من يوقف "سماسرة الموت" و"مافيا" الاتجار بالبشر؟

روبورتاجات
17 يوليو 2015 () - الجزائر: فاطمة الزهرة شويب
0 قراءة
+ -

هل هؤلاء المهاجرون غير الشرعيين واللاجئون الأفارقة، القابعون في الساحات العمومية، وأمام مداخل المساجد، وفي الأسواق ضحايا أم متّهمون؟ قد يبدو التساؤل قديما مستهلكا، لكن مادامت الإجابة عليه بعيدة عن أرض الواقع، فإن التساؤل يبقى كما هو، ومعه تتزايد أسئلة أخرى، ومنها: هل يعلم الناس أن هناك مافيا اختصت في تجارة البشر؟ هل يعلم الناس أن رحلة هارب من بطش الفقر والجوع والمرض والعنف والتحرش والحرب سعرها يقارب الـ3 آلاف أورو، للوصول إلى تمنراست فقط؟

 بلغ عدد النازحين 50 ألف مهاجر، من بينهم 6 آلاف طفل، ومن أهم عوامل بروز هذه الظاهرة الاجتماعية يأس المهاجرين من واقعهم، وطلبهم لحياة تعز كرامتهم، وتحترم إنسانيتهم، فاتخذوا الجزائر قبلة وحلما للهروب، من بلدان استحالت سبل العيش فيها، بعد أن طحنهم الفقر، ووسمت روحهم علامات الحاجة، فأبوا إلا أن يخترقوا مجهولا تتخلله علامات مستقبل مظلم.
دقت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان ناقوس الخطر وحذرت من الأخطار التي تفتك بالمهاجرين، ففضلا عن المعاناة التي تطالهم، وهم يقطعون المسافات الطويلة على طول آلاف الكيلومترات وعلى امتداد أفق الصحراء، يشكون الظمأ والعطش الشديدين، ويتذوقون الموت وسط الرمال، تحت أشعة الشمس الحارقة، إلا أن خطرا ومعاناة من نوع آخر بدأ يحدق بهم خاصة النساء و الفتيات، ويتعلق الأمر بـ«مافيا الاتجار بالبشر” لتتحول قوافل المهاجرين غير الشرعيين من “ظاهرة” إلى “مأساة”، بعيدة كل البعد عن الاهتمام وتسليط  الضوء الإعلامي.
ندد قدور هواري، الأمين الوطني المكلف بالملفات المختصة في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بالتجاهل والسياسة المتبعة من قِبل دول الشمال من الاتحاد الأوروبي اتجاه المهاجرين الأفارقة، وذلك بالضغط على بلدان إفريقيا الشمالية لتنفذ مخططات أجنداتها، وتخويل فرنسا وايطاليا، واسبانيا بإقامة حاجز يمنع مرور قوافل المهاجرين غير الشرعيين عبر بوابة أوروبا. ودعا المهتم بعالم المهاجرين غير الشرعيين المجتمع الدولي إلى ضرورة الحد من المأساة، ومواجهة ما يترتب عنها من حوادث أليمة، كما دعا إلى ضرورة الإسراع لوضع إستراتيجية شاملة ومتوازنة لمعالجة ظاهرة الهجرة وتسيير تدفقها، في ظل الاحترام التام لحقوق الإنسان وكرامة المهاجرين.
وفي هذا السياق أعربت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان عن انتقادها لبرنامج (فرونتاكس)، الذي أعده الاتحاد الأوروبي لتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى “جدار” بالنيابة عن أوروبا، في التصدي للمهاجرين الأفارقة القادمين من دول الساحل والصحراء. وقالت المنظمة الحقوقية إنه “أمام هذا الخرق لحرية تنقل المهاجرين السريين الأفارقة فإن مسؤولية التقهقر والعجز عن الأخذ بالدوافع الإنسانية تقع على عاتق دول الشمال و الجنوب على حد سواء، فباتت مسؤولية مشتركة افريقية-أوروبية”.
استغلال بشع لمعاناة الفارين من الفقر والعنف والحروب
وجاء في تقرير مفصّل للرابطة أن المهاجرين الأفارقة، بمجمل المعاناة، التي يتعرضون لها مجازفون بحياتهم للوصول إلى أقصى الجنوب الجزائري، فإن استغلال شبكات المافيا لهم ماديا فاق كل التصورات، وأثقل هجرتهم للوصول إلى الأراضي الجزائرية، فيقوم المهاجرون بدفع 1100 أورو لسماسرة يسهلون لهم اجتياز الصحراء في ظرف يومين، ثم يدفعون الدفعة الثانية، التي تقدر بـ1500 أورو، من أجل إدخالهم إلى الأراضي الجزائرية، وبالضبط إلى ولاية تمنراست التي تبعد عن الجزائر العاصمة بنحو 2000 كلم، حيث يكتشف الزائر لعين ڤزام، الواقعة على بعد 12 كلم عن الحدود الجزائرية النيجرية، مظاهر الغنى والبذخ تشي بسماسرة الهجرة غير الشرعية.
وأضاف التقرير أنه وبالرغم من تأمين الحدود وغلقها بين البلدين إلا أن سماسرة الموت أنشأوا محاور تنشط بكثافة، وتحولت القضية إلى “تجارة مربحة” بضاعتها تدفق مئات اللاجئين، حيث تحول محور آرليث- سمقة بالنيجر، وعين ڤزام بالجزائر إلى أوعية حيوية لتهريب البشر أناء الليل وأطراف النهار، وكذلك محور صحراء تنزروفت، الذي يقع بين برج باجي مختار وأدرار، ليتم تحرير اللاجئين في آخر المطاف إلى إقليم ولاية غرداية.

مهاجرون مسلمون يفطرون على أبواب المساجد والساحات العمومية
وتابعت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان تدفق اللاجئين الأفارقة في الجزائر، ورصدت بدقة المآسي التي يعيشونها، ومظاهر ذلك تتجلى في تراص المهاجرين الأفارقة في طرقات وشوارع المدن الجزائرية، التي تشهد عودة غير مسبوقة للمهاجرين الأفارقة، حيث عادوا لافتراش الشارع، واتخذوا من مداخل المساجد وبعض الأحياء ملاجئ لهم، حتى في شهر رمضان المعظم، حيث عجزت وعود وزارة التضامن بتخصيص مطاعم ومراكز لاستقبال اللاجئين، ما أدى بالعائلات الفقيرة الإفريقية المسلمة للإفطار في الشوارع والمساجد على تبرعات وصدقات المحسنين، واستنادا لغياب النتائج الملموسة فيما يخص المبالغ الضخمة التي قدرت بـ100 مليون دولار، و المخصصة لملف الأفارقة المهاجرين فقد طالبت الرابطة بفتح تحقيق معمق حول حيثيات تسيير المبالغ.
وأضاف المصدر ذاته أنه وفي محاولة لفتح تحقيق حول معاناة الأفارقة المهاجرين في شهر رمضان، وعن التعامل الحكومي والإنساني لهذه الفئة المهمشة دوليا، تساءل عن امتعاض بعض قيادي جمعيات شبه حكومية، وحملتهم مسؤولية التشويش عليهم، بالتنديد لمثل هذه التصرفات، التي لا تخدم العمل الإنساني، مشيرا أن من مبادئ الرابطة الدفاع عن كرامة وحقوق الإنسان، بما فيهم اللاجئون الأفارقة المنسيون، داعيا الحقوقيين ووسائل الإعلام بتوجيه الرأي العام، وتغطية القضايا ذات الاهتمام الإنساني، دون قيود أو شرط، من بينها قضية المهاجرين الأفارقة.
وجاء في تقرير الرابطة أن عدد المهاجرين الأفارقة الذين تسللوا من الجنوب، مع دولتي مالي والنيجر، بلغ 50 ألف مهاجر، من بينهم 6 آلاف طفل، وأضاف المصدر ذاته أن الجزائر رحّلت 1700 مهاجر، وأعادتهم إلى بلدانهم، خاصة النيجر. وتعيش أغلب العائلات الإفريقية معاناة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتتمثل معاناتها في امتهان التسول طريقة حياة وكسب للعيش، مناصفة مع العائلات السورية النازحة، غير أن الفرق الوحيد يكمن في اختلاف طريقة التعامل، التي تتمثل في التعاطف، ومد مختلف أشكال الدعم، من قبل المجتمع المدني للمهاجرين السوريين، في حين يتعرض الأفارقة لسوء المعاملة والتمييز العنصري، وتذمر المواطنين لتوجسهم الأمراض والأوبئة، التي قد يحملها الأفارقة، وشغلهم الأماكن العمومية باتخاذهم محطات القطار ومحطات النقل الحضري وأرصفة الطرقات مأوى لهم، ناهيك عن تخوفهم من نقل الأمراض المعدية.
وأمام هذا الوضع المزري والمأساوي على الصعيد الإنساني تناشد الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المواطنين والمسؤولين على حد سواء بالعمل على تحقيق المساواة، ومحاربة كل أشكال التمييز الممارس في حق هؤلاء المهاجرين، من الترحيل الإجباري والمطاردات في حقهم، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان، مستعطفين الجزائريين كونهم في الماضي كانوا مهاجرين، وقسا عليهم التاريخ وظروف الحياة بالطريقة نفسها، كما دعت السلطات إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة ومحاربة كل أشكال التهريب والمتاجرة بالبشر في الجنوب الجزائري.
وتضمن تقرير الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان بعض الاقتراحات، التي من شأنها تسهيل التكفل بالمهاجرين غير الشرعيين، ووضع حد أو العمل على التقليل من وطأة الظاهرة، وذلك بعدة عوامل تتجسد في التوعية بمخاطر الظاهرة، لا بالردع ببرنامج (فرونتاكس)، ولا بالتخويف والترهيب من المحتشدات والسجون، ولا تتحقق الغاية المنشودة بتقنين القوانين الرادعة، بل بتطبيق روح القانون، كون الأمر يتعلق بالتعامل مع إنسان، سقف أحلامه حياة يعيشها بكرامة، دون الإحساس بالخوف من مجهول يتربصه، فهرب من الأوضاع الأمنية المزرية الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية، في عدد من دول منطقة الساحل، وسلك دروبا خطيرة، ودفع مبالغ مالية طائلة لسماسرة الموت من أجل شراء الحياة، كذلك من بين المقترحات العمل على توفير مقرات تتوفر على الشروط الضرورية واللائقة، وضمان التكفل الغذائي، أيضا ضرورة المتابعة الصحية مع متابعة التعليم المدرسي لأطفال النازحين، وحمايتهم من الاستغلال والاستعباد بكل أشكاله، ومتابعة الشبكات الإجرامية التي تدفعهم إلى التسول، من أجل كسب المال على حساب كرامتهم، إضافة إلى حمايتهم من الاعتداءات والتحرش الجنسي.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول