"حزب الله" في مواجهة الإرهاب والفتنة

روبورتاجات
29 نوفمبر 2015 () - بيروت: مبعوث "الخبر" مصطفى دالع
0 قراءة
+ -

خلال زيارتي للبنان في فيفري الماضي، طلبت من بعض من تعرفت عليهم من اللبنانيين والسوريين المقيمين في لبنان، مرافقتي للضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله بغية إجراء روبورتاج هناك، لكن الجميع اعتذر، بل نصحوني بعدم الاقتراب من هذه المنطقة، وحذّروني من أنني قد أتعرّض للتوقيف وربما الاعتقال، خاصة إذا قمت بتصوير شوارع ومباني الضاحية، لكني هذه المرة، ورغم تحذيري من أن الوضع الأمني حساس جدا في الضاحية بعد تفجيري برج البراجنة، إلا أنني تعرفت على أحد مشايخ الشيعة اللبنانيين على هامش المؤتمر القومي لدعم الانتفاضة الفلسطينية الذي نظم في بيروت في 20 نوفمبر الماضي، وعرض عليّ مرافقته إلى الضاحية الجنوبية وبالضبط إلى حي برج البراجنة، أين وقع التفجيران اللذان أوديا بحياة 43 شخصا منذ أيام، ووعدني بتسهيل مقابلة نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم.


رغم أن الوقت كان عصرا، إلا أن الفرصة كانت لا تفوّت، أخذنا سيارة أجرة باتجاه طريق المطار، ولأول مرة أعلم أن مطار بيروت يقع في قلب الضاحية الجنوبية، ويخضع لنفوذ حزب الله، وقبل وصولنا إلى برج البراجنة مررنا على منطقة “بئر حسن” مدخل الضاحية الجنوبية، ونبّهني مرافقي الشيخ محمد علي الترشيسي، أن هذه المنطقة يقطنها عدد كبير من اللاجئين السوريين وأغلب محلات الخضار وورشات تصليح السيارات يعمل فيها سوريون، في حين عادة ما يكون رب العمل لبناني. ومع أنني كنت أتصور أن جميع من يسكن في الضاحية شيعيون بالضرورة ولا يسمح للمسلمين السنّة والمسيحيين بالإقامة في هذه “المنطقة شبه الأمنية”، إلا أن مرافقي نفى ذلك وأكد لي أن 30 بالمئة من سكان الضاحية الجنوبية من السُّنة، ومع قدوم اللاجئين السوريين إلى الضاحية، أصبح السنّة يمثّلون نصف سكان الضاحية، بل أعدادهم أصبحت توازي أعداد اللبنانيين بجميع طوائفهم حسب بعض التقديرات غير الرسمية، بالإضافة إلى نسبة بسيطة جدا من المسيحيين تعيش في الضاحية، كما اكتشفت أن لبنان يوجد بها يهود أيضا لكن لا يتجاوز عددهم 2000 يهودي في عموم لبنان، وهم من غير الصهاينة، ولا يؤمنون بدولة إسرائيل حسب مرافقي.
حزب الله يفرض تشديدا أمنيا على برج البراجنة
وصلنا إلى برج البراجنة، وأول ما يستقبلك فيه، مستشفى الرسول الأعظم الذي يتقدمه مسجد بمنارة واحدة وقبة خضراء، وأخبرني مرافقي أن الانتحاري كان ينوي تفجير نفسه في المستشفى، لكن بسبب الحراسة المشددة، توجه إلى مكان آخر.

 


في برج البراجنة لا أثر للشرطة أو الجيش اللبناني، فرجال حزب الله برشاشاتهم وبلباسهم العسكري أو المدني متواجدون في مختلف مداخلها، ويخالجك شعور أنك خرجت من دولة لبنان ودخلت إلى دولة حزب الله، كل شيء هناك مختلف، أحياء فقيرة ومكتظة بالسكان، وشعارات شيعية وأخرى تؤكد دعمها للمقاومة، وأعلام حزب الله منتشرة في كل مكان، وقلّ ما تشاهد أعلام لبنانية.
دخلنا من مكان ضيق إلى حي مجاور لمسجد الرسول الأعظم، كان يحرسه أحد رجال حزب الله بلباس بني فاتح وسلاح رشاش ولحية كثة وجثة ضخمة، كنت أتوقّع أن يقوم بتوقيفي وطلب هويتي، خاصة وأنني غريب عن هذه الديار والوضع الأمني كان صعبا، والضاحية لم تلملم بعد جراحها، وأجواء جنائزية تعم المكان، لكن جندي حزب الله لم يسألني لا من أين أتيت وإلى أين تذهب، وربما كان مرافقي الذي يعد أحد شيوخ الطائفة الشيعية تأشيرتي للدخول إلى ضاحية حزب الله في سلام.
توجّهنا إلى مبنى كبير كان أمامه عدد كبير من رجال حزب الله بلباس مدني، صافحنا البعض منهم ثم رافقونا إلى داخل المبنى، ونزلنا إلى الطابق السفلي وسط كوكبة من الرجال من حولنا، يمشون بشكل مسرع، وكأن شيئا مهما يكاد يفوتنا، لكن دون أن يحاول أي شخص التعرف على هويتنا أو تفتيشنا أو التحقيق معنا، إلا أننا كنا تحت مراقبة لصيقة، ربما هذه هي طريقة حزب الله في تأمين تجمعاته دون إحراج أو إزعاج ضيوفه.

 


دخلنا قاعة صغيرة، ووجدنا فيها عددا من الرجال يتلقون العزاء، كانوا عائلات ضحايا تفجيري برج البراجنة، ولأول مرة أعرف أن ضحايا التفجيرين كانوا شيعة وسنّة، هكذا أخبرني مرافقي.
ثم دخلنا قاعة كبيرة وفسيحة، ووجدنا نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم يلقي خطابا تأبينيا للضحايا، ولم تكن القاعة ممتلئة كعادة التجمعات الكبيرة التي عرف بها حزب الله، لكن لفت انتباهي وجود عدد من شيوخ ورجال السنّة اللبنانيين في الصفوف الأولى للقاعة، كما كان هناك ضباط وجنود بلباس الجيش اللبناني موجودين أيضا، بالإضافة إلى شباب بلباس مدني أسود واقفين ويرمقونك بعيون قاسية.
“سُنّة” يتضامنون مع ضحايا برج البراجنة
لم أتمكن من إجراء حوار مع نعيم قاسم الذي خرج مسرعا بمجرد إلقاء خطابه التأبيني وحوله رجال حزب الله، ولكن بفضل وساطات، تمكنت من أخذ تصريح من الشيخ أسامة الحلبي، أحد شيوخ السنّة في لبنان من جمعية المشاريع الإسلامية الخيرية الذي قال لـ«الخبر”: “نحن في لبنان إخوة قبل انفجار عين السكة وقبل انفجار الرويس وقبل الانفجارات التي وقعت في الشارع العريض وغيره، وقبل الاجتياح، ولو لم نكن إخوة ما بقينا إلى هذا اليوم وكلنا خطنا عروبي وليست هذه المتفجرة التي جمعتنا، نحن مجتمعون في الأصل، لكن نسأل الله تعالى أن يجعل الوعي أكثر لدى الشباب والمؤسسات التربوية، لأنه يوجد نقص في التوجيه، هذا الفكر التكفيري هدام لكل المجتمعات وليس على لبنان فحسب، بل الجماعة وصلوا حتى إلى باريس، يجب أن يشتهر هذا الوعي بين الناس ونبيّن عقيدة أهل السنّة والجماعة التي هي نفسها عقيدة أهل البيت عليهم السلام، الإمام جعفر الصادق والإمام علي والإمام الحسين والإمام الشافعي والسلف الصالح هي عقيدة النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وكل الصحابة، كلهم عقيدة واحدة.

 


كنا في جمعية المشاريع نحذّر دوما من التطرف فهؤلاء الذين يفعلون هذه الأعمال الإجرامية ليسوا بمسلمين، نحن نختلف وإياهم في العقيدة ولا تجمعنا وإياهم عقيدة واحدة، فمن لم يكن على عقيدة النبي صلى الله عليه وسلم وآل البيت والصحابة فنحن لسنا منه، وهم يقولون “من ليس معنا فهو حلال الدم والمال” لذلك يعملون هذه الأعمال الإجرامية وينشرون الفساد في الأرض في سوريا والعراق وفي لبنان وحتى في فرنسا، في الشرق والغرب دمار وخراب.
برج البراجنة ترمّم ما أفسده الإرهاب
أصرّيت على الذهاب إلى موقعي التفجيرين اللذين أوديا بحياة 43 شخصا في برج البراجنة قبيل المغرب، واشترط عليّ مرافقي عدم التصوير لحساسية الوضع، وهو ما لم أعده به، فالصورة جزء من توثيق الحقيقة.
توغّلنا في حي البراجنة، وهو حي ضيق وفيه كثافة سكانية عالية، حي شعبي مثل حي باب الوادي أو أشد ضيقا وكثافة سكانية ومرورية، وفي العادة يتحول هذا الشارع الضيق إلى سوق شعبي حسب شهادات تجار الحي، وهو ما يوضح سبب العدد الكبير من الضحايا الذين خلّفهم التفجيران.
تستقبلك وأنت داخل إلى الشارع الذي وقع فيه التفجير، أعلام سوداء مكتوب عليها شعارات شيعية واستغاثات بالسيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب، وأعلام حزب الله وحسينية الإمام الحسين، ولا شيء يوحي بأن هناك عائلات سنيّة تعيش في هذا المكان.

 


وصلنا إلى مكان التفجير الأول، وكانت آثار التفجير ماثلة أمامنا، رغم مرور أسبوع حينها على التفجيرين، كان هناك عمال يقومون بترميم واجهة الفرن (المخبزة)، التي تضررت بفعل الانفجار، وأوضح لنا صاحب محل مواد غذائية جار صاحب الفرن الذي وقع فيه التفجير، أنه كان داخل محله عندما سمع انفجارا بالقرب من الفرن المجاور لمحله، وكان التفجير قويا والضحايا كثر، خاصة أن الشارع ضيق أشبه بالسوق وبه كثافة سكانية وكان من الممكن أن يكون عدد الضحايا أكثر لولا أن سيارة جيب كانت متوقفة أمام الدراجة المفخخة فشكلت حاجزا نسبيا أمام قوة الانفجار ولكن زوجة صاحب السيارة وابنه قتلا على الفور.
وبعد أربع دقائق (وليس 7 دقائق كما ذكرت العديد من الصحف المحلية) وقع انفجار ثاني، حيث حاول الانتحاري تفجير نفسه داخل مستشفى الرسول الأعظم الذي يقع بعيدا عن مكان التفجير الأول بنحو 200 متر، لكن الحراسة المشددة لرجال حزب الله دفعت الانتحاري إلى التوجه إلى حسينية الإمام الحسين، أين كان هناك عدد كبير من أتباع المذهب الشيعي يؤدون طقوسهم، لكن حارس الحسينية منعه من الدخول وعندما تأكد أنه يحمل حزاما ناسفا أمسك به، لكن الانتحاري ضغط على الزر فقُتل الاثنين ومعهم عدد كبير من الناس الذين حضروا بكثافة نحو موقع التفجير الأول، لكن مرافقي قال إن عدد القتلى كان سيكون أكبر لو تمكن الانتحاري من دخول الحسينية. وذكّرني هذا الحارس الذي قتل وهو يمسك بالانتحاري، بالحارس الجزائري الذي منع انتحاري باريس من دخول “ستاد دو فرانس”، فأنقذ بذلك الكثير من الأرواح.

 


أراني تاجر آخر مكان التفجير الثاني ولم تكن هناك آثار لمنازل أو محلات تجارية مهدمة، كما أن حسينية الإمام الحسين المقابلة لم تبدو أنها أصيبت بأضرار، وأوضح لي أحد تجار برج البراجنة، أن التفجير الثاني لم يكن قويا مثل التفجير الأول ولكنه خلّف عددا أكبر من الضحايا بسبب تجمع الناس بالقرب من التفجير الأول الذي لا يفصل بينهما سوى مسافة تقل عن 100 متر. وأخبرني أحد تجار المنطقة، أن الحياة بدأت تعود من جديد إلى برج البراجنة بعد يومين فقط من التفجيرين، لكن بشكل تدريجي وليس كما كان الحال قبل التفجيرين. واعتبر مرافقي أن تفجيري برج البراجنة هي تجدد “الحقد الأموي” على آل البيت، وتساءلت ما الذي يربط داعش بالأمويين؟ ولماذا يتم تحميل الأمويين الذين زال حكمهم منذ قرون بمآسي الشيعة إلى اليوم؟
طيلة تواجدي في برج البراجنة، سواء في القاعة التي ألقى فيها نائب نصر الله كلمته التأبينية، أو في موقع التفجيرين أو حتى في مسجد برج البراجنة الذي يشرف عليه شيعة، لم يتم توقيفي أو اعتقالي أو منعي من التصوير، رغم تحذيرات الكثير ممن التقيتهم من اللبنانيين السنّة واللاجئين السوريين بل وحتى شيعة لبنانيين، من خطورة التوجه إلى معاقل حزب الله في الضاحية خاصة في هذا الوقت الحساس بالذات، إلا أيا مما توقعته وقع، رغم وجود حراسة مشددة حتى على المساجد، لكن مرافقي الذي كان طبيبا ومحاميا وأحد أئمة الشيعة ورئيس مؤسس لعدة جمعيات ومرشحا للانتخابات النيابية القادمة، وناشطا في التقريب بين الشيعة والسنة، حذرني من دخول الضاحية دون أن يكون معي من “يضمنني”.
السنة والشيعة يختلفون في الصلاة ويجتمعون في العزاء
قبل مغادرتنا برج البراجنة، أذّن المؤذن لصلاة المغرب، وكان ملفتا أن المؤذن أضاف جملة وأشهد أن عليا ولي الله، وهذه أول مرة أسمع فيها آذانا شيعيا، فسألت مرافقي لماذا تضيفون جملة في الآذان لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لي “هذه جملة مستحبة فقط”، وتابع “كما أن هذا الأذان آتى به عمر”، في إشارة إلى أن كلمات الآذان سمعها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في منامه وأقرّها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصبحت سنّة يتبعها كل المسلمين.

 


بعد إصرار طويل من مرافقي على أداء الصلاة في المسجد (الشيعي)، وافقت على أن نصلي منفردين، ولم أكن أدري الحكم الشرعي للصلاة في مساجد الشيعة، ولكني لاحظت أننا نغسل أرجلنا في الوضوء بينما يمسحها الشيعة، ولديهم حوضين في بيت الوضوء يغطسون أرجلهم فيها بعد الوضوء، كما أنهم يسجدون على حجر أو رمل مرتفع عن موضع أرجلهم، ولديهم تفسير لذلك، بينما يتهمهم السلفيون بأنهم يسجدون للحجر، حسب مرافقي.
نقاط اختلاف كثيرة بيننا وبينهم، ولم أرغب في خوض جدل فقهي بين السنّة والشيعة مع مرافقي، لأنني كنت واثق من أن هذا الجدل الذي انطلق قبل قرون لن يحسم في نقاش سطحي اليوم.
ورغم الاختلافات غير البسيطة، سواء في الأذان أو الوضوء أو طريقة الصلاة، بيننا وبين الشيعة، إلا أنه لا أحد اعترض على صلاتي في مسجد الشيعة، خاصة وأن هناك لاجئين سوريين من السنّة كانوا يصلون فيه، كما لم يتم تفتيشي هنا أيضا، لكني لاحظت أنه تم توقيف اثنين من السوريين عند عتبة المسجد، ولما تساءلوا عن سبب محاولة تفتيشهم، رد عليهم حارس المسجد أنه خلال تفتيش أحد السوريين وجدوا لديه أموال مسروقة.

 


انتقلنا بعدها من الضاحية الجنوبية إلى جامعة بيروت العربية غير بعيد عن الضاحية الجنوبية لحضور محاضرة، ولكننا تفاجأنا أن المحاضرة ألغيت واستبدلت بمجلس عزاء للأمين العام للجامعة الدكتور عصام الحوري، ووجدنا أنفسنا في مجلس عزاء للسنّة بعدما كنا في مجلس عزاء للشيعة، وتبيّن لنا أن الشخصية التي توفيت كانت مرموقة، فهو شقيق النائب عمار حوري من كتلة تيار المستقبل التي يقودها سعد الحريري. كان هناك اختلاف كبير بين المجلسين، الشيء المشترك هو الإجراءات الأمنية المشددة في مجلسي العزاء، وإذا كان الشيعة يهدون حبات الحلوى بعد العزاء، فإن مجلس عزاء الدكتور عاصم الحوري أهديت فيها مصاحف مطبوع فيها ترحم على روح الفقيد عاصم الحوري، وتساءلت كيف تمكنوا من طباعة هذه المصاحف باسم المرحوم في هذا الوقت القياسي.
لكن الشيء الجميل في لبنان يتمثل في أن السنّة والشيعة يتبادلون فيما بينهم العزاء بصدور رحبة رغم كل الاختلافات التي بينهم، وتعدّ مجالس العزاء إحدى صور التعايش والتضامن بين مختلف الطوائف المشكّلة لهذا البلد الشقيق.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول