يوم كامل لقطع 7 كيلومترات

روبورتاجات
25 أغسطس 2014 () - الجزائر: عامر زغباش
0 قراءة
+ -

كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا عندما وصلنا إلى المحطة البحرية، كانت التذاكر كلها قد بيعت، فما كان علينا إلا انتظار الرحلة المقبلة، طلبنا من إحدى السيدات اقتناء تذكرة لنا كونها كانت من بين الأوائل في الشباك، فلم تتردّد وقبلت طلبنا بكل صدر رحب، توجهنا إلى مقاعد الانتظار أين كان الكل هناك متلهفا لركوب العبّارة التي انتظروها طويلا، ورغم أن الرحلة المقبلة ستنطلق عند الساعة الخامسة والربع والانتظار سيكون طويلا وتحت درجة حرارة مرتفعة، إلا أن حلم ركوب العبّارة واكتشاف سحر العاصمة من البحر كان أكبر.
جلسنا أمام سيدة مسنّة، تبيّن بعد حديثنا معها أنها قادمة من ولاية بجاية، إلى المحطة البرية ”الخروبة” ومنها إلى محطة ”تافورة” أين كانت ابنتها في انتظارها، حيث قامتا رفقة سيدة أخرى بجولة في أحد الأسواق قبل أن تقترح عليها ابنتها ركوب ”العبّارة” والعودة إلى بيتها في عين البنيان.
تركتنا الابنة مع أمها وهمّت باقتناء تذكرتين لها ولرفيقتها فقط، كون أعوان الأمن أخبروها بأنهم سيتكفّلون بصعود أمها إلى العبّارة بالنظر إلى تقدّم سنها.
رحنا نتجاذب أطراف الحديث معها، ظننا بأنها المرة الأولى التي تستقلّ فيها الباخرة، ليتبّين لنا بأنها جرّبتها مرات عديدة قبل هذا، عندما كانت في بيتها العائلي حيث كان أبوها من بين الجنود الذين شاركوا فرنسا في حربها على النازية الألمانية، وكانت السلطات الفرنسية تنظم لهؤلاء الجنود وعائلاتهم رحلات عبر الباخرة إلى جيجل وولايات ساحلية أخرى، بحكم مساهمتهم في انتصار فرنسا الموافق ليوم 14 جويلية من كل سنة، ”أين كنا نستمتع رفقة العائلة بالأطعمة اللذيذة والمشروبات والهدايا التي تقدّم لنا في تلك الرحلات” تقول محدثتنا.
”كانت الأجواء مغايرة تماما، كل الرحلات التي ركبتها كان يسودها التنظيم عكس ما يحدث هنا” تقولها بحسرة، لتواصل كلامها ”لولا أن ابنتي أصرّت في طلبها لما قبلت الانتظار كل هذا الوقت لأني منهكة وأريد أن أستريح”.
الكل في صفا ومروى، يعدّون دقائق الانتظار الواحدة تلو الأخرى، يذهبون تارة ويعودون أخرى علّهم يقضون بعض الوقت، وبعد طول انتظار بدأ الملل يتسلل إلى داخلهم، لتقرر بعض العائلات الانسحاب والرجوع للبيت وعلامات الغضب بادية على وجوههم.
الساعة تشير إلى الثالثة إلا ربع زوالا، بعضهم لم يحظى بالجلوس على المقاعد، قاوموا التعب لكنهم سرعان ما استسلموا له في الأخير، ليفترشوا الأرض ويخرجوا الطعام الذي اقتنوه من المحلات ويباشروا الأكل، فيما توجّه البعض الآخر إلى الخارج لاقتناء قارورات الماء وبعض المشروبات الباردة يروون بها ظمأهم.
ساعة بعدها، بدأ العد التنازلي لقدوم العبّارة، الكل توجّه نحو الرصيف وهم يتفقّدون ساعاتهم، والبعض من لا يحب الزحمة بقوا في الوراء، وقفنا أمام أحد الشبان الذي قدم مكرها رفقة صديقه من باب الوادي، لم يعجبه وقوفنا أمامه في البداية، لكنه سرعان ما تفهّم الأمر وهو يبتسم قائلا ”سامحني، لكني لا أحب الزحمة والالتصاق خاصة عندما يكون الجو حارا هكذا”.
استدرنا جهة اليمين، أين كان يجلس كهل فوق أحد الحواجز الخشبية التي وضعت أمام باب المرسى وبجانبه ولده، ما شدّ انتباهنا إليه كثرة تأففه والقلق الذي لم يستطع إخفاءه ”راك تشوف كبرنا هنا”، ليرد عليه آخر ”لو أنهم اقتنوا عبّارتين مرة واحدة، الأولى تنطلق من هنا، يقصد المسمكة والأخرى من ميناء الجميلة لما انتظرنا كل هذا الوقت”، فيما وافقه الرأي شخص آخر كان وراءنا ”عبّارة واحدة لا تكفي ولن تخلق إلا الازدحام”.
استقبال حار بالهتاف والزغاريد 
زادت حدة الزحمة عندما اقترب وقت ظهور العبّارة، الكل متشوق، بدأ العد التنازلي، وفجأة تتعالى الأهازيج والصيحات والتصفيقات والزغاريد وهم يرددون ”جاءت العبّارة”، ما لم يعجب الكثيرين الذين استغربوا صيحات النساء التي دوّت المكان، بلغ الازدحام أقصى درجاته، مما جعل أحد المنتظرين يقول غاضبا ”اليوم طبعو وفي الشتاء لا أحد سيأتي لركوبها”. لحظات فقط وترسو العبّارة وتستقر على الرصيف، فتح الممر لنزول الركاب، بعض المنتظرين اغتنم الفرصة لالتقاط الصور والبعض الآخر ينادي على النازلين ”أسرعوا.. سئمنا الانتظار”.
ما شدّ انتباهنا في هذه الرحلات، أن بعض الركاب يرفضون النزول من العبّارة ويحاولون العودة على متنها دون اقتناء تذاكر أخرى، وهنا تدخّل أعوان الأمن وهم في حالة غضب ”من فضلكم تفضلوا بالنزول” نزلوا ووجوههم متجّهمة وكأن أعوان الأمن أخطأوا في حقهم. وما لاحظناه أيضا خلال هذه الرحلة، أن ”التطباع” والاندفاع كان موجودا أيضا خلال ركوب العبّارة ”فسواء كنت في الحافلة أو العبّارة أو غير ذلك فالأمر سيان” حسب بعض الركاب، وبعد أن نزل الكل وخلت العبّارة وجاء دورنا في الصعود، بدأت المعاناة، الازدحام كان كبيرا كأننا في الحج لرمي الجمرات، الكل يريد الصعود أولا للظفر بمكان في أعلى العبّارة وفي السطح المكشوف من أجل الاستمتاع بالمناظر الخلابة وزرقة البحر، بعضهم دخل من الجهة الخارجية بمساعدة الأمن، مما أثار استياء المتواجدين وراء الحاجز كونهم أيضا ينتظرون منذ وقت طويل ”فلماذا التمييز” يقول أحدهم، الأسبقية كانت للنساء اللواتي كان عددهن أكبر، صيحاتهن تتعالى جراء الاندفاع الكبير، أغلقت جهتهن لتفتح جهتنا، نفس الشيء تكرر، البعض اصطحب معه أبناء صغارا كادوا يختنقون من شدة الزحمة، وأولياؤهم ينادون ”بالعقل عليهم .. كدتم تخنقوهم” لكن لا أحد سمع نداءهم فالكل منشغل بحجز مكان في السطح المكشوف. 
خرجنا بشق الأنفس صوب الممر، أين كان في انتظارنا أعوان الأمن لتفقد التذاكر الواحد تلو الآخر لمنع صعود أي أحد بدونها، ركبنا العبّارة وكانت كل الأماكن بالسطح قد حجزت، فاضطررنا للعودة إلى الداخل، حيث كانت الحرارة شديدة وصعب علينا التنفس، رغم أن المكيّف كان مشتعلا، إلا أنه لا أثر له أمام الرطوبة العالية والنوافذ المغلقة في الداخل، البعض أحس بالغثيان لهذا الوضع، والكل كان يود الخروج والطاقم يترجى ”من فضلكم ألزموا أماكنكم لحين الابتعاد عن الشاطئ” وبصعوبة أعادوهم وأغلق الباب.
غادرت السفينة الشاطئ في الخامسة والربع مساء، وما هي إلا لحظات حتى أعيد فتح الباب مرة أخرى، فهرع الكل للخارج لاكتشاف سحر اليابسة، بعض الشباب اغتنموا الزحمة والاكتظاظ للتحرش بشابات كن على متن العبّارة ولم تستطع تلك الفتيات التبليغ لأن الأعوان كانوا منشغلين بمراقبة الحافة ومنع الركاب من الاقتراب إليها خاصة الصغار خوفا من سقوطهم، لتشير إحدى الفتيات لصديقتها ”حذاري أن تسقطي في البحر” فردّت عليها ضاحكة ”المهم أن لا يأكلني سمك القرش”، أما أحد الشبان الذي كان بجانبنا فأشار إلى قريبته ”هل رأيت؟ ذاك هو بيتنا”، الكل أخرج الهواتف الذكية وآلات التصوير لالتقاط صور تذكارية، وحتما ستبقى محفورة في أذهانهم وبالأخص أولئك الذين يركبونها لأول مرة.
”الطلياني راه غاضب”.. دوّت المكان
بدأ الربان بزيادة السرعة، الاقتراب من الحافة ممنوع مخافة السقوط، أحد أفراد طاقم العبّارة وهو إيطالي طبعا بدا غاضبا لأن الركاب لم يقتدوا بشروط الركوب ”رغم أنها معلقة في قاعة الانتظار إلا أنه لا أحد التزم بها” يقول أحد أعوان الأمن، مما جعل بعض الشبان القادمين من باب الوادي يرددون بالضحك ”الطلياني راه غاضب” فيما صرح آخر ”الطلاينة شبعوا علينا ضحك”، نتيجة الفوضى التي سادت الرحلة، فيما علق عليها آخر ”في العبّارة أو الحافلة أو حتى الطائرة والعبّارة .. الجزائري أصله هكذا”.
استغرقنا حوالي نصف ساعة للوصول إلى ميناء الجميلة، أين استقبلونا بالزغاريد والأهازيج كذلك، كان الأمر أشبه باستقبال الأبطال أو لاعبي المنتخب الوطني عند عودتهم من البرازيل، لا تكاد تصدّق بأنهم ينتظرون العبّارة فقط، وبعد اقترابنا من المحطة بدأ أعوان الأمن يترجوننا بعدم التصوير أمام أعوان البحرية لأنه ممنوع. وبغفلة منهم وتهور من أحد الشبان الذي ورغم تنبيه الأعوان له بعدم الصعود على المولد الكهربائي، إلا أنه أصر وقفز فوقه لالتقاط صورة أمام مرآى الأعوان الذي زاد غضبهم ليدخلوا في ملاسنات معه.
رست العبّارة وفتح الممر، وكالعادة أبت بعض العائلات النزول وحاولت العودة بالعبّارة ولكن لسوء حظهم أعوان الأمن تفطنوا للأمر وأنزلوهم، منهم من أعجبته الرحلة ومنهم من أقسم على عدم الركوب فيها إلا إذا قامت الوزارة بتزويد الخط بعبّارات أخرى أو نقص الازدحام.
ذهاب بلا رجعة
بما أن وزارة النقل قامت بكراء عبّارة واحدة فقط، مما يعني أنه لا يمكنك الذهاب والعودة فيها، فإن بعض الركاب عادوا عبر الحافلات إلى بيوتهم، خاصة الذين قدموا من الشراڤة وباب الوادي والبلديات الأخرى، ليعلق أحدهم قائلا ”إذا أردت ركوب هذه العبّارة عليك أن تخصص يوما كاملا لذلك، خاصة وأنك ستذهب على متنها وتعود عبر الحافلة”. 

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول