أكثر من 900 مليار لـ"مرقد عشوائي"!

روبورتاجات
2 أكتوبر 2015 () - قسنطينة: وردة نوري
0 قراءة
+ -

 تحولت المدينة الجديدة “علي منجلي” في قسنطينة إلى أكبر تجمع سكاني بعاصمة شرق البلاد، وقد شهدت توسعا متسارعا خلال الخمس سنوات الأخيرة، وأصبحت تضاهي تركيبتها البشرية ومساحتها الجغرافية إقليم ولاية، إلا أنها تعرف الكثير من المشاكل التي لم تتمكن الوزارات ولا الولاة المتعاقبون على الولاية من احتوائها، خاصة أن المدينة وُصفت من قِبل الوزير الأول، عبد المالك سلال، ووزراء السكن بـ«الخطأ”، ووضعت الكثير من المخططات الاستعجالية لتصحيح “الخطأ”، إلا أنه لا يزال يصنع الكارثة كلما ظهرت فضيحة من فضائح عاصمة الشرق.

 كانت “علي منجلي” مع بداية إعمارها عبارة عن عمارات مبنية بطريقة عشوائية تم إنجازها بطريقة سريعة لسد طلبات السكن التي كانت تعدّ بعشرات الآلاف سنوات الثمانينيات، بسبب الانفجار السكاني الذي لم تتمكن السلطات من احتوائه ببلدية قسنطينة، خاصة بالمدينة القديمة حيث توجد منازل وبنايات مهددة بالانزلاق والانهيار تعود إلى قرون توارثنها العديد من العائلات، وتم التفكير والتخطيط للخروج بمدن جديدة حددت بـ«ماسينيسا” و«علي منجلي”، ووضع غلاف مالي لتجمعات صغيرة، قبل أن تتسارع وتيرة إنجازها وتوسعها لتصبح على ما هي عليه الآن. كما اختارت بعض الهيئات العمومية، على غرار صندوق التوفير والاحتياط وبعض المشرفين على برامج الصيغ الأخرى للسكن المنطقة، التي كانت عذراء آنذاك، لتنفيذ المشاريع وهذا دون التفكير في مستقبلها، لتجد نفسها، وبعد مرور سنوات، أمام مدينة وعدد هائل من السكان صعب تسييرهما، أضيفت إليها برامج أخرى جديدة، حيث بلغت الوحدات السكنية التي استفادت منها 142 ألف سكن ضمن المخططين الخماسيين من سنة 2005 إلى غاية 2014.

مدينة جديدة دون هوية وتنظيم إداري
كان من المنتظر أن تعلن المدينة الجديدة “علي منجلي” بلدية رقم 13 مع بداية سنة 2014 على مستوى ولاية قسنطينة، وحوّل أمر تسييرها إلى ديوان ولاية قسنطينة، بعد وضع المخطط الاستعجالي للنهوض بها من قِبل الحكومة، إلا أن ذلك ظل مجرد قرار لم يتم تطبيقه لحد الساعة، لتبقى المدينة دون تنظيم إداري منذ 15 سنة من إنجازها، ولا تزال هذه المدينة تابعة لبلدية الخروب ثاني أكبر بلديات قسنطينة، وتمثّل عبئا ثقيلا عليها عجزت عن تسييرها لقلة إمكانياتها المادية والبشرية.

أغلفة مالية ضخمة فشلت في إصلاح مدينة عشوائية
شكلت المدينة الجديدة “علي منجلي” موضوع لقاء حكومي من أجل تخصيص ميزانية خاصة لتغيير شكلها وإحيائها من جديد، إلا أن حصول الولاية على أكثر من 900 مليار في جميع المشاريع القطاعية لم يغير منها شيئا وأثبت فشل استيراتيجية المسؤولين المتعاقبين في تسيير المدينة، حيث كان للوزير الأول زيارة لقسنطينة منذ سنتين ووضع ميزانية بـ14 مليار دينار من أجل تأهيل وتجهيز المدينة الجديدة في شطرها الأول، كما خصص مبلغ بـ26 مليار دينار كشطر ثان للعملية، وتم اقتراح منطقة للنشاط الاقتصادي لضعف المنطقة في هذا المجال لم تجسد لحد الساعة، إلا أن المدينة لا تزال بعشوائيتها وبنسيج عمراني غير متناسق. وقد وصفت في العديد من المرات بالمدينة “الخطأ” أو “النسيج العمراني الفوضوي” مع التحذير من تكرار سيناريو هذه الأخيرة في باقي الولايات الوطنية.

ترحيل غير مدروس يشعل حرب العصابات
تعد المدينة الجديدة “علي منجلي” من المناطق التي تنتشر فيها أنواع الجريمة، وقد شهدت أخطر الجرائم على غرار اختطاف الطفلين هارون وإبراهيم اللذين تعرضا للاغتصاب والقتل، إلى جانب المتاجرة واستهلاك المؤثرات والمهلوسات والاعتداءات على الأشخاص والممتلكات.

كما عرفت بعض الوحدات الجوارية “حرب عصابات” ظلت مشتعلة لعدة شهور بين شباب الأحياء المرحّلة، خاصة منها الشعبية والتي كان أصحابها يقطنون البيوت القصديرية وأعيد إسكانهم في حي واحد، وقد كانت تحدث من أجل “زعامة” الحي، وأحيانا لأسباب تافهة تؤدي إلى حرب مستمرة تدوم لأيام، تستعمل فيها مختلف الأسلحة البيضاء و«المولوتوف”، على غرار ما وقع بالوحدة الجوارية 14 ما أحدث هلعا بين ساكنيها أدى إلى هجرها، واستلزم الأمر نشر قوات حفظ النظام ومكافحة الشغب للتحكم في استقرار المنطقة، وتدخل المسؤول الأول عن الولاية إلى جانب أئمة المساجد، مع اللجوء إلى العمل الجواري بين أفراد المجتمع المدني ورجال الأمن لفك النزاع.

 وقد تسببت هذه الأحداث في جرح الكثيرين، حيث تم تسجيل العديد من التوقيفات والمداهمات وإحالة العشرات من المتورطين على العدالة، كما تشتعل الحرب نفسها من وقت لآخر في بعض الوحدات، الأمر الذي تطلب وضع مخطط أمني جديد خاص بالمنطقة بتخصيص مقرات أمنية حضرية قدر عددها بـ12 مقرا إلى جانب مقر جهوي للشرطة القضائية، كما وجدت السلطات نفسها أمام حرب مع “المستوطنين” الجدد الذين خلقوا أكشاك فوضوية داخل الوحدات، وتم تنظيم حملة للقضاء عليها مؤخرا.

مدخل وحيد لمدينة بـ300 ألف نسمة ولآلاف المركبات
بلغ التعداد السكاني للمدينة الجديدة في غضون 15 سنة 300 ألف نسمة، والنسبة لا تزال في تصاعد مستمر، ويتوقع أن يصل العدد إلى 400 ألف نسمة خلال السنوات القادمة، حيث تعرف دخول وخروج آلاف المركبات يوميا ويقدر عدد الحافلات والسيارات العاملة هناك بأزيد من 300 حافلة تشغل مختلف الخطوط إلى جانب القاطنين بالمنطقة والعاملين بها، حيث تتواجد بها منشآت هامة، على غرار المستشفى العسكري وفنادق يتم استغلالها حاليا والعديد من المراكز التجارية المصنفة الأولى على مستوى الولاية، إلى جانب المدينة الجامعية التي تضم 45 ألف طالب و15 كلية وجامعة قسنطينة3 وكلفت 40 مليار دينار، ويدخل المدينة يوميا ما يزيد عن 100 ألف سيارة، إلا أنه ورغم النداءات لا تزال المنطقة تعرف مدخلا وحيدا إليها، وإن تم خلق منعرج في الطريق السيار شرق غرب إلا أن الوضع على حاله ويخلق أزمة نقل حادة عند الدخول أو الخروج من المدينة وهذا في غياب إشارات المرور المختلفة.

“مدينة مرقد” تضم ثلثي سكان بلدية قسنطينة
رغم ما تتضمنه هذه “علي منجلي” من عدد هائل للسكان، ووجود العديد من المنشآت التجارية والمراكز الفندقية والجامعية، فإن مدينة بهذا الحجم تفتقر للعديد من الفضاءات الثقافية ودور الشباب التي يحتاجها الشباب والأطفال وحتى العائلات، وهو ما جعلهم في غياب دائم عنها في رحلة البحث عن أماكن أخرى لقضاء وقت ترفيهي. ولا تزال معظم العائلات المرحّلة، والتي تعادل ثلثي سكان المدينة القديمة، تقصد الفضاءات الموجودة بهذه الأخيرة، التي تعودوا عليها وألفوها، كما أن أغلب 90 بالمائة من المحلات والطاولات الفوضوية التي يشتغل فيها الشباب موجودة في أحياء بلدية قسنطينة، وهو ما جعل هذه مدينة “علي منجلي” مجرد مرقد لأهلها، وهذا كله دون الحديث عن المؤسسات الترفيهية والأسواق والمحلات التجارية التي عوضتها شاحنتان تقومان ببيع المواد العامة والاستهلاكية وسد العجز! كما نجد أن القضية تتكرر الآن بالوحدة الجوارية 20 التي يتم إنجازها حاليا، فيما تستمر إعادة إسكان سكان العديد من الأحياء على غرار القماص وفج الريح وباردو وغيرها، وينتظر أن يصل عدد الوحدات الجوارية إلى 22 وحدة.

كما أقصي هذا التجمع السكاني من الاستفادة من برنامج تظاهرة “قسنطينة عاصمة الثقافة العربية” كون البرنامج الموجه في هذا الإطار لم يخصها بأي مشروع، ما عدا مشروع دار الثقافة التي ذكر مدير الثقافة جمال فوغالي أن نسبة إنجازها تقارب الـ70 بالمائة، إلى جانب مشروعين جديدين استفادت منهما المنطقة، ويتعلق الأمر بمتحف للباس التقليدي ومكتبة للمطالعة.
 
ترحيل “فوضوي” أخلط الخريطة التربوية
يبدو أن وزارة السكن والسلطات الولائية لم تحفظ الدرس مما وقع في هذه المدينة، وتواصل إنجاز تجمعات سكانية أخرى ستكون، مع المدى المتوسط لصيقة ببلدية عين اسمارة، دون وضع دراسة استشرافية مسبقة للهياكل والمؤسسات التي يحتاجها السكان، وهو ما يحدث الآن بالوحدة الجوارية 16، التي تضم 3 آلاف سكن تم إنجازها من قِبل ديوان الترقية والتسيير العقاري واستفاد منها سكان الأحياء المهددة بالانزلاق والسكنات الهشة من المدينة القديمة الذين رحلوا إليها بعد احتجاجات عارمة. وقد سلم المشروع، الذي انطلقت عملية إنجازه سنة 2012، أواخر شهر ديسمبر الماضي، ولم تفكر الجهات المعنية طوال تلك المدة في وضع مؤسسات تعليمية، حيث وجد التلاميذ أنفسهم موزعين على وحدات جوارية أخرى واصطدموا بمشكل الاكتظاظ الذي لا تزال تعاني منه المدينة الجديدة، وتعدى تواجد التلاميذ في القسم الواحد 60 تلميذا، وكل ذلك أضاف أعباء مالية أخرى على مديرية التربية من أجل توفير حافلات لنقل المتمدرسين، في انتظار المشاريع التي يتم بناؤها حاليا.

 ورغم توفر المنطقة على العديد من المؤسسات إلا أنها لا تزال تحتاج إلى الكثير منها بفعل الترحيل المستمر، الذي تسبب في خلط الخريطة التربوية وجعل مناطق مكتظة وأخرى فارغة، الأمر الذي يتطلب إعادة وضع خريطة لكل مؤسسة مع تحديد المناطق الجغرافية للقضاء على اللاتوازن الذي يحتاج إلى انفراج بتحديد القطاع الجغرافي والمشاريع السكنية التي تواكب مخطط توزيع المؤسسات التربوية، خاصة في الطور الابتدائي.

فيضانات تكشف المستور وتحرّك الداخلية
أدت الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت المنطقة إلى نزول وزير الداخلية إلى قسنطينة لدراسة ما وقع وتحديد الجهات المتسببة في الكارثة التي أدت إلى وفاة 4 أشخاص بـ«علي منجلي”، وهذا بعد أن وقع جدل بين مسؤولي الولاية وتبادل التهم حول الأسباب، رغم توفر الولاية على الإمكانيات ووجود إعانات ضخمة في هذا المجال حسب ما صرح به وزير الداخلية، حيث زاد من تفاقم الوضع، حسب ما كشفت عنه الولاية، التدخل المتأخر لبعض المصالح وغيابها في الميدان، يضاف إليها نقص النظافة وانسداد البالوعات والمجاري المائية، وهو ما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه بدرجة كبيرة وتضرر العديد من المساكن والطرقات وحتى المنشآت الثقافية والتربوية. فيما اعتبر مسؤولو بلدية الخروب فوضى العمران بالمدينة الجديدة وغياب ممررات في هذه الأحياء هو ما منع مرور المياه نحو البالوعات. وقد أظهرت الفياضانات نقاط ضعف، من خلال القنوات التي تلقي بمياهها في الطرقات إلى جانب حالة الطرقات التي تحولت إلى كارثية في مدة ساعة، وهو ما يدل على أن عملية إنجازها تمت بطريقة مغشوشة.

وقد طالب وزير الداخلية بإعداد تقرير عن الحادثة وتطبيق أقصى العقوبات ضد المسؤولين عنها، كاشفا عن قرار رئيس الجمهورية بإعداد تنظيم خاص للمدينة الجديدة، يكون لها مديرون تنفيذيون من جميع القطاعات مكلفون بها، حيث وضع فوج عمل لإعداد مقترحات وعرضها على الحكومة.  

رئيس بلدية الخروب البروفيسور عبد الحميد أبركان
“علي منجلي” مدينة عملاقة تحتاج إلى تخطيط وآليات تنفيذ

 كشف رئيس بلدية الخروب، عبد الحميد أبركان، لـ«الخبر”، أن مدينة “علي منجلي”، التابعة إقليميا لبلدية الخروب وجزء صغير منها لبلدية عين اسمارة، لا تملك ميزانية خاصة بها. وفيما يتعلق بشق النظافة وميزانية المدارس الابتدائية والحدائق العمومية فهي تقتطع من ميزانية بلدية الخروب، مضيفا أن ذلك لا يعني وجود عجز مالي باعتبار أن أغلب المشاريع قطاعية وتتكفل بها الجهات المعنية.

ووصف المتحدث المدينة بـ«العملاقة” وتحتاج إلى تخطيط مسبق وتطبيق لما يجب فعله، خاصة أن عدد سكانها سيرتفع خلال السنوات القادمة إلى حوالي ربع مليون نسمة، وهو ما يستلزم سنّ قانون وتنظيم خاص بها هو قيد التأسيس وخلق مؤسسة للمساعدة في تسيير المدن الجديدة، على غرار “علي منجلي” و«عين نحاس”، مع تصحيح بعض المراكز التي تحتاج إلى مرافق كبرى. 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول