بغداد.. حواجزٌ، مخافرٌ.. وكِلاب 

روبورتاجات
27 نوفمبر 2014 () - العائد من العراق: محمد علال
0 قراءة
+ -

 نزور العراق بعد 11 سنة من غزو جيوش الولايات المتحدة الأمريكية له، ونتقرّب منه في محاولة لجسّ نبض الحياة البطيء، ونبحث عن أشلائه الممزقة بين فكي الطائفية.
وصولا عبر مطار بغداد
لا يمكن السفر من الجزائر إلى العراق مباشرة، فكل الخطوط الجوية التي تربط الجزائر بالعراق تلزمك بـ«الترانزيت”، إما عبر عمان وبيروت ودبي أو إسطنبول، مثلما كانت رحلتنا التي استمرت حوالي 13 ساعة قبل أن نحط في مطار بغداد الدولي.. في هذا المطار الذي يستقبل زواره المعدودين يوميا لا يزال الخوف والحزن والكآبة تسكن المكان، كما تبدو ملامح الجدران القديمة وأجهزة التكييف المستخدمة، وحتى السجاد المبسوط على البلاط القديم، كأنها لم تعرف الطريق إلى التجديد منذ سنوات. ولأننا نزلنا ضيوفا على المكان، لأول مرة، فقد أخذ عبقه يطفو بذهننا بعيدا إلى زمن تصريحات الصحّاف وزير الإعلام العراقي في عهد صدام حسين، الذي حاور العار والخذلان العربيين بأرقام ضحايا العدوان الأمريكي وخاطب المارينز بـ«العلوج” سنة 2003، أمام مداخل المطار الأشهر في تاريخ حروب القرن الواحد والعشرين. وذكّرتنا رائحة المكان بمشهد وصول أولى قوات الجيش الأمريكي إلى بلاد الرشيد. وسافرت بنا طريقة تعامل أجهزة الأمن إلى زمن صدام حسين، وقد بدا مطار بغداد الدولي ثكنة عكسرية أمنية محصّنة يصعب اختراقها.
أذهلنا عدد العسكريين والسيارات المصفحة والدبابات المصفوفة على جانبي الطريق السريع للمطار؛ فهذا الطريق الذي بدا جميلا وواسعا، كان خاليا من المطبات، بينما تم تأمينه بشكل كبير.. هكذا كان مساء المطار مرهقا مع رحلات الجو القليلة التي تحط به قادمة في الغالب من دول عربية قريبة جغرافيا، بينما كان فجره سكونا عند عودتنا.
“داعش” تحاصر بغداد بـ”السيارات المفخخة والانتحاريين”
لم يكن التنقل من العاصمة بغداد عبر الطريق السريع إلى مدينة النجف ممكنا دون حراسة مشددة، خصوصا بالنسبة لنا نحن الصحفيين، حيث أحاطنا مضيّفونا من قناة “الغدير” بحماية خاصة، ووفّروا لنا سيارة مصفّحة توحي، بحسب ملامحها الأمريكية، أنها سيارة من سيارات القوات الأمريكية التي سلّمها الأمريكان إلى وزارة الداخلية العراقية بعد أن قرروا مغادرة العراق سنة 2008.
في الطريق من بغداد إلى النجف، رافقنا شباب في مقتبل العمر مدججين بالأسلحة، وكان السائق قد اختار الاستماع إلى أخبار الراديو، فسألته “هل هذه أمواج الإذاعة العراقية الرسمية؟ أم صوت إذاعة مستقلة؟”، فأخبرني إنها “إذاعة الداخلية”، التي تتحدث عن مقاومة القوات العراقية الرسمية لمقاتلي تنظيم “داعش” يوميا على تخوم حدود العراق.
زادتنا أخبار وزارة الداخلية حماسة، ودفعت فضولنا الصحفي نحو مزيد من التشويق، وسط حركة السير المزدحمة بسبب كثرة الحواجز الأمنية التي يطلق عليها العراقيون اسم “سيطرة” التي تحيط بغداد. أطلّ نهر دجلة خجولا وقد ارتدى لون غروب الشمس تزين ضفتيه بعض المطاعم القديمة ووسائل التسلية القديمة. كنا على مشارف بلدة الرشيد، وكانت التقارير القادمة من الراديو تشير إلى نجاح قوات وزارة الداخلية في دحر تنظيم “داعش” الذي حاول التسلسل عدة مرات إلى العاصمة بغداد لكن دون جدوى.
تعيش بغداد اليوم حياة بطيئة جدا بسبب الازدحام، ولكن كما يبدو من ملامح السائقين، فقد تعوّدوا على هذا الإيقاع، حتى وإن كان تنظيم “داعش” يعتبر من الازدحام في السير فرصة هامة يقتنصها يوميا لتفجير السيارات المفخخة أو القيام بالعمليات الانتحارية..
وصلنا إلى مدينة النجف بعد حوالي 7 ساعات سيرا، رغم أن المسافة بين بغداد والنجف لا تتجاوز الـ300 كلم، إلا أن الازدحام و “السيطرة” قالا كلمتهما.
أتذكر أن اليوم الأول لنا في بغداد تزامن مع عملية تفجير ثلاث سيارات مفخخة ببغداد كان يقود إحداها انتحاري، قتلت 16 شخصا على الأقل وأصيب فيها نحو خمسين بجروح استهدفت حاجز تفتيش للشرطة في منطقة الطالبية، في الأطراف الشمالية من مدينة الصدر، ذات الغالبية الشيعية، في شمال بغداد.
وإلى غاية كتابة هذه الأسطر كانت الأخبار لا تزال تحمل اللون ذاته (الأحمر) الذي استيقظنا عليه في أول يوم لنا في العراق، فالأوضاع الأمنية في العاصمة بغداد تشهد توترا منذ منتصف العام الماضي 2013، كما أعلنت الأمم المتحدة في العراق (يونامي)، مؤخرا، أن حصيلة قتلى أعمال العنف التي شهدها شهر جويلية الماضي وصلت إلى 1700 قتيل، مسجلة انخفاضا بنحو 700 قتيل عن الشهر الذي سبقه، وكلها عمليات انتحارية وأخرى بسيارات مفخخة.

النجف.. المدينة التي “تقدّس” الموت
كانت إقامتنا المطولة في محافظة النجف، تلك المدينة التي لا شيء فيها مقدس أكثر من الموت؛ فكل مفاهيم الحداثة والتطور الذي تتنافس عليها دول العالم، لا مجال لها في هذه المدينة التي تتنفس عطر القبور ويتفاخر سكانها ويعتزون بالأضرحة؛ فالموت أكبر وأعز من الحياة، كما يبدو من خلال ملامح سكان المدينة الذين يقارب عددهم الـمليون نسمة. عندما تسأل شخص من سكان النجف “ما الذي يميز مدينة النجف؟”، يبتسم بفخر ويقول “إنها مقبرة وادي السلام”.. نعم إنها الأكبر في العالم، كما يحسبها سكان هذه المنطقة الشيعية الأبرز في العالم، ويتحكم فيها ضريح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب منذ 13 قرنا، حيث يؤمن الشيعة هنا بأن دفن الأموات في مقبرة السلام سيخلصهم من عذاب شديد يوم القيامة، ويجعلهم يحظون بشفاعة أمير المؤمنين. لهذا فالقبور يمكن مشاهدتها في كل زوايا النجف وتجدها كالمساكن المزخرفة؛ لها أبواب ويزورها الناس بالورد والطعام، يقضون ليال أمام سكان القبور يتقرّبون منهم ويحملون لهم فرحة اللقاء القريب، لأن الشيعي “الحقيقي” لن يقبل بأن يدفن بعيدا عن هذه المقبرة التي ستجد بها قبور زعماء وقادة الشيعة، وستلتقي بها أيضا بمن صنعوا تاريخ الشيعة على مر الـ13 قرنا الماضية من الزمن.


هل ينوي الشيعة بناء “كعبة “ثانية؟
 أوحت لنا أعمال الحفر والتشييد على بعد أمتار من ضريح سيدنا علي بن أبي طالب بأن الشيعة قرروا بناء “كعبتهم” الخاصة، فكل معالم الحج اجتمعت هنا بين النجف والكوفة وكربلاء، المدن الأكثر تقديسا بالنسبة للشيعة في العالم. فأشغال توسيع مجمّع “الروضة الحيدرية” الذي شيد، حسب المؤرخين المسلمين الشيعة، على قبر علي بن أبي طالب، تتبعه مكتبة الروضة الحيدرية التي تضم العديد من النفائس والمخطوطات الأثرية، يحجّ إليها الملايين من الشيعة سنويا.
تشبه أشغال توسيع “مجمّع الروضة” ملامح مكة المكرمة، بينما تحمل مدينة كربلاء عبق المدينة بالنسبة للحجاج الشيعة الذي يصل عددهم، مع حلول شهر محرم، إلى حوالي18 مليون بحسب الإحصائيات، حيث تتهيأ حشود الزائرين المليونية للتوجه مشيا على الأقدام إلى مدينة كربلاء لإحياء ذكرى عاشوراء، الأمر الذي يدعو إلى إخلاء الحسينيات المنتشرة على طول الطريق الممتد من النجف إلى حدود كربلاء، ما يتطلب إيجاد بديل سريع لإيواء الزوار، لهذا تنصب الخيم ويتم تنظيم الساحات. وقد جعل الشيعة من أضرحة الحسن والحسين ومقام علي بن أبي طالب كعبة ثانية يتمسّحون بها ويتبرّكون بأبوابها. وهذه المظاهر تستمر على مدار السنة، وتشعر الزائر بقوة المشهد الديني الذي يأتي من مكة المكرّمة.
قادتنا زيارة ليلية إلى مدينة الكوفة، حيث يتواجد بيت سيدنا علي بن أبي طالب، وأيضا مسجد الكوفة الذي عرف مقتله، وكذا المكان الذي رست فيه، بحسب الراويات الدينية، سفينة نوح، كما أن هناك قصر الخلافة.. تسود المدينة العديد من الأساطير والراويات التي يؤمن بها الشيعة، وهي حكايات تبكي الشيعة وتجعلهم يتدفقون بالملايين على مسجد الكوفة كل يوم وليلة.
ومن الحكايات التي سمعتها في الكوفة قصة قصر الخلافة الذي اختفى في الأرض بعد أن كان ارتفاعه 18 مترا. يقع القصر على بعد أمتار فقط من مسجد الكوفة وبيت علي بن أبي طالب، وقد أصبح قبلة للتبرك والتعبد بالنسبة لبعض الشيعة؛ فقصر الخلافة بات رمزا اليوم لقوة علي بن أبي طالب بهذا الشكل، كيف لا وهم يتوارثون أبا عن جد كيف اختفى قصر الخلافة وصمد بيت علي بن أبي طالب المتواضع.
ما يلفت الانتباه في المدن الشيعية هو حالة الأمن الشديد رغم ما تتعرض له العراق من خراب دائم، فبفضل حرص الشيعة على عدم الاختلاط في الأنساب، فقد أصبح تنظيم “داعش” لا يشكل خطرا على الجنوب العراقي الذي يسكنه الشيعة كمدينة النجف وكربلاء والكوفة، فقد عرف الشيعة كيف يجعلون من عقيدتهم، التي تقدّس ضريح الحسن والحسين وعلي بن أبي طالب بنفس مستوى تقديس اللّه، مصدر قوتهم وصمام أمانهم، وقد تكبد الغزو الأمريكي خسائر كبيرة، ولم يعرف الأمريكان المرور إلى كربلاء أو النجف التي يرفعها ضريح رابع من تولّى خلافة المسلمين بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأول أئمة الشيعة إلى مصاف المدن الأكثر تقديسا، كما حرص الشيعة على توفير ظروف الحج السنوي.
لم يسعفنا الحظ أن نشاهد فعاليات مهرجان “الغدير” الديني، فقد غادرنا النجف قبل أسبوع فقط من موعد هذا الحدث السنوي الذي يشبه الحج بكل طقوسه، مثلما حدّثنا سكان النجف، فهناك الطواف وبئر “زمزم” أو هكذا بدا لنا داخل مسجد الكوفة.
فهذه البئر التي يقال بأنها مركز وصول سفينة النبي نوح لها رمزية وقدسية تشبه ماء زمزم بالنسبة للشيعة، لكننا شاهدنا الأعلام السوداء كيف انتشرت في الطرقات، قبل أيام من موعد الحج. فالعالم الأسود مهم جدا بالنسبة لهم وله رمزية دينية خاصة، ترجع إلى زمن الحزن على مقتل الحسين، حيث يحزن الشيعة أربعون يوما ويعيدون مسيرة حمل رأس الحسين، كما تقول الراويات، والعودة به إلى كربلاء.. فالأكل يمكن الحصول عليه مجانا في الساحات المقدسة التي مرت عليها، بحسب روايات الشيعة، المسيرة. كما أنه يوجد في النجف مئات الفنادق، متواضعة الخدمات إلا أنها تحمل على واجهاتها تصنيفات “3 و4 و5” نجوم، تجمع الضيوف من كل حدب وصوب خلال موسم الحج.

“داعش”.. إرهابي يبني دولة؟
 تسافر أحياء العراق يوميا على أخبار هذا التنظيم الذي ولد فجأة يحمل معه مشروع دولة، كما أطلق لها عنوانا مثيرا “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، واختصارها “داعش”، ولكن الحقيقة كيف لهذا الكيان الذي ولد من رحم الأزمات التي تعيشها العراق، وفشل مخاض “الربيع العربي” في سوريا، أن يعيش بلا شعب؟ فالدولة تحتاج إلى مواطن يؤمن بها وبكيانها، وهو ما لم نلمسه في العراق، بينما يحاول “داعش” الاستيلاء على آخر ما تبقى من بلد الرشيد، بعد أن أرهقته الحروب المتتالية. فهذه الدولة تبدو مخيفة جدا حد التصدي لها بكل الطرق في العراق، لهذا نجد أن معظم المنتمين لـ«داعش” اليوم هم من “الإرهابيين” الذين لفضهم “خريف التغيير” في الجزائر وتونس والمغرب والعديد من الدول العربية وأصحاب القلوب، المهزمين بجهلهم للعقيدة الإسلامية الحقيقية، فقد دفعت سياسة “داعش” التكفيرية والتهجيرية سكان العراق لتكوين صمام منيع ضده، وتحديدا في بغداد، التي لا يزال هذا التنظيم منذ، أن أعلن عن قيام “الخلافة” يوم 29 جوان عام 2014، بـ«زعامة” المدعو أبو بكر البغدادي، يطرق أبوابها بالسيارات المفخخة والانتحاريين، بعد أن وجد أمامه مواطنا عراقيا “تعبان” من الحروب، ولا يريد احتضان هذا التنظيم. والحقيقة أن جولتنا التي شملت زيارة أربع محافظات عراقية بارزة، هي بغداد والنجف والكوفة وكربلاء، لم تعترضها أرقام التقارير التي تشير إلى تموقع أنصار “داعش” عند حدود كل محافظة، فقد عدنا إلى الجزائر وظلت تلك الأرقام لآلاف المقاتلين لتنظيم “داعش” مجرد حسابات ميتة على أرض الواقع. كما أوحت لنا التجربة القصيرة بأن تنظيم “داعش” عرف كيف يستثمر في إستراتجية “الحرب خدعة” وهو يروّج لانتصارات “وهمية” على أرض الواقع، كما بدا لنا المشهد خلال خمسة أيام قضيناها في ضيافة أهل العراق، وإن كان الخطر والمغامرة لازمنا أثناء زيارة بعض المحافظات التي توصف بالآمنة مقارنة بالمحافظات الغربية التي تحتاج زيارتها إعلاميا إلى “تذكرة” من نوع خاص..

التقيتهم في حضرة عاصمة الرشيد
محمد (19 سنة).. عضو في منظمة “بدر” وزارة الداخلية
 استقبلني محمد بابتسامته الحائرة التي تبحث عن أمل، يريد أن يحاور العالم حبا وتفاؤلا من قلب العراق الجريح. حدثني عن أحلامه البسيطة، وطلب مني أن أسافر به إلى الجزائر.. محمد الذي بلغ سن الـ19 قبل أيام فقط من وصولي إلى العراق هو عضو اليوم في منظمة “بدر” بوزارة الداخلية العراقية، يحمل رشاشه لحمايتي في رحلتي من بغداد إلى النجف. يشعرني بأهميتي في كل ابتسامة وخجل وهو يراقب لكنتي الجزائرية التي استمع إليها لأول مرة، ثم قال لي “هل الحياة في الجزائر جميلة؟ فقد سئمت اليأس والخوف الذي يحاصرني منذ أن أصبحت أشعر بفحولتي”. وقد غادر محمد المدرسة إلى السلاح لكي ينفق على بيت والدتي وأخوته، بعد أن قتل والده أو كما قال هو بكل حب “استشهد أبي على جبهة القتال في حرب 2003”.
ياسين لم يبلغ الـ15 سنة.. على رصيف مقام الإمام علي
 لم يكن ياسين طفلا عاديا بل رجلا مهموما بأخبار السياسة، فهو يستيقظ كل صباح ليسافر في رحلة البحث عن زبون لعربته الخشبية التي ينقل بها العجزة من أمام فندق إلى ضريح مقام علي. هذا المكان الأكثر تقديسا في حضرة شيعة النجف. عندما اقتربت منه كنت أظن أنني سأحدّث طفلا أقصى أحلامه حلوى أو لعبة يمنحها لهم زائر عابر، وعندما دار الحديث بيني وبينه وجدته يسألني بعنفوان الكبار”أنت سني أم شيعي؟”، أجبته “لماذا؟ ألا تحب السنة؟”، قال “بلى.. إنهم لا يحبوننا”. ركّزت في ملامحه وهي تنطق عبارة “سنة” وجدت ملامحه حقدا وغلا.. عاودت السؤال “لماذا تكره السنة؟”، أجاب “إنهم داعش”. جيل المستقبل في العراق يكبر هكذا دون تحديد وجه للطائفية.. أخافتني إجابته إلى درجة أنني قررت أن أغيّر السؤال بآخر، فقلت “بكم توصلني بعربتك إلى مقام علي؟”.. ابتسم حتى غابت تلك المساحة “الطائفية” من على وجهه وقال: “تفضّل أنت ضيفنا”.

محمود ابن النخبة المثقفة (21 سنة).. ابتسامة تمسح أخبار “داعش”
 التقيته في اليوم الأخير قبل عودتي إلى الجزائر، كم كان ذلك المساء أنيقا وحافلا بالمفاجآت عندما أرشدني زميلي في الرحلة إلى أن هناك.. صديق عراقي يبلغ من العمر 21 سنة قدم من ضواحي النجف لرؤيتنا، بينما كانت الشمس تستعد للغروب لتعيد الحياة إلى مدينة النجف في ليلها المقدس على عتبات مقام علي بن أبي طالب. جاءنا محمود محمّلا بكثير من الفرح، وما إن أخبرته بأنني أريد في هذه اللحظات التقاط صور أمام بحر النجف الذي يقال إن سفينة نوح رست عنده، حتى طار فرحا وراح يحدثنا عن النجف، مدينته التي لم تستسلم لغزو الحداثة، وهي تستمد من عمق تاريخها فرحة ونبض الحياة الدائم؛ أتذكر جيدا هذا الطفل المسكون بحب الإعلام كوالده.. حقا كان خير سفير للعراق..

عباس (69 سنة).. عامل نظافة برتبة “وزير”
 في هذا المكان، حيث تصطف النعوش القادمة من جبهة الحرب ومن كل حدب وصوب، يجلس عمي عباس مرتديا ملابس جده ينظف الساحة أمام مدخل ضريح علي ابن أبي طالب. أثار انتباهي شكل قبعته الخضراء المميزة، حتى حرّك فضولي لأسأله إن كان مستعدا لكي أجري معه حوارا، رفض، ثم وافق، ثم رفض، وبعدها وافق.. كان مترددا كثيرا، لكني حاصرته بابتسامتي ومنحته الثقة، فقال إنه امتهن هذه المهنة أبا عن جد، فقد قرر أن يكون خادما لضريح علي بن أبي طالب وهو قدر العائلة. ولم أكن لأطرح عليه مزيدا من الأسئلة حتى استرسل في الحديث عن ملابسه التي هي ملابس جده في الأساس، ثم عرج عن أحلامه قائلا: “أتمنى أن أشاهد العراق آمنا. كرهنا الحروب. وأنا سعيد بأن أقيم في هذا المكان القريب من مقبرة السلام”. عمي عباس عاش حياته كما قال، وقد حان وقت الواجب الديني أمام هذا المكان المقدس، ما يجعله يشعر بأنه عامل نظافة برتبة وزير.

سعد (27 سنة).. إعلامي من قلب الحدث
 كان لقائي به الأول بجناح “الخبر” في مهرجان “الغدير” للإعلام الذي أشرفت عليه. تأمّل في عناوين جريدة “الخبر” التي وضعتها بعناية مركزا على الأخبار الدولية، ثم سألني عن أزمة غرداية. كانت مفاجأة بالنسبة لي أن يحدثني عراقي عن أزمة داخلية كهذه في ظل الأحداث الساخنة التي تعيشها العراق. لكن سعد البالغ من العمر 27 سنة بدا واسع الإطلاع، وقريبا جدا من المشهد الجزائري، ودقيق المعلومات حول الأوضاع في العراق وتاريخها. دار بيننا حديث مطول استمر لأيام حول الأزمة العراقية، ولأنه اختار أولا طريق “غرداية” فقد تحدثنا عن الطائفية في العراق.. سعد متزوج ولديه طفلان، لا يزال يحلم بإعلام عراقي ينبض من قلب الحدث وينقل الحقيقة دون تحيز.

 علي (34 سنة) عائد من جبهة القتال ضد “داعش”
 في هذه المدينة الخالية من مظاهر الحياة ومعالم التمدن، التقيت في طريق العودة إلى الفندق بأصحاب الزي العسكري، وقد كانت لكل واحد منهم حكاية، ولكل واحد قصة مع السلاح، كحال على الذي أهدانا شايا بكل حب ورحب بالدردشة معنا دون رسميات ولا مقدمات. لم أكن أتوقع أنه بكل تلك البراءة، فشكله وملامح وجهه التي يسكنها الرعب لم تكن لتعطيني إحساسا بالأمان في البداية، لكن بعد أول جملة بدا كالطفل، ولست أبالغ في هذا، فقد كان مستواه الثقافي متواضعا جدا إلى درجة أنه لم يعرف أين تقع الجزائر، فكل ما يعرف عن الجزائر هو اسم زين الدين زيدان، فقد بدا سعيد جدا وهو يحدثني عن زيدان لاعب كرة القدم ونطحته الشهيرة في مونديال 2006. سألني “هل يسكن زيدان في الجزائر؟” أجبته بسرعة “طبعا لا”.. كنت متشوقا لمعرفة تفاصيل علاقته مع الزي العسكري، وهل التقى بمقاتلي “داعش” أم لا. لم يتردد في الحديث عن تجربته في جبهة قتال “داعش”. قبل يومين كان على حدود الصخر القريب من النجف، لكنه فاجأني بانزعاجه من السلطات العراقية، تحديدا الطائرات الحربية التي تحلّق لقصفهم بدل قصف مقاتلي تنظيم “داعش”. كان ذلك في بداية الأزمة، قبل أن يتقرر منع مشاركة الطائرات العسكرية العراقية في المعارك.. قبل المغادرة نصحني بعدم التفكير في الذهاب إلى الموصل، ولكنه أبدى استعداده ليسهّل لي الطريق في مهمة صحفية إلى تلك المناطق الساخنة.
ملاحظة: تحفّظت عن نشر صور بعض الوجوه، وذلك لدواعٍ أمنية.

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول