تيزي وزو.. كنز السياحة الجبلية

روبورتاجات
19 يونيو 2015 () - تيزي وزو: علي رايح
0 قراءة
+ -

“تالا أوقلميم” بحيرة تقع على علو 1745 متر في أعالي جبال جرجرة ضمن محمية الحظيرة الوطنية لجرجرة، وهي مصنفة من قِبل منظمة “اليونيسكو” أيضا لكونها أعلى بحيرة في القارة السمراء. هذه البحيرة من بين الأماكن السياحية الهامة التي تزخر بها ولاية تيزي وزو إلى جانب أماكن أخرى ذات مناظر خلابة، فهي عبارة عن كنز تنام عليه هذه الولاية لو تم استغلاله سيدرّ الربح الكافي لسكان المنطقة ككل، لكن كما يقال بالقبائلية “يتساك ربي إرذن إ يار ذوغماس” (القمح يمنح للذي فقد أسنانه).
 تتوفر ولاية تيزي وزو، بالإضافة إلى شريطها الساحلي، على أماكن سياحية ذات مناظر خلابة تسحر كل زائر لها، منها غابة إعكوران، وأسوال ببلدية آيت بومهدي بدائرة واسيف التي تبعد عن تيكجدة بحوالي 15 كلم، الشريعة ببلدية بوزڤان وأسوال ببلدية أث زيكي، وغار ماكابي ببلدية أقبيل، وغيرها من الأماكن الساحرة التي  بقيت أماكن مهملة غير مستغلة؛ فهذه الأماكن الجميلة التي يقصدها المواطنون القاطنون بالقرب منها تبقى غير معروفة لدى العديد من سكان الولاية، فما بالك بالجزائريين.

انطلاق الرحلة لاكتشاف بحيرة أوقلميم
حاولت مرارا تنظيم رحلة لاكتشاف بحيرة أوقلميم رفقة بعض الزملاء، بعد سماعي من العديد من الأشخاص الذين زاروا المنطقة حيث تحدثوا لنا عن جمالها، فربطت اتصالا بصديق ينشط ضمن جمعية “أصدقاء جرجرة”، الحاج آيت موهاب، للتحضير لرحلة رفقته لاكتشاف المكان، لكنني لم أفلح في هذا المسعى لعدة اعتبارات، وما إن أتيحت الفرصة لم أتردد لحظة واحدة لقبول دعوة زملاء في المهنة لمرافقتهم واكتشاف هذا المكان الطبيعي الجميل. كانت الساعة تشير إلى الساعة الثامنة صباح السبت المنصرم لدى وصولنا إلى قرية إباذيسان ببلدية آيت بو وادو بدائرة واضية الواقعة بالجهة الجنوبية للولاية، التي تبعد عن عاصمتها بحوالي 35 كلم، حيث كان في انتظارنا السيدان عبد القادر حمزاوي وأحمد أث أسي واعمر، وهما مرشدان سياحيان من أبناء المنطقة متعودان على مرافقة الراغبين في اكتشاف المنطقة.
ولبلوغ البحيرة يمكن للفرد أن يختار بين عدة ممرات، فإما أن يكون ذلك من تيكجدة أو من جهة قرية آيت رقان أو من قرية إباذيسان، علما أنه بالإمكان القدوم إليها من غابة تالا قيلاف بدائرة بوغني، لكن الأوضاع الأمنية بتلك الجهة لا تسمح بذلك.

اكتشاف المنطقة والوقوف على ثرواتها
سمحت لنا هذه الرحلة أيضا، وفي طريقنا إلى بحيرة تالا أوقلميم، بقطف حشائش طبية معروفة لدينا كالزعتر والشاي المحلي و«ثيعفرث” التي تصلح لمعالجة اللوزتين، بالإضافات إلى أعشاب أخرى لم نكن نعرفها مثل حشيشة “جاست مريم” المستعملة لعلاج مرض قرح المعدة؛ فهذه الرحلة إذن كانت بمثابة “حجة وفرجة” كما يقال بالعامية، حيث وقفنا أيضا على نباتات وأشجار نادرة لا تنبت إلا بهذه المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة لأنواع طيور نادرة مثل طائر “أجعجاع” الذي يعيش على علو أكثر من 1500 متر، والذي كان يحلق فوق رؤوسنا كأنه يراقب تحركاتنا من الأعلى.

خمس ساعات مشيا على الأقدام
كانت الرحلة شاقة كونها استغرقت خمس ساعات مشيا على الأقدام، تخللتها توقفات كانت بمثابة فرصة لاستعادة الأنفاس، كون المسلك متعب، فهو في أغلبيته عبارة عن حجارة وصخور كنا نتسلقها للمضي للأمام وكلنا شغف لاكتشاف البحيرة التي سمعنا عنها الكثير. وكانت فترات توقفنا عن المشي، في الغالب، بالقرب من منابع مياه طبيعية اختارها دليلانا لتمكيننا من الشرب من المنابع بعد أن نال منا العطش.
في حدود الساعة الواحدة، وبعد تسلقنا جبلا عاليا، بلغنا أخيرا البحيرة فارتاح الجميع ونسينا تعبنا، واقتربنا رويدا رويدا، وبخطوات ثقيلة بسبب التعب الذي نال منا، من المكان الجميل، حيث سجلنا حضور عائلتين كانتا تستعد لمغادرة المكان بعد قضائهما لوقت به، فيما كانت مجموعة من الشبان والأطفال تلعب مباراة في كرة القدم، في حين اختار قطيع من الأبقار دخول البحيرة هروبا من لذعات الحشرات.

البحيرة فضاء للعطلة وتنظيم دورات كروية قبل التسعينيات
تسرح الأبقار ببحيرة “تالا أوقلميم” وبالغابات والأماكن المجاورة لها دون راع، وعلى مدى أيام وأشهر السنة، باستثناء فصل الشتاء بسبب الثلوج التي تكسو المنطقة. ففي طريقنا إلى هذه البحيرة صادفنا عدة أبقار ترعى لوحدها لا تحتاج لراع يرشدها إلى مكان تواجد المنابع المائية ولا أماكن يوجد بها الظل تركن إليها “للقيلولة”. هذا الأمر حيّر أحد زملائنا الذي لم يتردد لطرح سؤال على صاحب الماشية قدم لزيارة قطيعه حول الأمر، فأجابه بأنه غير قلق على أبقاره وأنه متعود على ترك ماشيته بالمكان على أن يتفقدها مرة أو مرتين في الأسبوع.
من جهته، تذكر السيد أحمد آث قاسي واعمر، مرافقنا إلى بحيرة “تالا أوقلميم”، بحسرة ما كان عليه المكان الذي كان يقصده شبان المنطقة لقضاء عطلة الصيف به؛ المكان الذي كان يحتضن دورات كروية تدوم حوالي شهر يشارك فيها شبان المنطقة الذين كانوا يتنافسون رياضيا للفوز بالدورة، التي نظمت آخرها سنة 1992، وكان المطرب آيت منڤلات هو الذي قدّم الكأس للفريق الفائز بتلك الدورة.

شواهد على إنجازات الثورة وقبور الشهداء مهملة
سمحت لنا هذه النزهة بالوقوف على أماكن قريبة من البحيرة تشهد على بسالة المجاهدين إبان الثورة التحريرية، فأولها هي قبور مهملة وقفنا عليها في طريق عودتنا بالمكان المسمى إنفيق إفاك، ويتعلق الأمر بمكان دفن مقاومي المنطقة الذين دافعوا عن المنطقة خلال محاولة الغزاة الفرنسيين دخول آيت بودادو ابتداء من سنة 1850 لغاية 1871، خلال الثورات الشعبية التي حاول خلالها الجزائريون التصدي للاستعمار بوسائلهم الخاصة، فقبور هؤلاء الشهداء لا تحمل أي إشارة تذكّر الجيل الحالي والقادم بتضحياتهم وببسالتهم. وغير بعيد عن ذلك المكان، أشار السيد أحمد آث قاسي واعمر لوجود بقايا طائرة أسقطها المجاهدون خلال معركة وقعت يوم 7 ديسمبر 1957 بالمكان المسمى بوقريش ولا تزال أجزاؤها متواجدة بعين المكان، داعيا منظمة المجاهدين والسلطات لاستعادتها ووضعها في متحف. علما أن محدثنا حاول مرارا تحسيس المعنيين بالأمر بهذا المسعى، لكن لا أحد تحرك لتحقيق ذلك بالرغم من أهميته التاريخية.

 ما هو دور الحظيرة الوطنية لجرجرة؟
كما سبق أن أشرنا، فإن هذه البحيرة محمية من قِبل الحظيرة الوطنية لجرجرة وكذا منظمة اليونيسكو، لكن السؤال الذي طرحه العديد ممن كانوا برفقتنا في هذه الزيارة متعلق بما قامت به الحظيرة الوطنية للتعريف بهذه البحيرة وفتح ممرات للراغبين باكتشافها وبلوغ هذا المبتغى، كون الممرات الحالية تعتبر في الحقيقة خطرا عل مستعمليها بالنظر للصخور والحجارة المتواجدة بها، فمن دون شك فإن أقل شيء يمكن للمصالح ذاتها إنجازه هو فتح ممرات للراجلين، بعد أن غلقت الطريق المؤدي إلى بحيرة “تالا أوقلميم” قدوما من تيكجدة حفاظا على المكان وتفادي تدهوره، وكذا عدم “توسيخه” كما تم فعل ذلك بالأماكن الطبيعية الجميلة التي تزخر بها ولاية تيزي وزو.
فولاية تيزي وزو تنام إذن على كنز هو السياحة الجبلية، حيث تتوفر على مناظر طبيعية خلابة وبعضها نادر، فلو تم استغلالها بطريقة عقلانية ستدرّ المال الوافر لسكان المنطقة وستسمح بتطوير الصناعات التقليدية، والبداية ستكون ببناء مرافق سياحية كالشاليات مثلا لتمكين المواطنين من قضاء نهاية أسبوع بها أو عطلة بالمنطقة، والتي سيقصدها الزوار الأجانب كما كان عليه الأمر قبل تسعينيات القرن الماضي، حيث عششت فيها الجماعات الإرهابية إلا أن ذلك لم يمنع المواطنين من زيارة هذه الأماكن.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول