الحفاظ على الخيل مرهون بإرادة سياسية

روبورتاجات
19 يونيو 2014 () - تيارت: محمد رابح
0 قراءة
+ -

 خلص اجتماع الهيئة التنفيذية للفيدرالية الدولية للحصان البربري، المنظم على هامش الصالون الوطني للحصان البربري بمدينة تيارت الذي ترأسه الأمين العام للفيدرالية منير زرهوني، إلى عقد توأمة بين الجزائر والمغرب، لإقامة تظاهرات يشارك فيها المهتمون والمربون من البلدين للحفاظ على هذه السلالة التي تسير نحو الانقراض، بسبب عمليات التهجين التي نتجت عنها سلالات يصفها البعض بـ«الغول” والتي يتم ترويجها بأسعار تنافسية، غير أن الحكم على هذه السلالات الجديدة هو الفيدرالية الدولية للحصان البربري الممثلة في عدة دول منها النمسا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وسويسرا والمغرب وتونس والجزائر، والتي اجتمع ممثلوها مؤخرا بمدينة تيارت، بعد 28 سنة من تاريخ تأسيس هذا التنظيم العالمي المهتم بالحصان البربري بالمدينة ذاتها برسم الصالون الدولي للحصان البربري المقام سنة 1986، ما اعتبره المختصون اعترافا ضمنيا باسترجاع الجزائر لأبوية هذا النوع من الأحصنة التي تشتهر بها مدينة تيارت لعدة اعتبارات، لعل أهمها وجود مركز تربية الخيول شاوشاوة، وما يجهله الكثير أن الحصان “واصل” المولود سنة 1976 بهذا المركز، والذي أهدي إلى الرئيس الفرنسي “جيسكار ديستان”، هو النموذج الذي اعتمدت عليه الفيدرالية العالمية لتحديد مميزات الحصان البربري.

شاوشاوة.. موقع أثري
ومصدر لهدايا رؤساء وقادة الدول
ويعتبر مركز شاوشاوة ذا قيمة تاريخية كبيرة، ما جعل السلطات تصنّفه ضمن المواقع الأثرية الجزائرية العام 1995 بعد أن قضى مرسوم تنفيذي لوزارة الحرب الفرنسية بإنشاء مركز لتربية الجياد أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر، ولعبت تلك الحظيرة المشيّدة سنة 1877، بحسب الرواة والباحثين، دورا مفصليا في الاعتناء بالجياد العربية الأصيلة وكذا البربرية، ولا يزال هذا المركز مصدرا لكل “الهدايا” التي تسلم لرؤساء وقادة الدول الذين يزورون الجزائر، لعل أشهرهم رؤساء فرنسا، وفي مقدمتهم الرئيس ساركوزي وفرانسوا هولاند اللذين تسلما حصانين عربيين أصيلين من حظيرة شاوشاوة التي تهتم بعدة أنواع منها الحصان البربري الذي يعتبر من أقوى الأحصنة.
فالحصان البربري قوي وشجاع ومتوازن، وعلاوة على ذلك فهو سريع وقادر على التحمل. كما يقدر على المشي لمسافات طويلة، ويتميز بسرعة مدهشة في المسافات القصيرة، إضافة إلى كونه مقاوم للعوامل الفسيولوجية، مثل البؤس والمقاومة للحرمان من المياه، ما جعله يعتبر الأفضل في الصحراء الجافة. ومن صفاته البساطة والتحمل والرشاقة والمهارة.
اشتهر قدماء السكان في الجزائر بفروسيتهم، وهي موهبة تعمقت مع وصول العرب إلى المنطقة واحتكاك الجزائريين بالفرس العربي. وظل السكان يتوارثون الفروسية أبا عن جد حتى يومنا هذا، الذي صارت فيه الفروسية وركوب الخيل من مظاهر التباهي بشيم الفارس. ويظهر التفاخر والتباهي بقيمة الفروسية خاصة في الحفلات والأعراس. كما بدت جليا من خلال مختلف حركات المقاومة التي قادها كبار زعماء الجزائر على مدار التاريخ ضدّ المعتدين، ومن بينهم الأمير عبد القادر والمقراني وبوعمامة ولالا فاطمة نسومر وغيرهم ممن أبلوا بلاء حسنا موظفين جيوشا من الخيالة هنا وهناك.

«مبارك” أفضل حصان بربري لسنة 2014
يقول دومة بزروق، من ولاية سعيدة، مالك الحصان “مبارك” الحائز على جائزة أفضل حصان بربري لسنة 2014، إن مسابقة الهيئة والنموذج التي نظمتها الاتحادية الجزائرية لرياضة الفروسية، تزامنا مع تظاهرة الصالون الوطني الثامن للحصان البربري، هي بمثابة تحفيز لمربي هذا النوع من الخيول المهددة بالانقراض، أما عن علاقته بالحصان البربري فيضيف الفارس ذاته أن اكتسابه للحصان عادة موروثة عن الأجداد، رغم أن الحصان لا يستعمل إلا في ألعاب الفنتازيا التي تقام في الوعدات والأعراس وتصاحب افتتاح واختتام التظاهرات الرسمية، دون أن يقدم أي استعمال في مجال آخر، لوجود وسائل نقل حديثة، إلا أنه يحظى بعناية كبيرة من خلال توفير العلف بمتوسط 10 كيلوغرامات من الشعير يوميا ونادرا ما يقدم له التبن لقيمته عند صاحبه، إذ لا يكاد بيت من بيوت القرويين بالمناطق الداخلية للجزائر يخلو من حصان حتى ولو كان صاحبه يعاني الفاقة، ففي اعتقاد العائلات البدوية أن تربية الجواد في بيت من قرية يجلب الخير لأربعين بيتا مجاورا، إذ يقول بولنوار ضياع، فارس من منطقة تاجموت بولاية الأغواط، إن “الخيمة”، ويقصد البيت التي يوجد فيها الخيل، لا تخلو من الشعير بخلاف البيت التي يكون أهله أغنياء فإنها مهددة بغياب الشعير عنها إذا لم يكن فيها الخيل.
ويرجع محمد دالية حمرة، الكاتب العام لرابطة ولاية تيارت للفروسية، تراجع تربية الخيول إلى الهجرة التي عرفها الريف خلال العشرية السوداء، لكن السنوات الأخيرة، حسبه، سجلت عودة قوية لهذا النشاط، ودليله في ذلك عدد الفرق المنخرطة في الرابطات والتي حملت منظمي الصالون الوطني للحصان البربري على خفض عدد الفرق المشاركة، والتي وصلت في ألعاب الفنتازيا إلى 12 “علفة” وتعني بلغة هواة هذا الاستعراض التقليدي فرقة، تقوم بعدد من “المشاوير” وهي جمع “مشوار” وهو المسافة المقطوعة بـ«العلفة” من قبل الفرسان الذين يركبون صهوة الجياد والمنتهية بطلقات بارود تتم في الوقت نفسه، وبإيعاز من قائد الفرقة والذي يكون عادة الأكبر سنا والأكثر صارمة وانضباطا.
وبحسب الحاج يوسف قاسمي، من نادي زمالة الأمير عبد القادر للفروسية، فإن الفنتازيا أو “القوم” كما يطلق عليها، تختلف من منطقة إلى أخرى، فمثلا بالغرب الجزائري يكون “المشوار” قصيرا وطلقات البارود موحدة، وهو ما يميز هذه اللعبة التقليدية بهذه المنطقة عن الشرق الجزائري الذي تشكل فيه “العلفة” من فارسين فأكثر يحمل كل منهما أزيد من بندقيتين، لأن المشوار يكون طويلا إلى درجة أن كل فارس يمكن أن يطلق أربع طلقات في مناسبات منفصلة. وقد يتعانق مع رفيقه تعبيرا منهما على تحكمهما في ركوب الخيل والشجاعة، وتنفيذا لوصية الرسول عليه الصلاة والسلام “علموا أبناءكم الرماية والسباحة وركوب الخيل”.

«مكاحل” إشارة إطلاق  البارود في “القوم”
وتشتهر الفنتازيا بالجهة الغربية بكلمة “مكاحل” وتعني البندقية. وهي كلمة بمثابة إشارة من قائد الفرقة لمرؤوسيه لإطلاق البارود، ويعتبر إطلاق البارود قبل أو بعد الفرقة من الأخطاء غير المحبذة، والتي تؤدي بصاحبه إلى الإقصاء من الفرقة ويكون محل سخرية من قبل الجميع، وهي من الأعراف المتفق عليها في هذه اللعبة.
أما عن معايير تصنيف “العلفة” الأفضل والأحسن في “القوم” فيرجع إلى نوع اللباس الموحد الذي يرتديه الفرسان، والذي يميز كل فرقة ومنطقة من الوطن أو البلد عن بلد آخر، فعلى سبيل المثال “علفة” فرقة “الكرايش” الذي تعد بلديتي مغيلة والسبت “روراوة” معقلين لها ترتدي عباءة من مادة “التيسور” صفراء اللون وبرنوس من الوبر و«كلاح” يعلو الرأس من دون خيط. كما يعتبر السرج من بين المقاييس التي ترجح فوز فرقة على أخرى ثم تأتي البنية المورفولوجية للحصان القوية والتي تصنف “العلفة” الأفضل انسجاما وانضباطا والمشكلة من فرسان شباب يرافقهم عادة فرسان “براعم” في سن الطفولة، في صورة فرقة سطيف التي كان من ضمنها أصغر فارس مشارك في صالون الحصان بتيارت واسمه عبد القادر رابح البالغ من العمر 12 سنة.

مختصون يأملون تصنيف اللباس و«القوم” والحصان البربري
ارتفعت أصوات المربين والمهتمين بالحصان البربري وكل ما يرافقه من لباس تقليدي للفارس ولعبة الفنتازيا “القوم” للمطالبة بتصنيف هذه التقاليد كإرث لا مادي عالمي مشترك للإنسانية، كما صنفت الشدة التلمسانية وركب سيد الشيخ بولاية البيّض، على اعتبار أن المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ قدّم في مناسبة سابقة ملفا للهيئات المختصة لاقتراح تصنيف الحصان البربري والألعاب التقليدية المرافقة للاحتفالات به، كما فعلت فرنسا التي صنفت تقاليد ركوب الخيل. ودعا المختصون إلى تأسيس بنك دولي للمعلومات يهتم بالتراث الإنساني العالمي، وتثمين الصالون الوطني للحصان البربري ليتحول إلى دولي خلال السنوات القادمة، مع تنظيم ملتقى دولي حول الحصان البربري بالموازاة مع تنظيم المهرجان العالمي بمدينة تيارت، التي تملك مؤهلات منها استفادة مركز شاوشاوة من تصنيف كموقع تاريخي مادي ووجود متحف للفرس الأول على مستوى المغرب العربي.

جلسات علمية حول الحصان خالية على عروشها
برمج منظمو الصالون الوطني للحصان البربري جلسات علمية حول الحصان البربري بجامعة عبد الرحمان ابن خلدون موازاة مع باقي الأنشطة الثقافية والرياضية، غير أن عدد المشاركين فيها خلال اليوم الأخير لم يتعد العشرة، من بينهم رئيس الجمعية الوطنية للحصان البربري، حيث دافعت الجمعية بقوة عندما أعاب المشرف على الجلسات على دور الجمعيات المهتمة بالحصان البربري والتي اعتبرها غير منظمة، ما تسبب، حسبه، في تراجع تربية الخيول. وصبت كل تدخلات المشاركين في أن تطور هذا النشاط مقرون بقرار سياسي، وهو ما ذهب إليه المشرف على الجلسات عندما طرح فكرة رفع توصيات بناء على ما سماه ورقة الطريق التي وضعها رئيس الجمهورية في رسالة رفض تسليمنا نسخة منها، بداعي أنها لم تنشر بعد. وهي خارطة طريق جاءت فيها مقاربة جديدة وهي الترفيه حسب المسؤول ذاته، الذي طلب من الحضور ومعظمهم من البياطرة مشاركته في تحرير تقرير ليرفع إلى الحكومة قبل شهر سبتمبر من أجل مناقشته وإدراجه في برنامج سنة 2015. وكشف أحد المشاركين أن ملف الحصان البربري “قضية سياسية” لوجود ما سماه “اللوبيات” التي تتحكم في استيراد أحصنة بعد حصولها على شهادات تمنح من قبل مديريات المصالح البيطرية. وأرجع دكتور بيطري تراجع اهتمام السلطات بالحصان في السنوات الأخيرة إلى اهتمامها باللحوم والحليب التي تنتجها الأبقار والموجهة للاستهلاك على حساب الخيول التي تبقى وسيلة ترفيه ليس إلا، رغم تدعيم السلطات لسعر الشعير المستخدم كعلف للأحصنة المسجلة والذي يباع بقيمة 1550 دينار للقنطار، ووضع منحة الولادة المقدرة بعشرين ألف دينار، غير أن هذا يبقى غير كاف بالنسبة للمهتمين بتربية الخيول والذين يطالبون بمضاعفة قيمة منحة الولادة وتخصيص منحة “الركوب” للتناسل حفاظا على السلالة.
واقترح العلميون المهتمون بالحصان حلّ الديوان الوطني لتنمية وتربية الخيول والإبل، الذي يعاني من ضائقة مالية بسبب المشاكل التي تتخبط فيها شركة سباق الخيل التي تموله بنسبة 9 بالمائة من مداخيلها في السباقات التي تنظمها بعدد من الميادين التابعة لها، وإنشاء معهد وطني للحصان يملك استقلالية في التسيير المالي ويمول مباشرة من قبل الدولة مع فتح محطات التلقيح الاصطناعي.


نتائج المسابقة الوطنية للهيئة والنموذج لعام 2014
 من أصل 300 حصان مشارك في مختلف التخصصات تخص سلالتي الحصان البربري والعربي البربري تحصّل عمارة بشير من ولاية سعيدة على الجائزة الأولى لامتلاكه لمهرة في الفئة العمرية عامين. وفي فئة ثلاث سنوات فاز بن زيتوني سايح من تيارت بالمرتبة الأولى، وفي فئة غير الولود عادت المرتبة الأولى لزوبيدة عبد القادر من تيارت، وفي فئة الفرس المتبوعة بمهر تحصل بن زيتوني عبد القادر على المرتبة الأولى، وتوج عبد الحليم بوعكاز من تيارت بالجائزة الأولى في فئة مربي الخيول البالغة عامين وعلي قديم من الأغواط في صنف 3 سنوات، وفي الفحل البالغ 4 سنوات عاد التتويج للمربي عامر بوعلي من سعيدة، وحسان بن جازية من تيارت المالك لفحل أكثر من 5 سنوات.   

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول