الغاز الصخري.. نعمة في المرادية نقمـة في عين صالح

روبورتاجات
1 مارس 2015 () - عين صالح: مبعوث “الخبر” نوار سوكو
0 قراءة
+ -

الأجواء الآخذة في التشكل بعين صالح تؤشر بأن الدولة ماضية على نحو جاد في استكشاف واستغلال الغاز الصخري باستعمال تقنية التكسير الهيدروليكي، حتى لو استدعى الأمر استعمال القوة، باعتبار أن الأصداء في منطقة غور محمود، الواقعة على بعد 25 كم 

عن مدينة عين صالح، تقول إنه سيتم الشروع في عملية تكسير هيدروليكي لبئر أخرى هذا الأسبوع، في وقت وجه المحتجون

 الرافضون للغاز الصخري نداء إلى الرئيس بوتفليقة لاتخاذ قرار تاريخي بتوقيف المشروع.

 يبدو أن نداء المحتجين مجرد صيحة في واد سحيق، بالنظر الى أن وعود كامل الوفود التي زارت عين صالح لم يصل منها أي رد إلى السكان الذين يستعينون بخبراء ومهندسين، كشفوا لهم أن عملية الحفر والتكسير استعملت فيها 2500 مادة كيماوية سامة، من بينها 22 مادة مسببة للسرطان، فضلا عن العمليات التي تسبب فيها ضخ ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض.

في غمرة هذا الوضع، يتواصل الغليان في عين صالح، لأن المحتجين يقولون “لا نملك أي شيء في عين صالح سوى الماء، ولا نريد أن تكون منطقتنا مقبرة كبيرة، في وقت لم نتخلص فيه من إرث الاشعاعات النووية في رڤان”.

عندما وصلنا إلى الساحة المسماة “ساحة الصمود”، وسط عين صالح، في حدود الساعة الخامسة مساء، وجدنا حشودا بشرية من شباب ومسنين يتوافدون على الفضاء المفتوح على الهواء الطلق، فيما كان آخرون مستلقين على الرمال بالقرب من خيم شيدت بطريقة عشوائية، وخلف هذا المشهد ركنت قرابة 20 سيارة لمواطنين قدموا من القرى المجاورة.

ساحة الصمود

بينما كنا نلتقط صورا عن المشهد العام في تلك الساحة، فاجأنا بعض المحتجين وخطفوا منا آلة التصوير وألحوا على معرفة نوع الصور التي تم التقاطها، رغم أننا قدمنا لهم وثيفة تكليف بمهمة، ولحسن الحظ تدخل عضو من اللجنة المؤطرة للاحتجاج وأعاد لنا آلة التصوير. في تلك اللحظة عرفنا أن الداخل الى عين صالح ليس كالخارج منها. وقبالة الساحة وبالضبط بالمدخل الرئيسي لدائرة عين صالح، افترشت نحو 50 امرأة الأرض، وشيدت بالقرب منهن 3 خيم ألصقت فوقها لافتات” لا للغاز الصخري” و “صامدون صامدون.. للغاز الصخري رافضون”. وعندما تسأل الناس في الشارع في ساحة الاحتجاج وفي المقهى عن سبب احتجاجهم، تجد أن مسالة الغاز الصخري باتت على درجة كبيرة من الحساسية وسط السكان ويردون عليك “إن أساس التوطن في الصحراء هو الماء، وإن احتجاجنا سببه مخاوفنا الناجمة عن تلوث المياه الجوفية، وهي أساس الحياة في المنطقة بشكل عام”، ولو أن هناك انقساما في العالم بين الخبراء بشأن قضية استغلال الغاز الصخري، فهناك الرافض لتكنولوجيا التكسير الهيدروليكي على نحو ما هو حاصل في عين صالح، في غمرة المعلومات التي تشير إلى أن سوناطراك لا تحوز بعد على التكنولوجيا المتطورة في هذا المجال، مع غياب قنوات الاتصال وضعفها من جانب السلطات الوصية، خاصة أن السكان هناك يقولون إن خطاب مسؤولي وزارة الطاقة غير مقنع وغير مطمئن، مثلما هناك أيضا المؤيد لاستعمال هذه التكنولوجيا.

أخصائي في أمراض القلب: 

المواد المستعملة في التكسير قاتلة

ومن الأسباب التي زادت في اشتعال فتيل الاحتجاجات، استعمال آلية التكسير الهيدروليكي التي اعتبرها عدد من أعضاء لجنة المجتمع المدني المكلفة بتأطير الاحتجاجات، على غرار محمد عزاوي وعبد القادر بوحفص وعبد القادر بن امحمد وعبد الجميد سليماني وعزي صالح عبد الناصر، تشكل خطرا على صحة المواطنين والبيئة.

ويشير الدكتور عزي صالح عبد الناصر، مختص في أمراض القلب بالمؤسسة العمومية الاستشفائية لعين صالح، إلى أن هناك مجهودات عبر العالم تبذل من أجل التخلي عن تقنية التكسير الهيدروليكي واتباع تقنيات أكثر أمانا على الانسان والبيئة. وقال “الخطر في التكسير الهيدروليكي يكمن في المواد المستعملة. وبالرغم من خطورة المواد المعلن عنها، تبقى كثير من المواد تخضع للسر الصناعي الذي تتحكم فيه كثير من لوبيات البترول”. وأوضح الدكتور خطورة هذه المواد الكيماوية قائلا “كل المواد المستعملة في التكسير الهيدروليكي على مستوى البئر الأولى بمنطقة غور محمود، البعيد عن المدينة بـ 25 كم، والتي تمت معاينتها على مستوى المخازن، هي مواد خطيرة يمتد أذاها من الجلد إلى كل الأجهزة الداخلية للإنسان، بالإضافة إلى مواد تسمى  perturbateursالتي بإمكانها أن تعطي مفعولا بالرغم من كميتها القليلة”. وتابع “هذه المواد معظمها تتسبب في حروق على مستوى الجلد، العينين، وحروق أخرى على مستوى الأنسجة المخاطية، بالإضافة إلى مواد أخرى مثل المعادن الثقيلة ومحفزات التفاعل الكيميائي مثل Chrom, cuadunum, plomb, arsonic، التي لها مفعول ثابت دوليا أنه مسرطن”. ويعود الدكتور عزي للتأكيد مرة أخرى أن بعض المواد التي سبق ذكرها “مسؤولة مباشرة عن تشوهات خلقية وذات تأثير مباشر على النمو الطبيعي للأجنة”. وإلى ذلك، يقول إن هناك تضاربا حول استعمال مواد مشعة، ففي سؤال وجه إلى مسؤولي شركة “توتال” الفرنسية حول استعمال هذه المواد، أجابوا بأن هناك مواد مشعة موجودة طبيعيا تحت الأرض يمكن أن تصعد بعد عملية التكسير الهيدروليكي، ولكنهم لم ينفوا قطعيا استعمال هذا النوع من المواد، وخاصة في منطقة عين صالح الغنية باليورانيوم. ويبين الذكتور وجود مواد شائعة على أساسها ثبت أن التدخين مسبب للسرطان. منها BENZEN ,TOULIEN,XYLINE,ETYHYLEN=BETX.

الملصقات.. شاهد على خطورة المواد

وكشف لنا الطبيب عن صور لملصقات فوق حاويات المواد المستعملة في التكسير الهيدروليكي، هذه المواد تتواجد بحظيرة المواد المستعملة في التكسير الهيدروليكي، وتم التأشير على هذه الملصقات بأن المواد المستعملة خطيرة. ويطرح المتحدث تساؤلات بشأن ما أعدته الحكومة الجزائرية للتعامل مع هذه الأخطار، وهي التي لا تملك وحدات لمعالجة المياه في ولايات الجنوب، كما لا تملك مخابر لتحليلها، ولم تستطع التعامل مع ضحايا التفجيرات النووية، خاصة أن هناك أرقاما خيالية بشأن التشوهات الخلقية وأمراض السرطان والعيون والتنفس وغيرها.

بينما يشير مختص في الجيولوجيا، ألح على عدم ذكر اسمه، إلى أنه “لا يمكن التحكم في طول واتجاه وسرعة وسعة التشققات المحدثة بالتكسير الهيدروليكي، واحتمال التقائها مع التصدعات الطبيعية في الصخرة الأم، يضاف إلى ذلك أن نسبة استرجاع المواد المضخة أثناء التكسير ضعيفة، فضلا عن احتمال وجود تشققات في الإسمنت المستعمل عند عملية العزل”. ونتيجة لذلك، يعترف بصعوبة معالجة المياه المستعملة في التكسير، والتي تحتوي على المواد الكيماوية المسببة للسرطان، انبعاث الغازات المضرة أثناء الحرق ومن أحواض التجميع، فضلا عن احتمال خروج المواد المشعة من الصخرة الأم، وعدم احترام معايير السلامة في أحواض التجميع التي تشكل خطرا على النشاط الرعوي والطيور في المنطقة، بينما يقول مواطنون آخرون إن الأمر يشكل خطرا من الجانب الاقتصادي، إذ يتم القضاء على الاستثمار الفلاحي في المناطق التي يستخرج منها الغاز الصخري.

كارثة ضخ ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض

ولكن أحد المتخصصين في الغاز يشتغل لدى سوناطراك بعين صالح يقول “حلقات مسلسل الغاز الصخري تعود وقائعها إلى سنة 1999 عندما قامت شركة (b.p) عين صالح غاز، ممثلة في رئيسها محمد قدام، بتنظيم لقاء مع المجتمع المدني بعين صالح، بهدف شرح وعرض المشروع الأول من نوعه في العالم من حيث تخزين ثاني أكسيد الكربون في أعماق الارض. وأكد مسؤول الشركة آنذاك للمجتمع المدني على توفر الخبرة الكافية والتكنولوجيا المتمكن منها حتى لا تحدث أي كارثة بيئية متمثلة في تسرب ثاني أكسيد الكربون للمياه”. ويذكر المتحدث أن عملية تخزين وضخ ثاني أكسيد الكربون انطلقت بعين صالح سنة 2004، لكن بعد مرور 6 سنوات، سنة 2010، حدث ما كان متخوفا منه، وهو تسرب ثاني أكسيد الكربون إلى وجهة غير معلومة تحت الارض. ويضيف “هناك عارفون للجيولوجيا والكيمياء يطرحون فرضية مفادها تسرب ثاني أكسيد الكربون وما يصاحبه من غازات ضارة (الحمض الكبريتي=H2s) للوعاء المائي، ما يؤدي إلى انخفاض في حموضة الماء (pH) بتخفيضها إلى مستوى الزئبق. ونجم عن هذه العملية، يضيف، تسجيل ارتفاع لطبقة الأرض ببضعة مليمترات، تقع بين منطقة الخشيبة وعين صالح، تم تصويرها عن طريق القمر الصناعي. ويقول “إن المشروع نفسه شرع القائمون عليه في حفر آبار من أجل ضخ المياه المستخرجة من الغاز الطبيعي الممزوجة بالمواد الكيماوية، والتي تفوق ملوحتها ماء البحر، وهو ما يشكل خطرا على الطبقة المائية في حال تسربها”.

نحو مواصلة أشغال التكسير والحفر

كان المطر ينزل بغزارة عندما زرنا منطقة غور محمود يوم الجمعة الماضي، وفي طريقنا إلى المكان، سألت عضوين من لجنة المجتمع المدني عن ردود فعل سكان عين صالح من تحويل دائرتهم إلى ولاية منتدبة، لكن عبد العزيز بوسيدي أشار علي بعدم طرح هذا السؤال في هذا الظرف بالضبط، باعتبار أن كثيرا من المحتجين يعتبرونه “استخفافا بهم”، وقال “السكان اعتبروه لا حدث، فكيف تعلن من جهة الحكومة عن سياسة تقشف؟ ومن جهة أخرى ترقي 9 دوائر إلى ولايات منتدبة؟! هذا القرار يتضمن مساومة لسكان عين صالح، لأن سبب إنشاء هذه الولايات المنتدبة بالدرجة الاولى هي دوائر برج باجي مختار وعين ڤزام وجانت، لأنها تقع على خط النار الحدودي”. وعندما وصلنا إلى منطقة غور محمود الواقعة على مستوى الطريق الوطني الرابط بين عين صالح وتمنراست، وجدنا 6 خيم قد نصبت على الجهة اليمنى للطريق و3 على الجهة اليسرى، وسميت ساحة صغيرة بالجهة اليمنى “ساحة الصمود رقم 2”، وعند باب كل خيمة ألصقت لافتة كتب عليها “لا للغاز الصخري” و “صامدون صامدون.. للغاز الصخري رافضون”.

وعلى بعد مترين من الخيم المنصوبة، وضعت متاريس خشبية وحجارة وعجلات مطاطية في منتصف الطريق غير المعبد المؤدي إلى البئر التي شهدت أشغال التكسير الهيدروليكي. وعلى بعد نحو 50 مترا من المكان يقيم قرابة 150 عنصر من القوات الخاصة، وعندما أشرنا على بعض المحتجين بعبور المسلك المؤدي إلى البئر، قالوا لنا إنكم ستتعرضون لمضايقات من قبل هذه القوات.

الرأي العام المحلي في عين صالح لم يستسغ في البداية مغزى وصول هذه التعزيزات الأمنية إلى المنطقة، ولكن بعد مرور بضعة أيام خلص إلى فرضية تقول إن وصول هذه التعزيزات الأمنية المتمثلة في القوات الخاصة التابعة للدرك الوطني، يعني أن الدولة ماضية على نحو جاد في استغلال مشروع الغاز الصخري باستعمال تقنية التكسير الهيدروليكي بالقوة، بدليل أن عضو لجنة المجتمع المدني عبد القادر بوحفص الذي اتصل بنا صبيحة أمس يقول “سيتم الشروع في عملية تكسير هيدروليكي بالقرب من البئرين الأوليين هذا الأسبوع باستعمال القوة، وستحدث كارثة”.

 “2500 مادة سامة منها 22 مسببة للسرطان”

بالخيم المنصوبة على جانبي الطريق، يقضي قرابة 20 شابا الليلة هناك بهدف منع مرور الشاحنات التي تنقل معدات التكسير الهيدروليكي إلى البئر الثانية الذي برمجت فيه أشغال الحفر والتكسير. وقال لنا بعضهم “لن نغادر المكان إلا بعد حيازتنا على وثيقة رسمية تلتزم فيها السلطات المعنية بوقف التكسير الهيدروليكي”.

وما لمسناه في آراء المحتجين بعين صالح هو أن توقيف تصعيد المسيرات والاعتصامات مرهون بإنهاء وتوقيف الحفر والتكسير الهيدروليكي، ويرى مبارك مرغيدو الذي يقدم نفسه كمستشار للجنة المجتمع المدني، أن المطلب الحالي لإنهاء الاحتجاجات هو موافقة السلطات على قبول لجنة من 5 أعضاء تقنيين برتبة مهندس وتقني سام لمتابعة نهاية أشغال الحفر والتكسير، والتأكد مما اتفق عليه. وقد التقط محتجون صورا بمنطقة غور محمود يوم الاثنين الماضي لشاحنات تابعة لشركة entp 214 وهي تنقل معداتها وعتادها اللوجيستي. وقبلها بنحو 3 أيام شوهدت شاحنات تابعة للشركة نفسها وصلت إلى المنطقة بغية تجفيف أحواض الماء والمواد الكيماوية ونقلها إلى مكان غير معلوم، وهي شاحنات مجهزة بمضخات السحب. ويقول عبد الحميد سليماني، عضو لجنة المجتمع المدني، نقلا عن إطار بسوناطراك عين صالح، “تم استعمال 2500 مادة كيماوية سامة في أشغال الحفر والتكسير الهيدروليكي، من بينها 750 مركب كيماوي، من أصل 750 مركب توجد 22 مادة كيماوية مسببة للسرطان”. ومع ذلك يرى عدد من أعضاء لجنة المجتمع المدني (عبد القادر بوحفص وعبد القادر بن امحمد وعزاوي محمد وعبد الحميد سليماني وعبد العزيز بوسيدي وعزي صالح عبد الناصر وطالب علي..) أن إشارات حسن النية على إخلاء مكان الحفر لا تكفي في ظل الصمت المطبق للسلطات، لذلك يقول طالب علي “إن مواقف السلطات هي التي تحدد مسار الاحتجاجات في المستقبل. بل وحتى كافة اللقاءات السابقة التي تمت مع ممثلي الحكومة كوزير الطاقة، موفد رئيس الجمهورية عبد الغني الهامل، نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، الوالي، لم يصلنا أي رد بشأنها، رغم الوعود التي قدموها لنا بإيجاد حل للمسألة”.

 “نلتمس من الرئيس اتخاذ قرار تاريخي”

وقد جددت لجنة المجتمع المدني المؤطرة للاحتجاج، نداءها للرئيس بوتفليقة يوم 24 فيفري المصادف لذكرى تأميم المحروقات، قصد اتخاذ قرار صريح وتاريخي بوقف مشروع استغلال الغاز الصخري عن طريق تقنية التكسير الهيدروليكي، “نلتمس من سيادتكم اتخاذ قرار صريح وتاريخي.. ونطلب من سيادتكم رسميا، كما في العديد من البلدان، تأييد طلبنا بوقف استكشاف واستغلال الغاز الصخري بتقنية التكسير الهيدروليكي”، مذكرين إياه “تخوفاتنا من تقنية التكسير الهيدروليكي الذي أكد عدم التحكم فيها العديد من الخبراء داخل الوطن وخارجه، وللأسف وجدت في موقع التكسير للبئر الأولى، AHT1-H1، اعتداءات صارخة على البيئة وعدك احترام المعايير والقوانين المتفق عليها، والمتناقضة تماما مع توصياتكم الشخصية خلال المجلس الوزاري المصغر”. ولم تتردد اللجنة في تذكير الرئيس بأنه رغم التطمينات المقدمة من مختلف البعثات والخبراء بخصوص سلامة تقنية التكسير الهيدروليكي، فإن تخوف مواطني عين صالح ليس وليد اليوم، بل هناك تجارب سابقة، وهي ضخ ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض الذي قامت به هذه الشركات الأجنبية في منطقة حاسي مومن، وضخ المياه الاصطناعية الملوثة عالية الملوحة في باطن الأرض، ولا يمكن القول إنه لا يحدث تسرب للمياه الملوثة إلى المياه العذبة، وكذا الكارثة البيئية في حوض بركاوي التي تسببت فيها هذه الشركات.

وأرفقت اللجنة لائحة التوقيف التي أودعت نسخة منها لدى رئاسة الجمهورية يوم 19 فيفري، ووقعت عليها نحو 80 جمعية محلية، بصور تضمنها قرص مضغوط، تكشف مخلفات الشركات البترولية بالمنطقة على البيئة، على غرار نفوق عشرات رؤوس الإبل والذئاب بمنطقة اهنت، وطيور مهاجرة وأخرى مثل اللقلق والغراب، بعد أن شربت من أحواض مياه ملوثة هجرتها شركات النفط.

وتنشط بعين صالح عدة مؤسسات بترولية بينها “سوناطراك”، “بريتيش بتروليوم”، “عين صالح غاز”، “هاليبرتون”، “شلومبرجي”، “ويدر فورد”، “بوناتي بتروفاك”، “توتال” الفرنسية بالإضافة إلى شركة أندونيسية. وإلى ذلك، يقر بعض الشباب المتخرج من الجامعات أن عين صالح تعد من أكبر المناطق عرضة للأمراض المزمنة كالربو، ضغط الدم، السكري وسرطان الثدي، أمراض الكلى وأمراض العيون وتشوهات خلقية، نتيجة التجارب النووية التي أجرتها السلطات الاستعمارية برڤان، خاصة أن عين صالح لا تبعد عنها إلا بـ230 كم، فضلا عن التجارب النووية التي تمت تحت الارض بمنطقة اين ايكر بتمنراست.

بينما يتساءل مسنون في “ساحة الصمود” عن خلفيات التهميش الذي يتعرض له سكان عين صالح، “لقد تم تزويد تمنراست بالمياه الصالحة للشرب على مسافة 700 كم، وإقامة محطات للتصفية والمعالجة، بينما لا يزال سكان عين صالح محرومين من هذه المحطات إلى غاية اليوم، رغم أن درجة ملوحة الماء مرتفعة جدا، والأمر نفسه بالنسبة للغاز الذي يصدر إلى دول أخرى من غير أن تلتفت الدولة إلى تنمية المنطقة، بدليل أن مستشفى المدينة بقي مشلولا نتيجة غياب الوسائل المادية والكفاءات البشرية، لدرجة أن المواطنين مازالوا إلى غاية اليوم يتطفلون على مستشفى أدرار”.

عين صالح.. تحت حصار غير معلن

الوضع في عين صالح على العموم أشبه ما يكون بحصار غير معلن، باعتبار أن المدينة تعيش شللا تاما، لأن المحلات التجارية ملزمة بغلق أبوابها على الساعة الخامسة مساء كل يوم، وهذا مند 56 يوما.

التجار ممن قدموا من ولايات الشمال وأجّروا محلات بالمدينة، وجدوا أنفسهم رهائن، هل يعودون إلى ولاياتهم الأصلية؟ أم يبقون هناك ويتعايشون مع الوضع إلى غاية انفراجه؟ ولو أن مؤشرات المستقبل بعين صالح تقول إن انفراج الوضع ليس غدا ولا بعده، بالنظر لحالة المد والجزر المتواصلة بين السلطات والسكان المحتجين الرافضين لاستغلال الغاز الصخري.ففيما تواصل السلطة العمل بمنطق الصمت إلى حين، تزداد من يوم لآخر حدة غضب المحتجين، ما قاد عددا من أعضاء اللجنة القائمة بالتأطير إلى البحث عن حشد الدعم لحركتها بتكثيف أعمال التعبئة الشعبية. فقد لاحظت “الخبر”، خلال تواجدها بمدينة عين صالح، قيام عدد من أعضاء اللجنة بعملية تمشيط لشوارع وأحياء المدينة، مستعملين مكبرات الصوت لدعوة المواطنين، رجالا ونساء، إلى الالتحاق بـ “ساحة الصمود”، محذرين جموع التجار من مغبة فتح أبواب محلاتهم قبل الخامسة مساء.

بل وتتلقى الحشود من النساء والرجال والشباب يوميا خطبا حماسية ملتهبة بساحة الصمود من قبل أعضاء لجنة المجتمع المدني، لحثهم على الصمود وعدم التخلي عن قضية رفض استغلال الغاز الصخري. ووقفت “الخبر” يوم الأحد 22 فبراير عند منتصف النهار على واحدة من المشاهد الاستعراضية التي كان المدخل الرئيسي لمصلحة “موبيليس” مسرحا لها، بعد أن أقدم عدد من المحتجين على إضرام النار في عجلات مطاطية تهديدا بحرق المصلحة برمتها، بعد أن تجرأ مديرها رفقة الموظفين على فتح أبوابها للزبائن، ما اعتبروه تحديا لهم، وهم الذين دعوا إلى غلق كافة المؤسسات على أمل إعطاء قوة لاحتجاجهم. وفي حدود الساعة العاشرة صباحا من كل يوم، يلتقي في ساحة الصمود نحو 200 إلى 300 شخص، من رجال وشباب ونساء وحتى مسنين، لسماع ما طرأ من مستجدات بشأن الغاز الصخري، ثم يتحول الموكب في أغلب الأحيان إلى مسيرات تجوب الشوارع الرئيسية، تتعالى خلالها الهتافات المرددة لمختلف الشعارات “لا لاستغلال الغاز الصخري”، “لا للتكسير الهيدروليكي”، “صامدون صامدون.. للغاز الصخري رافضون”، “يوجد البديل لماذا الغاز الصخري”، “الطف بنا يا رحمن يا رحيم”. بل وصل الأمر إلى حد مطالبة المحتجين بإحضار أكفانهم إلى مسيرة 24 فيفري الماضي، تعبيرا عن موتهم المبرمج إذا ما تمادت السلطات العمومية في مشروع استغلال الغاز الصخري.

هدوء حذر

بهذا الحماس يعود الموكب إلى ساحة الصمود، ويعود كل واحد إلى بيته، ليلتقي الجمع مجددا في حدود الساعة الخامسة مساء، وتتحول الساحة إلى رمز يجمع كافة أبناء عين صالح، إذ جرت العادة أن يلتقي أئمة مساجد المنطقة وحفظة القرآن فيها لترتيل القرآن، ويختتم اللقاء بالتضرع إلى الله قصد إيجاد مخرج لما يسمونه مصيبة استغلال الغاز الصخري. وفي غمرة هذه الأجواء، واصلت عناصر الشرطة مراقبة الوضع عن قرب، وهي التي تكون خلصت إلى اتباع طريقة مرنة في التعامل مع المحتجين، خاصة أن بعض العناصر يقولون إن أهل المنطقة مسالمين، فمنذ قرابة الشهرين لم تسجل أي انزلاقات أو أعمال شغب، وربما يعود ذلك إلى التنسيق الموجود بين لجنة المجتمع المدني لتأطير المحتجين وعناصر الشرطة. ومع ذلك، فإن الزائر لمدينة عين صالح يلحظ حالة حذر ماثلة في سيارات وعربات عناصر مكافحة الشغب المتموقعة قرب كل مؤسسة عمومية، كمصلحة الخطوط الجوية الجزائرية، وبنك الفلاحة والتنمية الريفية والتأمينات الاجتماعية، ومصلحة موبيليس، والدائرة والبلدية والبريد والمواصلات، وعدد من المؤسسات التربوية.

وعندما تفترق المسيرات والاعتصامات بعين صالح، يعود الناس إلى بيوتهم، ينامون.. يحلمون بالعيد.. عيد التخلص من “مصيبة الغاز الصخري”، لكن أي هدية تقدمها السلطات العمومية في عيد سكان المنطقة، وهي التي تقول أيضا إنها تحوز على أدلة تثبت أنه لا خطر في استغلال الغاز الصخري.

أما السكان فيقولون إنهم يحظون بمساندة 3 مديرين سابقين لشركة سوناطراك، ونحو 7 خبراء في المحروقات والبيئة والكيمياء، إضافة إلى مثقفين ومنظمات غير حكومية.      

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول