدولي الذي تنظمه حول الاجتهاد والقياس، بمشاركة 300 عالم من مختلف أقطار الدول الإسلامية، إلا دليل قاطع وحجة دامغة على مواصلتنا السير في الدرب نفسه.
وفيما يتعلق بموضوع الانتخابات البلدية التي رجحت فيها الكفة لحزب العدالة والتنمية، فماذا كنت تنتظر من اقتراع عمد فيه أردوغان مُسبقا إلى شراء 80 بالمائة من وسائل الإعلام المتواجدة في الساحة الإعلامية التركية، وسخّرها لصالحه. وكيف ستكون نتيجة مباراة كرة قدم إذا كان الفريق الخصم قد اشترى الحكم، وضمن الجمهور في صفه، وتحصل عُنوة على ضربة جزاء غير شرعية، المؤكد أن النتيجة ستكون لصالحه في النهاية. ومع ذلك فنحن نُراهن على الوقت حتى ينكشف الجميع على حقيقتهم أمام الشعب التركي.

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول