"بحـر الطوفـان"ولغز البحارة الخمسة ببوهارون

روبورتاجات
13 نوفمبر 2015 () - تيبازة: أحمد حمداني
0 قراءة
+ -

يقف سكان مدينة بوهارون اليوم بحرقة ومرارة عند الذكرى الأولى لفراق فتيانهم الخمسة، وهم بحارة شبان ركبوا الأمواج في أعالي البحار، مثقلين بشباكهم ومتطلعين إلى صيد وفير، غير مدركين بأن رحلتهم تلك ستهوي بهم إلى المجهول، تاركين وراءهم ألغازا تتلاطمها الأمواج وترويها الألسن. هي قصة تراجيدية قلبت مواجع السكان لأشهر، وجعلت الآمال تتلاشى، ليسود الغموض تفاصيل خفية قد تكشف عنها الأيام الباقية. فقد شاءت الأقدار أن تتكرر مشاهد قصيدة “بحر الطوفان” للشيخ الراحل محمد الباجي الذي وقف ذات خريف من عام 1980 على ضفاف الشاطئ الغربي للمنطقة ذاتها، ليبكي صديقه الصياد الذي ابتلعته نفس الأمواج التي أخفت البحارة الخمسة.

 كانت الأجواء مشمسة تعلوها سحب متقطعة ممزوجة بنسمات برد منعشة على ضفاف ساحل بحري هادئ، حينما التقى الأصدقاء الخمسة: فرقاق محمد، هني منصور فيصل، بلقاسم معمر، بوغانم محمد ودحمون أحمد، كعادتهم للحديث عن استعداداتهم للإبحار، ليسرع الجميع إلى منازلهم المتناثرة في عمق الأحياء الشعبية الفقيرة، بحثا عن لُقيمات يسدون بها رمقهم وملابس يحمون بها أجسادهم، ثم انطلقوا نحو مدينة تيبازة ضاحكين مازحين، قاصدين سفينتهم “الشهيد محمد عدة” ذات 10 أمتار، وكانت راسية في حوض الميناء تنتظرهم، وبجانبها كومة من الشباك مصفوفة فوق الرصيف، متلهفة لمحاصرة أسماك “الإسبادون” السابحة في البحر، حيث كانت ساعة من الزمن كافية لترتيب القبطان المستلزمات لإطلاق الرحلة نحو المجهول في حدود الساعة الثانية زوالا.

يروي السيد “ب. عبد القادر”، أحد أصدقاء البحارة، أن الصيادين الخمسة أبحروا محملين بشباك مصممة للصيد في أعالي البحار، ولأنهم شباب في مقتبل العمر ومتلهفون لتسوية أوضاعهم الاجتماعية المزرية، فقد حاولوا استباق الأحوال الجوية وتحدي ظروفهم المعيشية، فحملوا معهم شبكتين لا يقل طول الواحدة منهما عن 3 أمتار، وركبوا البحر بشبكة طولها 6 أمتار، ليستطرد “كانت تلك الشبكة محور السيناريوهات والفرضيات حول اختفاء أبنائنا.. لأن الشبكة حينما تبتل بالمياه يتضاعف وزنها وتعرقل حركة الملاحة لقارب من هذا الصنف”.

يصف محدثنا الشبكة بأنها مصنوعة من أقوى أنواع الخيوط، حيث تطرح على مسافات طويلة جدا بالقرب من المياه الإقليمية الدولية، حيث تعيش وتتكاثر الأسماك الزرقاء الكبيرة، خصوصا سمك “أبو سيف” أو “الإسبادون”، ويصنف هذا العمل بالصيد في أعالي البحار التي يستغرق البحارة للوصول إليها حالي 6 ساعات، وهناك يلقون بشباكهم لتطفو فوق مياه البحر وتسير وفقا للتيارات البحرية، لتلتقط في طريقها الأسماك الكبيرة، ولا يتم سحب الشبكة إلا بعد ساعات من طرحها في الماء، لتبدأ بعدها مشقة إعادة السحب في حدود منتصف الليل، ثم تكون رحلة العودة عند الفجر، ليصل ممتهنو هذا الصيد إلى الموانئ في حدود منتصف النهار أي بعد قضاء قرابة 24 ساعة في رحلة الصيد”. وتحدث جيلالي لكحل، وهو رئيس غرفة الصيد البحري لولاية تيبازة ومختص في الصيد التقليدي لهذا النوع من السمك، بأن المجموعة أبحرت بشكل عادي، وعرفنا بأن قائد السفينة زودها بكمية محدودة جدا من الوقود، ملمحا إلى استبعاد فرضية الهجرة غير الشرعية، حيث ركز على أن الوقود كان يكفي لعملية إبحار واحدة فقط، وأكد بأن الشباب كانوا قد أمضوا رحلة عادية لم تكتمل، رغم أن صاحب السفينة تمكن من إجراء آخر اتصال بهم صبيحة اليوم الموالي حينما أكدوا له أن الأمور على أحسن حال، وكانوا في قمة السعادة بصيدهم الوفير، لكن تلك الفرحة انقلبت بعد دقائق فقط من قطع الاتصال.

 “ملي خرج فالصبحية ما رجعش لعشية”
كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا حينما وقف بعض البحارة على الرصيف ينتظرون أصدقاءهم، فيما كان تجار السمك يتلهفون للظفر بما جادت به الأرزاق، علما أن جميع القوارب حلت تباعا وذلك من الساعة العاشرة صباحا إلى غاية منتصف النهار، دون تسجيل أي تأخر، باستثناء قارب “الشهيد محمد عدة” الذي حير الجميع، ليسارع صاحب السفينة إلى إجراء اتصال بالقبطان “معمر”، لكن المكالمة لم تمر، ليعاد الاتصال بأرقام الصيادين الأربعة الآخرين، لكن دون جدوى، ليحل بعدها الزوال والمساء وتبدأ التراجيديا تصنع الحدث في سواحل المنطقة ككل.

لم تغب شمس ذلك اليوم حتى سادت المنطقة حالة من الاستنفار في أوساط أهالي بلدية بوهارون، خصوصا أن مصالح الأرصاد الجوية كانت قد أذاعت نشرات تحذر فيها من هبوب رياح شمالية شرقية في غضون 24 ساعة، وهو ما دفع بالمحطة البحرية لحرس السواحل إلى إطلاق عمليات بحث محلية، بينما أجريت اتصالات بعشرات القوارب والسفن الجرّارة المبحرة بالأقاليم الشمالية الغربية، دون فائدة.

في اليوم الموالي..
تزايدت المخاوف في أوساط أهالي البحارة وزملائهم حول سلامة البحارة المختفين، خصوصا مع هبوب رياح شرقية شمالية فاقت سرعتها 40 كلم في الساعة على نطاق واسع من المياه الإقليمية الوسطى والشرقية، وهو ما دفع جميع الفرق البحرية إلى إطلاق عمليات بحث واسعة بواسطة الزوارق الكبيرة ونصف الصلبة، وبالاستعانة بالمروحيات، فيما يتأهب بحارة آخرون للخروج إلى مناطق الصيد الوطنية للبحث عن الباخرة المفقودة.

بوهارون بين الذهول والأمل
حالة الذهول التي طغت على جموع الصيادين دفعت القائمين على الشؤون المحلية إلى تشكيل خلية أزمة احتضنها مقر بلدية بوهارون، برئاسة رئيس البلدية إسماعيل مكرطار وبمعية القيادة المحلية لحرس السواحل وكافة السلطات المدنية والنظامية، وكان هؤلاء يتابعون تطورات القضية، فيما كانت العائلات تحترق على أبواب النوافذ والأسطح انتظارا لأية أخبار تطفئ نيران الفقدان.

مآذن المساجد ومكبرات الصوت لتجنيد أرباب السفن
اتفقت السلطات المجتمعة بمعية ممثلين عن عائلات المفقودين على إطلاق حملة بحرية ضخمة، وتقرر حينها تجنيد القوارب العسكرية نصف الصلبة و3 مروحيات مختصة في البحث والإنقاذ، إضافة إلى جميع السفن التي تقع تحت تصرف المركز الوطني لعمليات البحث والإنقاذ التابع لحرس السواحل، فيما انخرط الأئمة عبر كامل مساجد المنطقة في تحسيس ملاك السفن بضرورة الانضمام للحملة، وكانت تلك النداءات كافية لتنظيم هبة جماعية غير مسبوقة.
وقامت عمليات البحث على فرضية القارب المفقود وليس الغارق، واستبعدت تماما سيناريوهات مأساوية نظرا لغياب أية قرائن أو أدلة تكشف عن تطورات أخرى غير مرغوب فيها.

الفرار من المراقد للبحث عن البحارة
كان ميناء الصيد ببوهارون صبيحة اليوم الثاني من الفقدان شبيها بخلية نحل، بعدما استجاب العشرات من أصحاب بواخر الصيد لنداء خلية الأزمة التي استنجدت بهم لمباشرة المرحلة الثانية من عمليات البحث، حيث انطلقت أكثر من 55 سفينة إلى أعالي البحار تحت إشراف محطة حرس السواحل ببوهارون وبإشراف المركز الوطني لعمليات البحث والإنقاذ التابع للقوات البحرية.

لم يبرح أولياء البحارة رصيف الميناء، ولسان حالهم كلمات قصيدة الراحل الباجي:
مثلت روحي للحمَام، مبني على صهر نارو..
من برا مابان دخانو، ومن داخل طابو حجارو..
واصطفت عائلات المفقودين رفقة السلطات المختصة، وحرضت على تأطير 55 باخرة راسية بالميناء المحلي وموانئ أخرى كشرشال وخميستي وتيبازة، إذ التقى قادة البواخر المتطوعون عند نقطة الانطلاق، وتلقوا توجيهات تتعلق بالمناطق التي ستشملها عمليات البحث، واستغلال أية معلومات أو أغراض تكون على سطح البحر من شأنها إفادة محققي البحرية الوطنية بخصوص القارب المفقود.

رسمت فوق رصيف الميناء أجواء تضامنية غير مسبوقة، فيما سارع الصيادون بمختلف أعمارهم إلى ركوب القوارب دون أي تردد، وهم غير قادرين على التحكم في مشاعرهم ودموعهم. وأمام تلك الأجواء، حرص مؤطرو الحملة على ربط وسائل التنسيق بين رؤساء السفن والبواخر الحربية الكبيرة التي سخرتها القوات البحرية لمرافقة المتطوعين، وذلك تحت المتابعة المستمرة للمركز الوطني لعمليات البحث والإنقاذ الذي ساهم من جهته في إطلاق طلعات جوية لطائرات مروحية مخصصة لعمليات الإنقاذ في السواحل وأعالي البحار، لكن هؤلاء جميعا عادوا مساء خائبين متحسرين.
بمرور الأيام، تلاشت الآمال وانقطعت الأخبار، وأضحى الجميع يتلقف أخبارا من هنا وهناك، فالأهالي أضحوا متلهفين لالتقاط أبنائهم، وأضحوا يطاردون أخبار الجثث التي تلفظها مياه البحر بين شرق السواحل وغربها، دون أن تكون لأحد من أبنائهم، حتى الشباك والأغراض التي جرفتها التيارات نحو سواحل المنطقة لم تكن لها علاقة بالمبحوث عنها، حينئذ بدأت تحليلات قدماء الصيادين تتوجه على سيناريو تراجيدي، يقوم على احتمال غرق الباخرة فور إقلاعها في رحلة العودة، إذ قال أحد البحارة إن الشباك التي حملوها معهم تضاعف وزنها بعد عملية الصيد وتسببت في انخفاض مسافة الارتفاع عن سطح المياه، ويحتمل أن تكون سببا في غرق الباخرة من الجهة الخلفية، علما أن تشغيل المحرك والدفع به نحو الأمام يجعل القارب يهوي نحو القاع في ثوان معدودات، غير أن آخرين قالوا إن اختفاء القارب يظل لغزا من ألغاز “بحر الطوفان”.
لم يتردد أحد من أقارب الضحايا في مناشدة الجهات المحلية الالتفات إلى الأوضاع المزرية لعائلات البحارة، فيما نقلت صورة مؤلمة يعبر عنها آخر مقطع من قصيدة الشيخ الباجي:
لوكان مات بين يديا، ندفنو ونبرا من الكية..
نزور قبرو صبحة وعشية.. تزول عني لحزان..
يا بحر الطوفان..

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول