21 قضية ضد بائعي الأراضـي ومؤجريها

روبورتاجات
1 ديسمبر 2015 () - جيجـل: مبعـوث “الخــبر” نـــــوار ســـــوكو
0 قراءة
+ -

حقيقة تحويل الطابع الفلاحي لتلك الأراضي، يؤكدها مدير المصالح الفلاحية مجيد شنافي، عندما استقبلنا في مكتبه وهو يقول “قمنا بتسجيل ظاهرة بمنطقة جيمار ببلدية الشقفة، تتمثل في قيام مجموعة من الخواص لهم أملاك فلاحية خاصة تتربع على 60 هكتارا، ببيعها وكذا إيجارها لوكلاء سيارات، وذلك على بعد 6 كيلومترا عن ميناء جن جن، ليقوم هؤلاء بدورهم بتغيير الطابع الفلاحي للمنطقة وتحويلها إلى حظائر للسيارات المستوردة”.
وما عرفناه أيضا من رئيس الغرفة الفلاحية للولاية، يوسف خن، أن “الاعتداء على خصوصية هذه الأراضي التي تتوفر على تربة ذات جودة عالية، وتم تحويلها إلى حظائر سيارات، بدأ منذ سنة 2011 واستمر إلى غاية 2015، شمل أيضا أراض حوّلت إلى حظائر للسيارات ببلدية الطاهير والأمير عبد القادر وبلدية جيجل. ولو لا تصدي الوالي الجديد لهؤلاء الأشخاص، لتواصلت العملية وكان مصير باقي الأراضي الخصبة المجاورة لها المصير ذاته”.
هذا الوضع في الحقيقة يقود إلى طرح تساؤلات أخرى عن دور ومسؤولية مصالح الفلاحة بالدرجة الأولى، وكذا مسؤولية رؤساء المجالس الشعبية البلدية وباقي المسؤولين الآخرين، خاصة وأن الاعتداء على أراضي فلاحية خصبة؛ هو في الحقيقة مس بالأمن الغذائي لمستقبل أجيال المنطقة، ولكن مدير الفلاحة لم يتردد في الرد على هذا التساؤل قائلا “طبقا لقانون التوجيه الفلاحي، قمنا برفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الجزائية والإدارية لجيجل، وعددها يقدر بـ21 قضية، بينها 12 قضية فصل فيها، منها قضيتان فصل فيها بالحبس النافذ، وقضية بالحبس الموقوف التنفيذ. فيما تم الفصل في قضيتين بغرامة، و5 قضايا أخرى بالبراءة، بينما تم حفظ قضية واحدة. أما القضايا التي لا تزال عالقة ولم يفصل فيها بعد، فعددها 8، وقمنا بالاستئناف أمام المجلس الأعلى للقضاء”.
42 قضية ضد أصحاب مستثمرات
وإن كانت الأراضي الفلاحية للخواص عرفت هذا المصير المشئوم، ببلديات الشقفة والطاهير والأمير عبد القادر وجيجل، فإن الأراضي التابعة للأملاك الخاصة للدولة المتمثلة في مستثمرات فلاحية، جماعية وفردية، ما تزال محل أطماع مافيا العقار، بدليل أن رئيس الغرفة يوسف خن يقول “إذا لم نعد لهذه الأراضي التابعة للتعاونيات الفلاحية نشاطها الحقيقي، فهناك من ينتظر غزوها والاستيلاء عليها”، وأضاف “هذا التخوّف من إسراع مافيا العقار في الاستحواذ على هذه الأراضي، جعلنا ننسق مع مديرية المصالح الفلاحية والتعاونيات لاسترجاع النشاط الحقيقي للتعاونيات ببلديات جيجل، وقاوس، والطاهير والقنار”، مشيرا إلى أن بعض ملفات التجاوزات التي سجلت بشأن أراضي التعاونيات الفلاحية موروثة عن مسؤولين آخرين، وعندما جاء الوالي الحالي وجدها عالقة. بينما يقول مدير الفلاحة بشأن هذه التعاونيات الفلاحية الفردية والجماعية: “توجد 42 قضية أمام العدالة ضد أصحاب مستثمرات متواجدين عبر بلديات الولاية، ويحكم هؤلاء القانون 10/03 المؤرخ في 15/08 من سنة 2010 المحدد لكيفية استغلال الأراضي الفلاحية الخاصة للدولة، ويحدد حق الامتياز الفلاحي”. وواصل المسؤول ذاته في سياق توضيحه لملابسات وتجاوزات طالت هذا النوع من الأراضي، بالقول “الديوان الوطني للأراضي الفلاحية سيتدخل خلال الأيام المقبلة لإسقاط حق الامتياز من أصحاب هذه المستثمرات الفلاحية، ممن قاموا بتجاوزات تتنافى ودفتر الشروط الممضى بينهم وبين الديوان الوطني للأراضي الفلاحية. ومن هذه التجاوزات المسجلة؛ البناء دون حيازة رخصة فوق أراض فلاحية، ومن هؤلاء من باشر البناء، وفيهم من هو في طور إنهاء عملية البناء، وهم متواجدون بالمنطقة الشرقية لولاية جيجل، بينهم بلديات قاوس، والأمير عبد القادر، والطاهير، والشقفة... ومن أصل 42 شخصا متابعا قضائيا، يوجد خواص لا صلة لهم بتاتا بالأراضي الفلاحية، استنادا لأقوال المسؤول ذاته.
هؤلاء المتابعون وجهت لهم تهمة تغيير الطابع الفلاحي للأراضي والبناء دون رخصة، والتعدي على الملكية الخاصة للدولة، ولاسيما بعد تفعيل القانون 04/05 المتعلق بالبناء والعمران. هذا القانون ينصص على أنه مهما كانت البناية تابعة للخواص أو لأصحاب المستثمرات الفلاحية، الفردية والجماعية، فإنها تخضع لرخصة البناء التي تسلّمها البلدية بالتنسيق مع مصالح البناء والعمران.
لكن، أين كانت مديرية المصالح الفلاحية يوم شرع في الاعتداء على الطابع الفلاحي من قبل أصحاب التعاونيات وسماسرة العقار الغامضين؟ يجيب مدير المصالح الفلاحية “سبق لنا في كل مرة استدعاء وإطلاع رؤساء البلديات بوجود أشخاص يشيّدون بناءات فوق أراض فلاحية، كما قمنا بتوجيه إعذارات لأصحاب المستثمرات الفلاحية بتوقيف أشغال البناء، كما أشعرنا المديرية الولائية للديوان الوطني للأملاك الفلاحية بتلك التطورات”. وتابع المتحدث “قمنا أيضا باطلاع وإشعار رؤساء المجالس الشعبية البلدية، تحت إشراف رؤساء الدوائر، بجميع حالات تحويل الطابع الفلاحي، قصد التدخل لتوقيف الأشغال طبقا لأحكام القانون 04/05 المؤرخ في الـ14/8 من سنة 2004 المتعلق بالبناء والتعمير، وهناك بعض البلديات قامت بتنفيذ قرارات هدم تلك البناءات مثل جيجل، والطاهير، والأمير عبد القادر، وقاوس والميلية، فيما لا تزال قرارات أخرى تنتظر في بلديات أخرى، وعملية الاستيلاء على العقار الفلاحي بدأ سنة 2011”. ولو أن السؤال يبقى مطروحا بشأن عدم التفات مسؤولي الولاية طيلة 4 أو 5 سنوات من حولهم لمعرفة ما يجري في محيطهم.
.. ولسنوات الإرهاب مسؤولية
العارفون بخبايا الأمور بولاية جيجل، يرجعون قضية الاستيلاء على الأوعية العقارية الواقعة بالضبط على الشريط الساحلي للولاية، الممتد من زيامة منصورية الواقعة على خط التماس مع ولاية بجاية، إلى واد الزهور المتاخم لولاية سكيكدة، إلى ظروف تاريخية أفرزت هذه التداعيات، تتمثل في سنوات الفوضى والجنون الإرهابي الذي عرفته مختلف مناطق الولاية على مدى أزيد من 10 سنوات، عندما فرضت الحواجز المزيفة والمداهمات الليلية والمجازر منطقها على الناس في القرى والمد اشر.
هذا المعطى الأمني الذي أدخل البلاد في نفق مظلم، ولاسيما خلال عقد تسعينيات القرن الماضي، أفرز اختلالات عميقة في بنية الريف الجيجلي بشكل خاص، والريف الجزائري بشكل عام، ولم يكن أمام الحشود والكتل البشرية المقيمة في الريف، وأغلبه جبال، إلا الهروب أملا في تحقيق قاعدة (وآمنهم من خوف) باستقرار آلاف العائلات على ضفاف الشريط الساحلي الجيجلي الذي تتمركز فوقه معظم بلديات الولاية. وعلى هذا النحو، تفككت معادلة (الريف والمدينة) بهدم الريف وترييف المدينة، عندما تحوّل الكم الهائل من تلك العائلات من منتجة وممونة بالجبال إلى مستهلكة، تنافس سكان المدينة في كل شيء. وفي غمرة تلك المأساة والملهاة، برزت أحياء الصفيح وأحزمتها البائسة واليائسة، مثلما بزغ نجم سماسرة غامضين من شرق الولاية إلى غربها، يبيعون العقار مغتنمين الأزمة الخانقة للسكن، حتى وإن كانت على حساب القانون باستعمال واستخدام العقود العرفية. فمن الطاهير والقنار، مرورا بالأمير عبد القادر والرابطة وحدادة بجيجل، وصولا إلى الصخر الأسود (roché noir) والعوانة وتازة وأفتيس، استسلمت جيجل للفوضى وتخلت عن هويتها السياحية، بعد أن شهد اليهودي والمسيحي والبوذي أنها واحدة من أجمل المناطق في كوكب الأرض.
“الرابطة”.. الشاطئ الذي احتله البناء العشوائي
ما كنا نعتقد أننا عندما نزور منطقة “الرابطة”، واحدة من مناطق التوسع السياحي الواقعة على بعد مئات الأمتار إلى غرب قلب مدينة جيجل، لن نعثر على أحد، وهذا المنطق المتبع في أغلب المناطق التي شيّدت بها منازل غير شرعية، هو لتضليل أعوان مفتشية البناء وعدم إعطائهم فرصة للتعرف على هوية من يقوم بالبناء.. وبالتالي، عدم حيازتهم على معلومات. فـ “الرابطة” بعدما كانت واحدة من شواطئ المدينة قبل بضع سنوات، لم نعثر ولا على رواق ضيق للوصول إلى البحر، لكثافة البناءات التي شيّدت ونهضت بين عشية وضحاها.
الناس هناك كأنهم متفقون مع بعضهم بعضا لضبط حساباتهم وتوقعاتهم مع المعطيات الجديدة بجيجل، في غمرة الزيارات الميدانية الفجائية التي يقوم بها الوالي الجديد، والحرب التي أعلنها ضد أصحاب البناءات غير الشرعية والأسواق السوداء الفوضوية. ومع ذلك، فإن ما وقفنا عليه هو أن الناس مصممون على مواصلة البناء، برغم أنهم لا يحوزون على الرخصة، بدليل أن أعمدة بعض البناءات لم يمض على إنجازها أسبوع أو أقل، ما يطرح بالتالي فرضية تفضيل البعض منهم البناء تحت جنح الظلام. فيما تكشف بعض الكتابات الحائطية على عدد من الجدران التي لم تكتمل، أن البناءات تلك كانت مبرمجة لاحتضان حظائر محروسة لركن السيارات. وعلى بعد أمتار منها، تتربع بقايا أعمدة لبناءات تعرّضت للهدم.
لكن ما لاحظناه؛ هو أن الأجواء الآخذة في التشكّل بالمنطقة، هي أجواء ترقب وخوف بالنظر إلى أن أحد الشباب ممن ظل على صلة بحي “الرابطة”، يقول “منذ قرابة 15 يوما، توقفت أغلب المهن التي لها علاقة بالتعمير، مثل مهن البناء، والطلاء، والتلحيم، والترصيص... خاصة بعد أن علم الناس أن الوالي يقوم بهدم البناءات التي شيّدت دون رخصة”.

في نفس السياق

"بنوا فوق أراض مخصصة لإنجاز مشاريع عمومية"
أطراف كانت في مناصب مسؤولية لم تقم بدورها
جيجل تستفيق على كارثة نهب أراضي الشريط الساحلي
كلمات دلالية:
جيجل

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول