من وقف لله إلى فريسة للناهبين

روبورتاجات
21 يوليو 2015 () - الجزائر: نوار سوكو
0 قراءة
+ -

كان الوقف في الجزائر من بين المسائل التي شدت انتباه الفيلسوف الألماني كارل ماركس عند زيارته لهذا البلد سنة 1882، وكتب في مذكرته أن المؤسسة الوقفية في الجزائر تملك 3 ملايين هكتار من الأراضي.
عرف الجزائريون الوقف خلال مرحلة الفتح الإسلامي، إلا أنه عرف تطورا وازدهارا منقطع النظير خلال المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني، لأن الأتراك كانوا متمسكين بالدين الإسلامي فحبسوا أراضيهم ودكاكينهم وبساتينهم وحماماتهم وفنادقهم وأفران خبزهم في سبيل الإنفاق على الفقراء والمستضعفين وإشاعة التضامن والتكافل الاجتماعي.
وبدل أن تشتغل الدولة الجزائرية على استعادة الأملاك الوقفية بعد الاستقلال، تواصلت عملية النهب والاعتداء عليها عن قصد وغير قصد من قبل الأشخاص والمؤسسات، كالاستيلاء على أملاك بسيدي يحيى في حيدرة وبوزريعة وباب الوادي والقصبة وأخرى بقسنطينة وتلمسان ومعسكر وعنابة وولايات أخرى.

 


60 سنة من الاستقلال لم تشفع في استرجاع هذه (الأمانة الخيرية) واستغلالها لنسج أواصر التضامن والتكافل الاجتماعي في عالم تحولت فيه العولمة إلى نظام يخضع الدول ويذل الشعوب.
الذاهبون إلى معركة استرجاع الأمانة الخيرية (الوقف) لم يستعيدوا إلى غاية الثلاثي الأول من السنة الجارية إلا 10237 ملك وقفي، عائداتها لا تتعدى 20 مليار سنتيم سنويا، وذلك راجع لعدة عوائق، بينها إعادة سحب 15 مليار سنتيم مخصصة للبحث عن الأملاك الوقفية من طرف وزارة المالية نزولا عند سياسة التقشف. لكن وزارة الشؤون الدينية تراهن حاليا على المطالبة بترقية التعليمة الوزارية المشتركة لاسترجاع الأملاك الوقفية إلى قرار وزاري قصد تسريع العملية وإلزام الأطراف المحتلة والمستغلة والمتحايلة على الوقف بإخلائه في خطوة مرتبة لإنشاء ديوان الوقف الذي سيأخذ شكل مؤسسة مستقلة، ومن ثمة تفعيل استثمار الوقف وإيصال ريعه إلى المحتاجين والمعوزين.
بن بلة وبومدين والشاذلي لم يهتموا بالوقف
العارفون بشؤون الوقف بالجزائر يقولون إن الدولة الجزائرية بعد الاستقلال لم ترجع إلى التفاصيل الخاصة بالتعدي على الأملاك الوقفية، وهو تعد تراكم على مر السنوات (الإدارة الاستعمارية وكذا الأشخاص والمؤسسات بعد الاستقلال)، وواصلت العمل بالقوانين الفرنسية رغم أنها أطلقت اسم الأوقاف على الوزارة سنة 1965.

 


هذا التعدي على الأمانة الخيرية (الأوقاف أو الحبوس) نوعان: تعد بدون إرادة، كشراء أراض من المعمرين، أي لا يوجد فيه سوء نية، وهناك نهب وتعد من طرف الأشخاص والمؤسسات بإرادة، بحسب ما يشير إليه الدكتور بن رتيمة عبد الوهاب، مدير الأوقاف والحج والعمرة بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
وشهدت سنة 1964 أول التفاتة من طرف الدولة الجزائرية المستقلة إلى مسألة الوقف من خلال المرسوم رقم 64- 283 المتضمن نظام الأملاك الوقفية.
لكن هذا القانون لم يطبق وتم تجميد العمل به، لتبقى بالتالي الأملاك الوقفية عرضة لجميع التصرفات من نهب واعتداء، في جميع مناطق الوطن، بعد أن احتال أشخاص ومؤسسات عليها.
ولم تشفع القوانين التي صدرت بعد ذلك في حماية الأملاك الوقفية من النهب والاحتيال. إذ تشير مراجع تاريخية مهتمة بالوقف إلى أن قانون الثورة الزراعية الذي صدر في سنة 1971 بموجب الأمر رقم 71 – 73، ورغم استثنائه للأراضي الوقفية من الاستغلال، إلا أن تطبيقه كان متعارضا مع هذا الاستثناء، وأدرجت معظم الأراضي الوقفية ضمن الثورة الزراعية خلال فترة حكم الرئيس الراحل هواري بومدين.
هذا المعطى في الحقيقة زاد من تعقيد وضعية أراضي الأوقاف، وأصبحت عرضة للاندثار بسبب تقادمها، في ظل ضياع كثير من الوثائق والعقود الخاصة بها. هذه الوضعية، بحسب مؤرخين لظاهرة الوقف، سهلت من عملية تصرف الأشخاص وحتى مؤسسات في الأملاك الوقفية بتملكها وتمليكها.
والمصير نفسه عرفته الأملاك هذه بعد صدور قانون التنازل عن الأملاك العمومية، فكان الوقف محل تملك بعقود الشهرة، إلى جانب شيوع العقود العرفية التي ساعدت أيضا في نهبه وتمليكه، أي لم تسلم الأملاك الوقفية من التصرفات الناقلة للملكية كالبيع والهبة.

 


وحتى قانون الأسرة الصادر سنة 1984 الذي علقت عليه آمال لترقية وحماية الأملاك الوقفية لم يحل المشكلة، ما يعني أن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد لم يعر هو الآخر أي اهتمام لحماية واسترجاع الأملاك الوقفية، إلى أن جاء دستور 1989 الذي اعترف بالأملاك الوقفية، وشكل نصه أول خطوة حقيقية لحماية هذا النوع من الأملاك، وتجسيدا لذلك صدر القانون 91-10 المتعلق بالأوقاف، فحدد تنظيمها وكيفية حمايتها من خلال منع التصرف في أصلها وتحديد أوجه الانتفاع بها. ونظرا للقيمة المادية الكبيرة لهذه الأملاك التي هي في الحقيقة أمانة خيرية، راحت تثير، ولازالت، أطماع كثير من الأشخاص بعد أن استولوا عليها ونهبوها بشتى الطرق الاحتيالية، سواء تعلق الأمر بقطع أرضية صالحة للبناء أو أراض خصبة صالحة للزراعة وحدائق وبساتين وسكنات وحمّامات ومرشات وغيرها، في أغلب ولايات الوطن.
العاصمة.. نموذج السطو والاحتيال
ففي العاصمة مثلا، واستنادا للمعلومات التي قدمها مدير الأوقاف والحج والعمرة، السيد عبد الوهاب بن رتيمة لـ”الخبر”، استولت 17 عائلة على أراض وقفية بحي سيدي يحيى الشهير بحيدرة، إذ استغلت هذه العائلات فرصة إخلاء شركة كوسيدار للمكان واستولت عليه، والمصير نفسه عرفته أراض وقفية ببوزريعة، حيث احتلت عائلات مساحات هامة وشيدت فوقها سكنات هشة، فيما لا تزال الكثير من العائلات تحتل سكنات وقفية أيضا بحي باب الوادي، كما عرفت منطقة الشبلي بولاية البليدة عمليات مماثلة.
ظاهرة الاستيلاء على الأمانة الخيرية غير مقتصرة على العاصمة، بحسب ما يشير المسؤول المذكور، بل امتدت إلى قسنطينة وورڤلة وبسكرة وأدرار وغرداية وعنابة ومعسكر والمسيلة وباتنة وبومرداس وبرج بوعريريج وتلمسان والقائمة طويلة، من غير الحديث عن الأملاك الوقفية التي استولت عليها كثير من المؤسسات، بينها تلك التي بني فوقها مقر جريدة “المجاهد” ووزارات الخارجية والمالية والدفاع، فضلا عن فنادق وجامعات ومدارس.

 


لكن ما استنتجناه من أقوال مدير الأوقاف هو أن وزارة الشؤون الدينية مصممة على كسر الجدار أو اختراق السقف لأجل استرجاع الأملاك الوقفية التي نهبت، ويقول في هذا الاتجاه: “نحن بصدد استرجاع كثير من الأراضي بينها تلك التي تم الاستيلاء عليها بسيدي يحيى والوزارة قطعت مرحلة متقدمة لتنفيذ قرارات إخلاء الأرضية، لأن العملية تعتبر تعديا على الأمانة الخيرية، والأمر نفسه بالنسبة لأحياء باب الوادي وبوزريعة وباقي الولايات الأخرى”.
وما فهمناه من أقوال محدثنا هو أن وزارة الشؤون الدينية تريد الترتيب لاتفاق مع وزارة السكن لتحويل الأراضي الوقفية بعد إخلائها إلى سكنات يتم إيجارها للمواطنين ومن ثمة التحكم في عائداتها وصرفها على المحتاجين. لكن كيف وصلت حالة الأملاك الوقفية إلى هذه الوضعية؟ يجيب مدير الأوقاف عبد الوهاب بن رتيمة: “اسم الأوقاف غاب عن وزارة الشؤون الدينية 35 سنة، أي منذ 1965 إلى غاية 2000، بل وعلى مدى العشرية السوداء لم يظهر أي نص قانوني تنفيذي ينظم الأوقاف إلى غاية 1998، أي من 1991 إلى 1998، وهو ما يعني أن الدولة على العموم أهملت التفاصيل الخاصة بالتعدي على الأملاك الوقفية”.
الاصطدام بأصحاب “لكتاف”
إلا أن المستشار الإعلامي السابق بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، عدة فلاحي، فيرجع ضياع الأملاك الوقفية وقلة الاهتمام باسترجاعها إلى عدة أسباب وملابسات أخرى، بينها “عجز السلطات عن تحويل الأملاك الوقفية إلى مؤسسة، فضلا عن غياب الإطار القانوني لتفعيل استرجاع الأملاك الوقفية، فإدارة الأوقاف تعد من أضعف الإدارات في الجزائر”.
وأشار فلاحي إلى ملابسات أخرى ذات صلة بضعف إرادة السلطات في استرجاع الأمانة الخيرية، بينها “تقصير من السلطات القائمة على تسيير القطاع وربما يعود ذلك إلى الخوف من الدخول في صدامات ومواجهات مع جهات معينة وتداخل بين جهات معينة للتدخل في قطاع الشؤون الدينية على نحو ما يقوم به بعض الولاة، فالوالي بحكم قوته يعرقل الإجراءات التي يريد المدير الولائي للشؤون الدينية مباشرتها في عدة ولايات”.
ولم يتردد عدة فلاحي في إبراز واحدة من الحالات التي تشهد على عرقلة استرجاع الأملاك الوقفية، تتمثل في اكتشاف عدة هكتارات من الأراضي الوقفية التابعة لوزارة الشؤون الدينية بولاية البرج، إلا أن الوالي عرقل عملية تحويلها على أساس أنه بحاجة إليها لاستعمالها مستقبلا. وأمام هذا الوضع وجد المدير الولائي نفسه عاجزا وخائفا من الوالي.

 


أحد المتطوعين، ولما رأى أن المدير الولائي ليس بوسعه فعل أي شيء، اتصل بوزارة الشؤون الدينية بالعاصمة للتبليغ بوجود أراض وقفية صعب استرجاعها، إلا أن مسؤولين بالوزارة قابلوه برد سلبي. هذا الأمر تكرر في عدة ولايات، حتى أن وزير الشؤون الدينية السابق غلام الله، كان قد أشار في ركن “فطور الصباح” بجريدة “الخبر” إلى وجود عراقيل في استرجاع الأملاك الوقفية إلى درجة أن الوزارة وقفت عاجزة أمام نفوذ بعض المديرين والولاة ومسؤولين سامين، حتى أن بعض المنازعات الخاصة باسترجاع تلك الأملاك لا تزال متواصلة منذ سنوات.
من تكتّم على الوقف فهو آثم”
وكان غلام الله، خلال فترة إشرافه على وزارة الشؤون الدينية، قد طلب من مستشاره الإعلامي تحرير شعار للتحسيس بجريمة الاستيلاء على الأملاك الوقفية جاء فيه: “من تكتّم على الوقف فهو آثم ومن استولى عليه فهو آثم”، استهدافا لضمائر الناس. وإلى ذلك، يعترف مواطنون وحتى مسؤولون سابقون بالوزارة، بوجود ملابسات تتعلق بتسيير الأملاك الوقفية كالبزنسة بسكنات وقفية تابعة للمساجد، عبر إيجارها من طرف أئمة وقيّمين ومؤذنين ومفتشين ومسؤولين في القطاع لأشخاص لا صلة لهم بنفس القطاع، على أمل الاستفادة من عائداتها، فيما يشير مواطنون آخرون إلى ملابسات أخرى تتعلق بالكيفية والمنطق الذي تحتكم إليها لجان الشؤون الدينية في إيجار وتسيير المرشات والحمّامات، ولاسيما أن مواطنين في بعض الولايات يقولون إن هذه اللجان تلجأ إلى استعمال قاعدة “الأقربون أولى بالمعروف” في إيجار محلات ومرشات وحمّامات تابعة للشؤون الدينية. والأمر نفسه بالنسبة لملابسات أخرى تتعلق باستغلال أشجار نخيل هي أملاك وقفية.
لماذا لا تلحق الأوقاف بوزارة العدل؟
بعد صدور المرسوم التنفيذي رقم 98/ 381 المؤرخ في 01/12/1998 المحدد لشروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها، راحت تبرز ملامح نية الدولة في استرجاع الأملاك الوقفية.

 


الدولة فكرت في موضوع استرجاع الأملاك الوقفية عن طريق تعليمة وزارية مشتركة بين وزارات الداخلية والمالية والفلاحة والشؤون الدينية، الهدف منها هو “استرجاع الأملاك الوقفية التي هي في حوزة أملاك الدولة، تتضمن إنشاء لجنة عبر كل ولاية، يترأسها الوالي بعضوية مديري أملاك الدولة والفلاحة وديوان الأراضي الفلاحية ومدير الشؤون الدينية مقررا”، يقول مدير الأوقاف.
ويضيف محدثنا: “حينما يكتشف ملك وقفي يقدم مدير الشؤون الدينية ملفا لهذه اللجنة، وبفضل كثير من الملفات التي قدمت في عدة ولايات تم استرجاع أملاك وقفية”.
لكن الانطباع العام الذي تركه مدير الأوقاف في سياق حديثه عن هذه التعليمة، يفيد بأن التعليمة غير فعالة في استرجاع الأملاك الوقفية خاصة وأنها لا تتضمن الصفة الإجبارية أو الإلزامية في إعادة الأمانة الخيرية لأصحابها، لذلك يقول: “نحن اليوم بصدد الارتقاء بهذه التعليمة إلى قرار وزاري مشترك، بهدف تسريع عملية الاسترجاع وكذا إلزام الأشخاص الذين استولوا عليها بالإسراع في إرجاعها إلى مصالح الشؤون الدينية”.
لكن هل معنى ذلك أن عدد الأملاك الوقفية المسترجعة سيتضاعف بعد صدور القرار الوزاري المشترك، خاصة وأن بعض البلدان في العالم، لم تتردد في إلحاق قطاع الأوقاف بوزارة العدل، بينما ألحقته أخرى بوزارة الداخلية قصد حمايته من نهب واحتيال الأشخاص والمؤسسات.
10 آلاف ملك في 53 سنة
وقد بلغت الحظيرة الوقفية الجزائرية، إلى غاية الثلاثي الأول من السنة الجارية، 10237 ملك وقفي، بينها 45,59 بالمائة بمثابة سكنات لصيقة بمساجد إلزامية للأئمة والقيّمين والمؤذنين، بينما 9,14 بالمائة تحتاج إلى ترميم هي محلات تجارية متواجدة بالقرى والمداشر الجزائرية، أما 63,6 بالمائة فهي بمثابة مرشات وحمّامات تنعدم فيها شروط الصحة وتحتاج إلى صيانة، فيما 33,7 بالمائة هي أراضي فلاحية و 66,8بالمائة بمثابة أراض بيضاء (لم تستثمر بعد)، حسب مدير الأوقاف عبد الوهاب برتيمة. ويؤكد نفس المتحدث على أن “عائدات هذه الحظيرة الوقفية في السنة لا تتجاوز 20 مليار سنتيم، وهذا المبلغ يأتي معظمه من المشروع الاستثماري الوقفي المتواجد بخرايسية المسمى دار الكرام”.
وتوجد على مستوى الوزارة 600 قضية متراكمة متنازع عليها، 80 بالمائة منها فصل فيها لصالح الوزارة.

 


ويشير مدير الأوقاف إلى أن “أول نزاع كان مع بلدية بئر مراد رايس بالعاصمة لاسترجاع أراض وقفية، أما المنازعات الخاصة بالمحلات التجارية ففصل فيها لصالحنا أيضا ببلدية بئر مراد رايس والجلفة وبعض الولايات وقمنا باسترجاعها”. وقد موّل بنك التنمية الإسلامي بجدة عن طريق قرض ومنحة عملية البحث واسترجاع الأملاك الوقفية وتم العثور على 127 هكتار من الأراضي العمرانية وأكثر من 2408 هكتار من الأراضي الفلاحية.
مدير الأوقاف لـ “الخبر”: “استرجاع الأملاك لا يعني إخراج الناس إلى الشارع”
لكن مدير الأوقاف يطمئن الأشخاص الذين كانوا يحتلون هذه الأراضي على أن مستقبلهم لن يكون في حكم المجهول فـ”عملية استرجاع الأملاك الوقفية ليست ثورة على هؤلاء المستغلين، ولكن نطمئنهم أن عملية الاسترجاع لا تعني إخراجهم إلى الشارع، ولكن سيصبحون مؤجرين لدى قطاع الأوقاف التابع لوزارة الشؤون الدينية”. ونتيجة لهذه العملية، يضيف “ظهر مرسوم إيجار الأراضي الفلاحية، ففي القليعة بتيبازة كان 300 شخص يستغلون أراضي فلاحية بعد أن أجروها عن أملاك الدولة، قمنا باسترجاع هذه الأراضي وتم تحويل هذه العقود التي كان يستفيد منها هؤلاء بنفس الامتيازات من أملاك الدولة إلى الأوقاف، وهذه العملية متواصلة في كل الولايات، والوزارة في برنامج عملها تفكر في إنشاء مؤسسة مستقلة للأوقاف”.
وكان مدير الأوقاف السابق قد أشار إلى أن هناك 5500 وقف مستغل بطريقة غير شرعية، تمكنت الوزارة من استرجاع 2500 ملك وقفي منها، وتوجد مئات القضايا محل نزاع على مستوى المحاكم، وقال: “إن ولايات عنابة والجزائر وتلمسان وقسنطينة هي أبرز الولايات التي يستغل فيها أشخاص أملاكا وقفية بطريقة غير شرعية”.
وتحرص وزارة الشؤون الدينية اليوم على إلزام مديريها في الولايات بتنفيذ الأحكام الخاصة بالأملاك الوقفية، وتقول إن المصالحة هي أيضا أن يعترف الأشخاص الذين يستغلون ويشغلون أملاكا وقفية بأنها ملك للغير وهي أمانة خيرية.

 


وقد قدم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الراحل الشيخ أحمد حماني، سنة 1987، فتوى تخص الأشخاص الذين استولوا على الأملاك الوقفية جاء فيها: “إن الدولة لا تملك الوقف وإنما تسهر على تنفيذه، حسبما نص عليه الواقف... أما هذا المكتري للتراب المقيم عليه بغير إذن يمكن أن يعتبر غاصبا، لأن فعله استيلاء على ملك غيره. ويحق لأي أحد من المسلمين أن يطالب بمتابعته لأنه من حقوق الله، ومن فعل ذلك كان حسابه على الله”.
لكن هل ضعف عائدات الأملاك الوقفية المسترجعة المقدرة بأزيد من 10 آلاف وقف يعود إلى الأطر التقليدية والقديمة في تسييره، خاصة وأن مصادر على صلة بالشؤون الدينية تقول إن إيجار الأملاك الوقفية في عدد من الولايات يعتمد الأسعار التي كانت سائدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
بل وفي مناطق أخرى، يتم كراء بعض الأملاك بالدينار الرمزي، بينما في ولايات أخرى تم تحيين أسعار كراء السكنات والحمّامات والمرشات مع أسعار السوق دون سابق إنذار من الوزارة منذ عدة سنوات.

 


ويعترف مدير الأوقاف ضمنيا بأن سبب ضعف مداخيل الأملاك الوقفية يعود إلى طريقة تسييرها وكذا إلى عدم تحول هذه الأملاك إلى مؤسسات وقفية ويقول: “صدرت تعليمة في مطلع سنة2015 موجهة لمديري الشؤون الدينية في الولايات بهدف تحيين الإيجار المثل، أي المكيف مع السوق كما فتحت ورشة للأوقاف على مستوى الوزارة يترأسها الأمين العام قصد ترقية الأوقاف والتحضير لمشروع قانون إنشاء ديوان الأوقاف”.
وتابع المسؤول ذاته: “عن قريب يشرف وزير الشؤون الدينية محمد عيسى وبمشاركة خبراء من الجامعات على إنشاء خلية تفكير مساعدة للوزارة لتفعيل دور الأوقاف، بل وبالرجوع إلى برنامج الحكومة نجد مساهمة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في البرنامج وفق 5 نقاط بينها تفعيل وتثمين الدور الاجتماعي لصندوق الأوقاف والزكاة وعصرنة تسييرهما”.
ويتضمن الوقف في الجزائر، حسب نفس المتحدث، أربعة محاور كبرى، هي: عملية استرجاع الأملاك وتفعيل عملية استثمارها وكيفية إيصال ريع الأوقاف واستثماراته إلى المحتاجين والمعوزين، والرابعة تحسيس المجتمع المدني بأهمية الوقف”.

 


ويرى الدكتور بن رتيمة أن المنظومة القانونية غير المرنة في بلادنا تعد ضمن أهم الأسباب التي حالت دون إنشاء مؤسسات خيرية، على خلاف ما هو معمول به في كثير من البلدان العربية كقطر والإمارات والكويت والأردن... فلماذا كل المؤسسات عندنا هي ذات طابع تجاري؟
سياسة التقشف والتراجع عن الـ15 مليارا
الحقيقة التي لا تخفى على الأطراف المتابعة لملف الأوقاف في الجزائر هي أن استرجاع والاستثمار في الأملاك الوقفية تعترضه عوائق كبيرة، بينها غياب الإطار القانوني المشجع والمسهل لهذه العملية، فضلا عن غياب الإطارات التي بإمكانها أن تشرف على العملية، ما يعني أن الوزارة مطالبة بتكوين الإطارات المشرفة على العمل الخيري التطوعي في المستقبل، وكذا البحث عن مصادر تمويل العمل الخيري، ولو أن الوقف كقانون مازال إلى غاية اليوم لا يدرس في معاهد وكليات الحقوق الجزائرية. والى ذلك تطرح مسألة الوثائق الوقفية تحديا آخر على طريق البحث عن الأملاك الوقفية.
إذ تم تشكيل خلية مكونة من وكلاء أوقاف على مستوى ولاية الجزائر وعدد من الولايات تشتغل بالتنسيق مع مركز الأرشيف الوطني، لكن الحجم الكبير من الأرشيف موجود باللغة التركية، حسب مدير الأوقاف، وهذا يحتاج إلى تكوين أخصائيين في هذه اللغة ومترجمين.
وفي سياق الحديث عن هذه العوائق، تشير مصادر متابعة لملف الأملاك الوقفية، إلى أن الغلاف المالي المقدر بـ15 مليار سنتيم الذي رصد لإحصاء ورصد الأملاك الوقفية في الجزائر ومن ثمة تسوية وضعيتها الإدارية قد تم سحبه من قبل وزارة المالية استجابة لخطة التقشف التي سطرتها الحكومة لمواجهة تداعيات انهيار أسعار النفط وانعكاساتها على الجزائريين، فيما لا يزال مشروع القانون الخاص بإنشاء ديوان الأوقاف حبيس أدراج وزارة الشؤون الدينية منذ سنة 2013.

 


لكن اللافت في مسألة الوقف في الجزائر هو أنه وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود على الاستقلال لم نشهد حملة توعية وتحسيس للمجتمع بأهمية الوقف، أي فسح المجال للمجتمع ولأهل الخير لتحمّل جزء من أعباء الخدمات الاجتماعية، على الأقل لإحداث نوع من التوازن في المجتمع يأخذ منحى مرافقة المحتاجين والمعوزين والمغلوبين على أمرهم ضحايا الظروف الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن عولمة الاقتصاد الحر، فعندما قررت الدولة في تسعينيات القرن الماضي الانتقال من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق تخلت عن دعمها لقائمة من منظومة المواد ذات الاستهلاك الواسع، على نحو أحدث خلخلة في بنية المجتمع فظهرت بؤر عديدة للفقر قادت إلى بروز ظاهرة الانتحار نتيجة الجوع وتفشت ظواهر اجتماعية جديدة، البطالة، العنف، كثرة الطلاق، المخدرات، السرقة، تلاها بروز حالات عديدة لأسر جزائرية رفعت الراية البيضاء وتخلت عن تدريس أبنائها نتيجة الفقر، ذلك بعد أن امحت ما يسمى بالطبقة الوسطى، حدث كل ذلك نتيجة غياب الطرف الذي كان يفترض أن يرافق هذه الشرائح الاجتماعية خلال المراحل العصيبة، كمجتمع مدني يلعب دوره الاجتماعي الخيري، على نحو ما كان عليه خلال الحقبة المشرقة من تاريخ المرحلة الأخيرة من حكم الأتراك في الجزائر، إذ ازدهر الوقف لدى الجزائريين وكانت عائداته تقدم حتى لبلدان عربية.
هكتاران لكلية الحقوق بسعيد حمدين
ومع ذلك، كان وزير الشؤون الدينية الأسبق، عبد الله غلام الله، قد انتقد طريقة استثمار الوقف في الجزائر، وقال عنها إنها لاتزال محصورة في المساجد والمقابر والمدارس القرآنية من غير أن تساير تطورات وتطلعات المجتمع، كالاستثمار في مصحات ومستشفيات ومؤسسات لليتامى وحتى معاهد وجامعات ومراكز لدور الحضانة وغيرها. كما انتقد عدم تعاطي الجزائريين مع موضوع الوقف من جانب غياب الأطراف المانحة والممولة، على خلاف ماهو معمول به في عدد من البلدان الأوروبية التي تشكلت بها مجتمعات مدنية بلغت مرحلة الاستغناء عن الحكومات نتيجة القوة التي أصبحت عليها في كل المجالات، ولو أن وزارة الشؤون الدينية قامت بعمليات تعد الأولى من نوعها للاستثمار في الوقف، بينها إطلاق تجربة سيارات الأجرة التابعة للوقف بالعاصمة، ويرتقب أن تعمم العملية خلال الأشهر المقبلة في ولايتي عنابة وغليزان لفائدة الشباب البطال.

 


ويمكن للوقف أن يساهم في التنمية كإنشاء مرافق عمومية أو مقبرة أو توسيع طريق عام في حدود ما تسمح به المنظومة القانونية، ولاسيما المادة 24 من القانون 91 -10 على نحو ما تمت به العملية مع مصالح ولاية الجزائر، عندما تم توسيع طريق وادي حيدرة بعد استرجاع الأراضي الوقفية التي كان يشغلها أصحاب بيوت هشة. والأمر نفسه بالنسبة لكلية الحقوق بسعيد حمدين، يقول مدير الأوقاف، إذ ساهم قطاع الأوقاف بهكتارين من الأراضي لإنجاز كلية الحقوق، و”الوقف لا ينقص من إمكانات الدولة في شيء، بل يدعم مدخراتها ويخفف عنها العبء”، يضيف.
الوقف خلال المرحلة الأخيرة من حكم الأتراك: تجربة للتأمل
وتشير مراجع تاريخية إلى أن ظاهرة الوقف في الجزائر كانت موجودة حتى قبل دخول الأتراك إلى هذا البلد، أي تعود إلى الحقبة التي أعقبت الفتح الإسلامي في المغرب الأوسط، وبالتالي فإن الوقف هي ظاهرة اجتماعية مرتبطة بعلاقة الجزائريين بالدين الإسلامي، لكن الوقف ازدهر وتوسع خلال الفترة الأخيرة من حكم العثمانيين في الجزائر. وتشير مخطوطات أخرى إلى أن سكان الجزائر من أتباع المذهب المالكي كانوا يتطوعون بأوقافهم بحسب الطريقة المتبعة في المذهب الحنفي نظرا لما كان يتمتع به من مرونة ودينامكية، فالحنفيون يسمونه بـ”الوقف”، والمالكيون يطلقون علية اسم “الحبس”. ولغة يقال وقف الشيء وأوقفه بمعنى حبسه وأحبسه، وسمي وقفا لما فيه من حبس المال في سبيل الله على الجهة المعينة، ولذلك يقال، وقف الأرض على المساكين، أي حبسها وجعلها في باب البر والإحسان. وقد أسندت قضائيا مهمة الأوقاف أو الأحباس خلال الفترة الأخيرة من حكم الأتراك إلى المجلس العلمي الذي كان يجتمع كل خميس لدراسة أحوال الأوقاف، ويضم المجلس علماء من المذهبين الحنفي والمالكي، وكان دور المجلس هو جمع إيرادات الأملاك الوقفية وتوزيعها على مستحقيها من المحتاجين والفقراء. ويقوم بتسيير الأملاك الوقفية موظفون يسمون بالوكلاء أو النظّار، تعيّنهم السلطات العمومية ممثلة في (الباشا) أو السلطة القضائية ممثلة في (المفتي)، ويتم اختيار هؤلاء حسب سمعة الشخص اجتماعيا من جانب تقواه أو نسبه.

 


وتشير مخطوطات تاريخية أخرى إلى أن الوقف توسع آنذاك ليشمل الأراضي والبساتين والحدائق والمحلات وأفران الخبز والحمّامات والعيون والسواقي وحتى صهاريج المياه، وكانت تدر عائدات معتبرة يتم بها تمويل جزء هام من النشاط الاجتماعي والثقافي، ناهيك عن دورها البارز في تمتين شبكة التضامن والتكافل الاجتماعي. وكانت الأوقاف هذه موزعة على عدة مؤسسات خيرية، تحتل فيها مؤسسة الحرمين الشريفين الصدارة من حيث عدد الأملاك التابعة لها، لأن اسمها يحتل مكانة امتيازية في نفوس ومخيلة الجزائريين، تقدم عائدات أملاكها إلى أهالي هذه المؤسسة المقيمين بالجزائر، فيما تتكفل بإرسال حصة منها إلى فقراء مكة والمدينة عند مطلع كل سنتين مع الحجاج أو عبر البحر، ومن ثمة إلى الحرمين الشريفين.
وأشارت تقارير فرنسية إلى أن أوقاف هذه المؤسسة كانت تقدر بـ1373 ملك، وذكر قنصل فرنسا (فاليار) أن كل بيوت الجزائر العاصمة وما يحيط بها من أراض تعود لأحباس مؤسسة الحرمين.

 


بينما يحتل الجامع الأعظم المرتبة الثانية من حيث عدد الأملاك التي قاربت 550 ملك وقفي آنذاك، ويتصرف فيها المفتي المالكي إلى جانب 5 مؤسسات خيرية أخرى. لكن الاستعمار الفرنسي ومنذ دخوله إلى الجزائر عمل على هدم دعائم الوقف رغم أن المادة الخامسة من معاهدة تسليم مدينة الجزائر كانت تتضمن عدم التعرض للأوقاف والحفاظ على أموالها.
نظام الأوقاف يعرقل السياسة الاستعمارية
لكن الإدارة الفرنسية عملت عكس ذلك وقامت بتصفية مؤسسات الوقف وإدخالها في نطاق التعامل التجاري والعقاري حتى يسهل على الأوروبيين امتلاكها. فقد أصدر الجنرال (كلوزيل) قرارا يتضمن فسخ أحباس مؤسسة الحرمين الشريفين وكذا انتزاع أملاك الجامع الكبير. هذه القرارات، واستنادا إلى بعض المراجع التاريخية أثارت غضب واستياء سكان مدينة الجزائر آنذاك وحاولوا الرد على استفزازات الإدارة الاستعمارية، وتواصلت القرارات من عام لآخر التي ألحقت عائدات الأملاك الوقفية بميزانية الحكومة الفرنسية، لأن الإدارة الفرنسية كانت ترى في الأوقاف واحدة من العقبات التي تحد من السياسة الاستعمارية، لأن عائدات الأملاك الوقفية كانت قادرة على تطوير المناطق التي أخضعتها قوة السلاح. بل وكانت فرنسا ترى في نظام الأوقاف أنه يتنافى والمبادئ الاقتصادية التي يقوم عليها الوجود الاستعماري، على اعتبار أن الوقف كان جهازا إداريا ووسيلة فعالة أيضا لتواصل عملية التضامن والتكافل بين الجزائريين ويطور علاقاتهم الاجتماعية، أي أن نظام الأوقاف شكل مجتمعا محليا مستقلا يتدبر شؤونه بوسائله الخاصة، ما يقود إلى فرز ثقافة حرة تعجل برفض الاستعباد والاستغلال والخضوع.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول