بلديات الجلفة صورة لفشل تعديل قانون البلديات

روبورتاجات
20 نوفمبر 2015 () - الجلفة: طلال ضيف
0 قراءة
+ -

 “لعنة عمرها 5 سنوات”.. هذه الجملة تكاد تكون الصورة المطابقة للأصل للعديد من بلديات ولاية لجلفة، والترجمة الدقيقة لمعاناة ما يقارب نصف سكان الولاية التي تجاوز تعداد سكانها مليون و260 ألف نسمة. معاناة بدأت منذ بداية العهدة في 2012 حين جرت الانتخابات المحلية وأسفرت عن قوائم وصفها مواطنوها اليوم بـ “الفاشلة” التي لم تزدهم إلا غبنا وأدخلتهم دائرة الإحباط، وضيعت عليهم خطوات للوصول إلى الحياة الكريمة، فبعد ما يقارب 3 سنوات من بداية العهدة، لا زال مواطنو مسعد وحاسي بحبح وقطارة وسد رحال، مثلا، يدفعون فاتورة مجالس هشة غير متجانسة دخلت “حلبة الصراع”.


 وسط هذا المناخ، توقفت الكثير من المصالح العامة، وتحوّل “ريع البلديات” إلى أداة في يد البعض يستعمله من أجل ترجيح كفة على أخرى، ويتحوّل واقع بعض البلديات إلى خطر يهدد الأمن العام.

ولاية مسعد.. حلم نسفته سلبية المجلس البلدي
 تراجع العشرات ممن التقت بهم “الخبر” في بلدية مسعد عن مطلبهم الذي رفعوه، حينما كانت السلطات العليا تناقش ملف التقسيم الإداري الجديد وترقية الدوائر إلى ولايات، عندما اعتبروا بلديتهم تمتلك المواصفات لأن تكون ولاية بالنظر لموقعها وشساعتها، مؤكدين أنهم كانوا يأملون في هذا المجلس البلدي أن يهيئ لهم ظروف الدفاع عن هذا المطلب الشعبي بتحسين الحياة الحضرية وتجسيد بعض المشاريع، كتهيئة الشوارع الرئيسية وتوفير الماء الشروب للسكان الذين “ملّوا” من الاحتجاجات والخروج إلى الشارع بسبب انعدام هذه المادة الحيوية التي لم يحرك لها المجلس ساكنا.

وأكد عدد من سكان أحياء مسعد لـ “الخبر” أن الأمور وصلت حدودا لا تطاق بسبب الصراع القائم بين منتخبي المجلس الذي بدأ منذ بداية العهدة، وأن كل محاولات الصلح انتهت بأزمات بعد كل أول جلسة عمل، متأسفين على أن كل المنتخبين من أبناء البلدية ويقطنون بأحيائها، إلا أنهم لم يصلوا إلى نقطة اتفاق من أجل خدمة أهلهم وذويهم، ورفع غبن غياب التهيئة عنهم، وانعدام الإنارة العمومية، وانتشار القمامة، فقد جمدت الكثير من المشاريع وحرم الكثير من الفئات من حقوقهم، ووصل الأمر إلى عدم الإمضاء على مداولات تخص أجور العمال، وعدم تحصيل النوادي الرياضية والشبانية لحصتهم من الميزانية المقدرة بـ3%بالمئة مدة 3 سنوات. وأقصى ما قامت به السلطات الولائية إعطاء المجلس في كل مرة مهلة للتفاهم، إلا أن الأمور لا زالت معقدة ومستقرة على صورة واحدة، وهي الانسداد وتجميد مشاريع مهمة كانت موجهة للمواطنين.

حاسي بحبح.. الصراع يجرّ المجلس إلى العدالة
 طالبت جمعيات ومواطنون ببلدية حاسي بحبح في أكثر من مرة، من خلال شكاوى مكتوبة أو تنظيم احتجاجات، السلطات الولائية بتحويل بلديتهم إلى مندوبية، وتعيين إطار إداري من أجل تسيير شؤونها، وانتهاز فرصة وجود ما يقارب 140 مليار سنتيم لإصلاح ما أفسدته عهدتان سابقتان، وصل “أميارها” إلى العدالة بتهم التلاعب بالمشاريع وخرق القوانين، ووصلت معاناة سكانها لأن حرموا لسنوات من الميزانية الإضافية، ما قلص حجم المشاريع بها، لتتوسع معاناتهم من جديد مع المجلس الحالي الذي وصلت تفاصيله إلى العدالة، وفشلت كل المحاولات التي قام بها الأعضاء من أجل لفت السلطات الولائية ومطالبتها بالتدخل.

وقد ناشد عدد من أعضاء المجلس البلدي لبلدية حاسي بحبح وزيري الداخلية والعدل التدخل العاجل والفوري والتحقيق فيما يحدث في بلديتهم وتسيير شؤونها المالية والإدارية، مؤكدين لـ “الخبر” أن الأمور وصلت إلى الخطوط الحمراء، وأنهم يتبرؤون من التجاوزات التي قالوا إنها خطيرة، ومن معاملات تمت خارج القانون مع بعض المتعاملين ومؤسسات الإنجاز وممونين، مضيفين أن بعض المشاريع شهدت تجاوزات كبيرة كمشروع تزويد أحياء العرقوب ورحال وقصر الفروج بالماء الشروب الذي افتقد لكل المعايير والمقاييس. وأكد الأعضاء أن هناك تزويرا في المداولات التي تم الإمضاء عليها بعد غلق الدورة، وهذا ما يتنافى مع القانون، كما تم منح مشروع “جر قناة الضخ لقرية المصران” بقيمة مليار و600 مليون قبل تسجيل العملية، مطالبين بضرورة فتح تحقيق معمق في 13 مليار سنتيم التي تم منحها عن طريق الاستشارات، مؤكدين أن عشرات العمليات تمت بعيدا عن المجلس، وأنهم يملكون ملفا ثقيلا، تحصلت “الخبر” على نسخة منه، قُدّم للسلطات الولائية من أجل البت فيه، علاوة على مطلب ضرورة حماية مصالح أكثر من 100 ألف نسمة، وحماية أعضاء المجلس الذين قد يجرّون إلى العدالة بسبب التجاوزات في التسيير.

ورغم كثرة النداءات والاستغاثات من أجل التدخل لإنهاء هذه الأزمة، فإن كل المحاولات التي قامت بها السلطات الولائية واللجان التي أرسلت إلى البلدية من أجل تقريب وجهات النظر، والعمل لفائدة مواطني البلدية، باءت كلها بالفشل.

التخلف التنموي والصراعات تتحالف ضد بلديتي قطارة وسد رحال
بلدية قطارة جنوب الجلفة تعيش هي الأخرى نفس الأزمة ونفس المشاكل، بسبب الصراع القائم بين المنتخبين منذ بداية العهدة، ولم تحرك معاناة المواطنين وغبنهم الأعضاء من أجل الوصول إلى توافق، رغم أن البلدية خلال العهدة الماضية تم غلقها لمدة 8 أشهر، بسبب رفض المواطنين تسيير “المير” السابق، ولم تتغير الأوضاع بل زادت سوءا، خاصة بعد أن قدم عدد من أعضاء المجلس الشعبي البلدي لبلدية قطارة (240 كلم جنوب الجلفة) شكوى لوكيل الجمهورية لدى محكمة مسعد، طالبوا فيها بفتح تحقيق معمق في تسيير شؤون البلدية، وفي عدد من الملفات التي أكدوا أنهم يملكون الأدلة والوثائق عليها، متهمين في ذات الشكوى رئيس البلدية بالتزوير في المداولات رقم 27،28،29،31و72 والتلاعب في الصفقات وفي إجراءات إسنادها.

وتعيش بلدية سد رحال جنوب الجلفة هي الأخرى أزمات قديمة قدم تعيين المجلس الحالي، حيث لا زال الأعضاء ممتنعين عن التداول وعن الإفراج عن المشاريع، والتكفل بانشغالات المواطنين، إلى أن وصلت الأزمة إلى مكتب والي الولاية الذي فشل في إصلاح الشروخ التي أفرزها الصراع القائم بين الأعضاء، ولا زال مواطنو سد رحال يدفعون فاتورة لا ذنب لهم فيها.

فوضى الجمعيات وتمثيل المرأة أزَّما الوضع
أضاف قرار إشراك المرأة المفاجئ في المجالس المنتخبة مشكلة أخرى، بسبب لجوء كل الأحزاب إلى دعوة بعض النساء إلى دخول القوائم دون تكوين أو تحضير لممارسة العمل داخل البلديات، وكيفية التعامل مع المواطنين، وكذا العلاقة بين المنتخبين فيما بينهم، ووصل الأمر إلى أن صرح والي الجلفة في أحد لقاءاته أن “منتخبة” اشتكت له من “المير” الذي وزع المشاريع ولم يمنحها حصتها! هذا التصريح نزل كالصاعقة على كل من سمعه وتحول إلى “نكتة مضحكة مبكية”، يضاف إلى ذلك التوصيات والتعليمات التي وجهتها وزارة الداخلية للجماعات المحلية بضرورة إشراك المجتمع المدني في الكثير من قضايا التسيير، خاصة ما تعلق باقتراح المشاريع وأمكنة تنفيذها، إلى الحضور إلى جلسات المداولات ومناقشة الأميار في شؤون البلدية.

هذه التعليمة التي اعتبرها الكل آلية يمكنها أن تحسن من أوضاع هذه المجالس، إلا أنها تحولت إلى مشكلة حقيقية وعائق آخر لمسار المجالس، خاصة مع تساهل الإدارة في منح الاعتمادات لمئات الجمعيات المتنوعة النشاط، في غياب كامل لدراسة ملفات وسِيَر من يتقدم لأجل الحصول على اعتماد، خاصة أن هذه الجمعيات تعتبر لسان حال المواطنين، إلا أنها أخذت هي الأخرى موقفا من صراعات المنتخبين، وتحولت بعض الأختام إلى وسيلة ضغط وتهديد لبعض “الأميار”، خاصة مع التشديد المستمر على التعامل مع هذه الجمعيات التي تحول جزء منها إلى ما يشبه نقابات تدافع عن هذا “المير “ بإصدار البيانات، أو منتقدة للمعارضة، رغم أن القانون المنظم لها ولنشاطها يمنع منعا باتا هذه التصرفات التي أفرزتها حالة الفوضى وغياب الوعي والفهم لعمل الجمعيات ونشاطها وصلاحياتها.

البزنسة والمصالح الشخصية وراء الصراعات
اعترف والي الجلفة أن ما يحدث من انسداد وجمود في بعض البلديات هو صراع حول المشاريع وقضية مرتبطة “بالبزنسة والمصالح الشخصية” لبعض الأعضاء والمنتخبين، مبعدا عنه المسؤولية، كون أن المواطنين هم من اختاروا هؤلاء الأشخاص وأفرزتهم الصناديق، مضيفا أنه تم إيفاد العشرات من اللجان لهذه البلديات من أجل حل المشاكل، إلا أن كل جهة بقيت متصلبة ومتمسكة بموقفها. وعن الحلول أكد المسؤول ذاته أنه سبق التحذير من قبل الوزير السابق للداخلية الذي أكد أمام عدد من البرلمانين أن القانون الجديد سيكبّل الولاة، خاصة أنه جاء بإلغاء “سحب الثقة”، وأن تدخل السلطات لا يمكن أن يكون إلا بعد مراسلة من طرف العدالة بمتابعة هذا العضو أو ذاك “المير”، وأن موقف الأغلبية لا معنى له مع القانون الجديد للبلدية، وحّمل المواطنين المسؤولية لأنهم أساؤوا الاختيار خلال الانتخابات المحلية.  

وزير الداخلية لـ “الخبر”
 “قانون البلدية ليس قرآنا ورؤساء الدوائر لهم مهامهم”

 أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية في رده على سؤال “الخبر”، حول المشاكل التي طرحها عدد من ولاة الجمهوريه في لقائهم الأخير به والانسدادات والصراعات داخل المجالس المنتخبة، أن هذه الانسدادات كثيرا ما تكون بسبب ابتعاد هذه المجالس عن مهامها المتمثلة أساسا في خدمة المواطن وترقيته، والتفكير في حل مشاكله، ما جعلها تسقط في الصراعات والانسدادات، مؤكدا أن بعض هذه البلديات تم إنهاء المشاكل بها، كما حدث في ولاية بجاية، ونتمنى أن يحصل الانسجام بين أعضاء بلديتي مسعد وسد رحال بولاية الجلفة حتى يعودوا لتسيير شؤون البلديتين.

وعن تقييمه لقانون البلديات والتعديلات التي طرأت عليه، وهل تفكر الوزارة في تقديم مقترحات جديدة، قال إن هذه القوانين ليست قرآنا بل هي قوانين نضعها وتمر عن طريق البرلمان، وقد نعدلها حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للمواطنين والدولة، مضيفا أن ما تم مؤخرا في بعض البلديات من تعيين رؤساء دوائر أو أمناء عامين لتسييرها لم يكن خيارا، ولكنه قرار اضطراري بعد استنفاد كل محاولات الصلح بين أعضاء هذه المجالس، مؤكدا أن رؤساء الدوائر والأمناء العامين لهم مهامهم التي تتطلب هي الأخرى مجهودات وعملا من أجل تأديتها. ولم يستبعد وزير الداخلية أن تقوم مصالحه بإعداد مقترحات جديدة لقانون البلدية تكون متوجهة أساسا لتحقيق الاستقرار داخل المجالس، خدمة للمواطن الذي يبقى دائما يطمح لخدمة أحسن وأسرع.   

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول