"لم نذق طعم الاستقلال بعد"!

روبورتاجات
20 ديسمبر 2015 () - خنشلة: مبعوث “الخبر” نوار سوكو
0 قراءة
+ -

التهميش والإقصاء والحڤرة في البلديات والقرى والمداشر الواقعة إلى جنوب خنشلة، بلغ مداه إلى درجة أن سكان هذه المناطق ممن زارتهم “الخبر”، يقولون “إننا لم نذق بعد طعم الاستقلال ولا نحس بأننا جزائريون”.

 

متاعب العزلة في بلديات خيران والولجة ولمصارة وقراها ومداشرها، تضغط بثقلها، والناس ما عادوا قادرين على تحمّل الوضع، ففيهم من لا زال يسكن في أكواخ وأقبية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وبينهم من لا زال محروم من الكهرباء. بل قل إن شريط القرى والمداشر الممتد من خيران والولجة هو حزام للبؤس بعد أن تحوّل الريف الواسع الى سجن، لأن سكانه محرومون من النقل، ويتولى الخدمة أصحاب سيارات “الكلوندستان” الذين حلوا محل الدولة. أما الماء الصالح للشرب، فلمن استطاع إليه سبيلا، يتم شراؤه يوميا من دائرة ششار، أما المغلوبون على أمرهم، فلا زالوا ينقلونه على ظهور الحمير من مسافات بعيدة. يحدث ذلك في غمرة حديث السكان عن حالة انتقام يعيشونها من قبل المسؤولين المحليين نظير منح أصواتهم الانتخابية لمرشحين آخرين، ليصبح توزيع الماء وإيصال الكهرباء والغاز ومنصب الشغل تخضع لنظام الولاءات. حالة التدمّر والاحتجاج تسكن مواقع أبناء ششار ممن يقولون إنهم غير مقتنعين وغير راضين على مسألة التنمية بالنظر لوجود فساد ومحسوبية وتجاوزات وتهميش وإقصاء أيضا من قبل السلطات المحلية، فضلا عن تصفية حسابات. وإلى ذلك يعترف مثقفون من أبناء مدينة خنشلة، أن مظاهر التنمية والاستثمار لم تلامس واقع المدينة، مما جعل المخدرات والسرقة تتحول إلى مصدر رزق، لأنه لا يوجد تنسيق بين الهيئة التنفيدية والمجتمع المدني، فضلا عن ضعف المنتخبين المحليين ممن لا يتوفرون على تصورات واستراتيجية في التسيير، وبالتالي إعادة النظر في طريقة التنمية.
على الطريق المتعرّج الذي يشقّ ريف ولاية خنشلة، تظهر صور تضاريس القرى والمداشر لبلديات خيران والولجة ولمصارة النائمة عند أقدام جبال أوراس النمامشة، الواقعة على بعد 120 كيلومتر إلى جنوب غرب مدينة خنشلة. وعلى الرغم من صعوبة التضاريس والمسلك الوعر الذي يأخذ شكل منعرجات ومنحدرات عميقة من دائرة ششار باتجاه هذه المناطق البعيدة، فان شباب وشيوخ هذه البلديات وقراها ومداشرها، يتحدّون العزلة وظروفها الصعبة يوميا، لأنهم يريدون أن يتنفسوا الهواء نفسه الذي يتنفسه سكان ششار وبابار ومدينة خنشلة هروبا مما يسمونه “متاعب العزلة”.
“الكلاندستان” يحلّ محل الدولة
هؤلاء الشباب والشيوخ وحتى تلاميذ الثانويات، يتنقلون يوميا على متن سيارة “كلاندستان” من بلدية الولجة إلى بلدية خيران ومن ثمة إلى دائرة ششار، والمصير نفسه يعرفه سكان بلديتي خيران ولمصارة على مسافة تتراوح بين 60 إلى 80 كيلومترا، ولأنه لا الدولة وفّرت النقل لسكان هذه المناطق، ولا الخواص استثمروا في خط النقل هذا، المعروف بمنعرجاته المتعددة والخطيرة، فقد حل بعض أصحاب سيارات “الكلاندستان” محل الدولة والخواص، وباتوا هم من يسهر على نقل الناس من هذه البلديات المعزولة إلى دائرة ششار يوميا، ولو أن هذه الخدمة مضمونة إلى غاية منتصف النهار فقط. المواطنون القادمون من بلديات لمصارة، الولجة، خيران، إذا كانوا في حاجة إلى استخراج وثيقة من دائرة ششار أو شراء حاجياتهم من هناك، هم مجبرون على دفع بين 200 إلى 600 دينار للشخص الواحد، ثمن نقلهم، مما يطرح بالتالي تساؤلات أخرى عن مصير تلاميذ الثانويات ممن يدرسون بهذه الدائرة.

 


على متن واحدة من هذه السيارات التي استقلّتنا من دائرة ششار إلى بلدية خيران على بعد 40 كيلومترا، لم يخف أحد المسنين ممن لا زالت تعاوده ذكريات معارك جبال الأوراس، استياءه وغضبه من الوضع السائد، وهو الذي لم يعد يستوعب وجوده بين هذه الجبال والممرات الوعرة والأكواخ، قائلا “أحوالنا ما زالت على حالها منذ العهد الاستعماري، ونحن أموات أحياء”. كلام الشيخ فتح شهية الكلام لشابين آخرين لزما الصمت تقريبا على مدى طول المسافة التي قطعناها، ففيما يشير عزالدين بيده من على نافذة السيارة إلى واحدة من القرى الواقعة بمحاذاة إحدى الوديان، أن أغلب سكانها محرومون من الكهرباء والماء، يقول سعيد، “إن إيصال الكهرباء والغاز ببلدية خيران يخضع لقاعدة الأقربون أولى بالمعروف، لأن الاستفادة من هذه الخدمات يخضع لنظام الولاءات الساري في البلدية”.
حياة السكان مرتبطة بمياه الواد
لكن الشيخ المسن قطع كلام الشبان قائلا “لم أعد أخشى من أحد في بلدية خيران، لا من مسؤولي البلدية ولا من قائد فرقة الدرك الوطني، أنا قابلتهم عدة مرات وقلت لهم أنتم أموات تحرسون الموتى”. وبينما كنا ننزل في طريق يأخذ شكل منحدر يستقر عند واد ممتد من الصخور لم يبق من مياهه الجارية إلا القليل بفعل قلة الأمطار وبروز مؤشرات الجفاف في المنطقة، راحت تتراءى أمامنا قرى ومداشر بلدية خيران، ولو أن المظهر العام للوادي الذي نمت على ضفافه بساتين ومحاصيل زراعية والواقع على مرمى حجر من مقر البلدية، يقود كل زائر للمنطقة استنتاج قناعة، مؤداها أن حياة السكان مرتبطة بالواد إلى حد كبير، فإذا عمّر الواد بمياهه نمت زراعتهم المعيشية، وإذا جفّت مياهه بقيت آفاق صيرورتهم المستقبلية معلّقة.
وقبالة هذا الواد الذي تخرج منه أيضا مياه ساخنة، يشدّك مظهر منازل تقليدية قديمة من حجارة متداخلة ومتراصة معلّقة في حافة صخور كبيرة تعود إلى ما قبل العهد الاستعماري تأخذ شكل مغارات وأقبية، وعندما تسأل الناس أمام مقر البلدية عما إذا كان هناك أناس ما زالوا يقطنون في تلك البناءات الحجرية المعلقة، يردون عليك بسؤال استفهامي “هل زرت قرية شبلة وصفية وايشزهار ودشرة توسيلت؟ شبلة هي قرية صغيرة تقع على بعد نحو كيلومتر عن مقر بلدية خيران، وجدناها معلّقة عند سفح جبل، قبالتها تتربع مساحات لبساتين النخيل على ضفاف الواد، يعبرها الطريق المؤدي إلى بسكرة، والناس المغلوبين على أمرهم هناك ما عادوا قادرين على الإفصاح عن انتمائهم لهذه القرية بالنظر للوضع الذي يصفونه بأنه لا يطاق.
في هذه القرية، وإن نجح البعض في تشييد منازل باستعمال الإسمنت ومواد بناء أخرى، فإن أغلب البيوت التقليدية التي بنيت بالطين والطوب، تأخذ شكل أكواخ وأقبية لا تقوى على مقاومة الطبيعة.

 


سكان شبلة ولما علموا بوجودنا لم يترددوا في الإلتفاف من حولنا، ففيما يشير شيخ مسنّ علينا بالالتفات يمينا لرؤية تلك البناءات التي حرم أهلها من الكهرباء لأسباب غير معروفة رغم أن أسلاك الكهرباء تمر فوقها، يقاطعه مصطفى قائلا “نحن في حيرة من أمرنا، فكل السكان الذين استفادوا من البناء الريفي في شبلة وخيران ما زالوا محرومين إلى غاية اليوم من الكهرباء والغاز والماء الصالح للشرب”. وفيما لم يكمل مصطفى حديثه، يهرول رجل يقترب من الـ 60 عاما، باتجاهه ويلح عليه “قل له إننا نشتري الماء الصالح للشرب يوميا من دائرة ششار بـ50 دينارا لـ 20 لترا، والمنبع الذي نتزوّد منه بالواد غير صالح للشرب، لأن درجة ملوحته عالية وحتى الخزان الخاص به تشرب منه الضفادع”. معاناة سكان قرية شبلة وخيران وصفية وتوسيلت، متواصلة إلى غاية اليوم أيضا مع البطالة وغياب الخدمات الصحية ومرافق الترفيه، بدليل أن مصطفى وعزالدين وسعيد وبعض المسنين، يقولون “إن العيادة موجودة ولكنها مهجورة، لأنها لا تقدّم خدمات، فمرة يأتي الطبيب وفي أغلب المرات يغيب، نساؤنا لما يحين موعد وضع حملهن ننقلهن إلى مستشفى دائرة ششار، وبينهن من لقين حتفهن على مستوى الطريق الرابط بين خيران وششار”. الوضع الاجتماعي العام السائد في بلدية خيران وقراها ومداشرها، جعل أحد المسنين يخرج من صمته ويقول “هذه القرى والمداشر تعرّضت أكواخها لعمليات حرق واسعة خلال الفترة الاستعمارية، وعرف سكانها عمليات تعذيب وقتل وتهجير، واليوم، ها أنتم تلاحظون واقعنا ومعاناتنا، نحن لم نذق بعد طعم الاستقلال”، ثم يضيف آخر على مرآى ومسمع بعض أعوان بلدية خيران بعد أن اشتعل غضبا” الحڤرة والتهميش والإقصاء والحقد جعلتنا لا نحس بأننا جزائريين”.
الكهرباء مقابل الصوت الانتخابي
عندما اقتربنا من مقر بلدية خيران في محاولة لمقابلة رئيس البلدية، أطلعنا أحد الأعوان بأن رئيس البلدية غائب، ولم نتمكن حتى من الحصول على رقم هاتفه، على اعتبار أن محاولتنا تلك أثارت غضب واستياء من كانوا يتحدثون إلينا” لماذا تبحث عن رقم هاتف رئيس البلدية، هل تريد أن يفيدكم بمعلومات كاذبة على حساب الميزيرية التي نعيشها، أنا لدي رقم هاتفه ولن أعطيك إياه” يقول أحدهم، قبل أن يضيف زميله وهو يشتعل غضبا “لا بد أن تعلم أن هناك عنصرية في طريقة إيصال الغاز الطبيعي والكهرباء في قرية شبلة، فالاستفادة تتم وفق قاعدة الأقربون أولى بالمعروف، هناك أزيد من 40 عائلة محرومة من الكهرباء”. هؤلاء يقولون إنهم تقدموا بشكاوى مرات عديدة إلى القائمين على تسيير شؤون البلدية لعلهم يلتفتون إلى أوضاعهم المزرية، لكن “في كل مرة يمطروننا بالوعود الكاذبة، مع أن رئيس البلدية هو ابن منطقة خيران”. لكن مصطفى ذلك الشاب الذي يقدّم نفسه على أنه أحد العارفين جيدا بالمنطقة، يقول إن هناك حالة انتقام من المواطنين البسطاء ممن صوّتوا لصالح مرشحين آخرين في الانتخابات التشريعية الفارطة، على اعتبار أن هذه القرى والمداشر المنتشرة في هذه البلديات المعزولة هي مجرد احتياطي انتخابي ينشط فيها سماسرة الانتخابات، يمطرون الناس بالوعود أيام الاستحقاقات الانتخابية وما أن تنتهي تعود القرى والمداشر تلك إلى واقع بؤسها ويأسها، بدليل نسبة البطالة التي فاقت كل التوقعات بولاية خنشلة بشكل عام، يضيف. بل “هناك شراء لذمم الناس، خاصة بعد أن عمل المسؤولون على إشاعة ثقافة “هذا معي وهذا ضدي”، وذلك على نحو رهن مستقبل الناس في المنطقة. والحقيقة أن الناس في ششار وبابار وجلال وحتى خيران يخافون من الإدلاء بآرائهم في مسائل تخص وضعهم الاجتماعي ومستقبل التنمية في المنطقة، بدليل أن البعض يتّفق معك على أنه سيتحدث في الموضوع، لكن عندما نعيد الاتصال به يخلف الوعد ويرفض الرد على مكالمتنا.
مياه الشرب على ظهور الحمير
القادمون من بلدية الولجة الواقعة على بعد 20 كيلومترا عن خيران، وهي أقصى نقطة جنوب ولاية خنشلة، ممن التقينا بهم في خيران، يقولون إن الوضع في بلدية الولجة لا يقل مأساة عن خيران وقراها ومداشرها “الماء الصالح للشرب نقوم بشرائه يوميا من دائرة ششار ونستقدمه في صهاريج. طبعا بالنسبة للناس الذين يتوفّرون على إمكانيات، أما المغلوبين على أمرهم فيتدبّرون أحوالهم بطرق أخرى” يقول عمر. الأخير أشار علينا بزيارة مختلف القرى والمداشر الواقعة على بعد 15 كيلومترا للوقوف على مظاهر الحياة البدائية في جزائر العزة والكرامة قبل أن يقطع حديثه زميله “الناس في تلك المداشر ما زالوا يأتون بمياه الشرب على ظهور الحمير على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومترا على نحو ما كانت عليه الأمور قبل قرن من الزمن”.

 


والواقع أن الزائر لمعظم بلديات خنشلة لا سيما الواقعة إلى الجهة الجنوبية الغربية، بوسعه أن يلحظ إقبال مواطنين على شراء مياه الشرب من لدن أصحاب الصهاريج، وهو ما وقفنا عليه في دائرة ششار وبلدية بابار وخيران والولجة وحتى في قلب مدينة خنشلة، والناس على امتداد الشريط الجنوبي للولاية يتساءلون إلى غاية اليوم عن الفائدة والخدمة التي يقدّمها سد بلدية بابار، هذا السد وبإجماع مواطنين ومثقفين وحتى مسؤولين لا يزوّد سكان بلديات الولاية بمياه الشرب، كما لا يزوّد فلاحي المنطقة بمياه السقي، مما يطرح بالتالي تساؤلا أكبر عن الهدف من إنجازه. يحدث ذلك، في سياق حديث بعض الأوساط المطلعة بمدينة خنشلة على ملابسات تتعلق بالكيفية التي أنجز بها السد. وفي انتظار إيجاد حل لسد بابار، تبقى الآمال معلقة على المشروع الجديد الذي تعتزم السلطات العمومية إنجازه ببلدية الولجة بمنطقة (واد العرب). الناس في بلدية وقرى ومداشر الولجة ما عادوا قادرين على تحمّل متاعب العزلة، لأن الوضع الاجتماعي الذي يضغط بثقله وانسداد آفاق الرؤية المستقبلية أمامهم، جعل البعض منهم يفكّر في الهجرة نحو بلديات أخرى توفّر حدا أدنى من ظروف العيش.
من العزلة إلى انتقام المسؤولين
شهادات أبناء الولجة تفيد أن الطريق الرابط بين قرية شبلة والولجة كارثي للغاية ويصبح غير قابل للاستعمال في فصل الشتاء عندما يفيض الواد، لأن الجسور غير منجزة، مما يجعلهم رهينة تحسّن أحوال الطقس، في ظل غياب وسائل النقل من الولجة باتجاه خيران وششار وباقي المناطق الأخرى. وعلى الرغم من أن الولجة هي نقطة تلاقي الولايات الثلاث، خنشلة، باتنة وبسكرة، وتتوفر على مقومات وإمكانيات فلاحية وسياحية، إلا أنها غير مستغلة، لأن طاقات المنطقة معطلة، لتتحول قرى ومداشر المنطقة إلى أحزمة الفقر “المواطن هنا إذا لم يبع لترا من الزيت أو كمية من الخضر، سيموت جوعا”، يقول كمال شاب مستاء من الوضع السائد في المنطقة وحريص على متابعة كامل المستجدات التي ترد عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يضيف “التشغيل غير متوفر تماما والوضع يدق ناقوس الخطر، هناك مسؤولون قاموا بتوظيف أشخاص قدموا من باتنة، بابار، الخنقة.. على حساب أبناء المنطقة، بل هناك تعسّف للمسؤولين وانتقام من المواطنين ممن لم يصوّتوا عليهم، أي هذا الانتقام وراءه تصفية حسابات سياسية”، قبل أن يضيف شاب آخر “المصالح الشخصية تغلبت على كل شيء لدرجة أن علاقة القرابة التي كانت سائدة مسحت إلى حد ما، والدليل على هذا الانتقام هو كميات مياه الصهاريج التي توزّع على المواطنين التي تتم حسب نظام الولاءات”.

 


ما عرفناه من أبناء الولجة هو وجود ضغط مسلّط على المواطنين، في وقت لا يزال بعضهم محروم من الكهرباء ويقيم البعض الآخر في أكواخ وأقبية. الوضع بهذه القرى والمداشر يدل على عدم التفات المسؤولين من حولهم لبناء الريف وجعل الحياة ممكنة، بتوفير مزيد من المرافق على نحو يجعل المدينة لا تعيش ضغطا، بل إن ما حصل هو تخريب الريف وترييف المدينة، فاختل طرفا المعادلة بين الريف والمدينة، فلا الناس أصبحوا قادرين على تحمّل متاعب العزلة في القرى والمداشر، ولا المدينة باتت قادرة على استيعاب الجيوش البشرية الوافدة إليها.
بل ويطرح الوضع السائد، تساؤلات أخرى عن غياب مظاهر التنمية بهذه البلديات، الناجمة عن تجسيد برامج مشاريع المخططات الخماسية منذ 1999 إلى غاية 2015 وأيضا المشاريع الناجمة عن تجسيد برامج صندوق دعم مناطق الهضاب العليا، لأن مظاهر التنمية غائبة أيضا في ششار، واحدة من أكبر دوائر خنشلة.
هدوء يسبق العاصفة
“لسنا مقتنعين ولسنا راضين على طريقة تسيير المنطقة، هناك تحايل في توفير مناصب الشغل وتجاوزات تخص العقار باسم الاستثمار، وإلى غاية اليوم لم نر بعد مظاهر التنمية، فالبطالة مرتفعة جدا ولا يوجد مصنع واحد ولا حتى وحدة إنتاج”. هذا ما يقوله بعض الشباب ممن التقينا بهم هناك، وهم الذين سبق لهم أن قدّموا رسالة إلى وزيرة التضامن خلال زيارتها للمنطقة العام الفارط، وطلبوا منها تسليمها إلى رئيس الجمهورية وإلى الوزير الأول.
وتضمّنت الرسالة “التنديد بالحڤرة والتهميش والإقصاء وعدم المبالاة”. وتابع هؤلاء يقولون “قلنا في رسالتنا إننا مهمشون ومقصون من قبل السلطات المحلية، وهي رسالة استنجاد”. آنذاك هدد شباب ششار بتنظيم مسيرة حاشدة احتجاجا على الوضع السائد، إلا أنهم تراجعوا عنها بعد أن تم تنظيم جلسات حوار مع السلطات المحلية، وقدّم لهم وعدا يقضي بتخصيص الوالي آنذاك لغلاف مالي قدره 70 مليار سنتيم للتنمية المحلية، لكن هؤلاء يقولون اليوم “إن احتجاجنا وتدمّرنا ما زال قائما، لأن الفساد ما زال مستشريا” بينما يقول آخرون “إذا لم تكن من أتباع رئيس البلدية لا تستفيد من أي شيء، فالمحسوبية تجاوزت كل التوقعات”.
وما فهمناه من آراء هؤلاء، أن هناك أمر واقع مفروض على هؤلاء الشباب تغذيه حسابات سياسية، خاصة وأن بعضهم يعترف صراحة “إذا طلبت سكنا أو شغلا يردّون عليك بالقول “اذهب إلى بن فليس يعطيك سكنا ووظيفة”، كما لو أن هؤلاء يدفعون اليوم ثمن اختياراتهم الانتخابية، وأفرزت هذه الثقافة معادلة “إما أن تكون معي وإما أن تقصى من الحصول على حقوقك”. ما يثير انتباه الزائر لششار هو الحشود البشرية المتجمعة في الساحات والأماكن العمومية، مما يجعلك تستنتج أن البطالة وصلت إلى معدلاتها القياسية، رغم الأراضي الفلاحية الخصبة الواسعة على امتداد البصر.

 


دخلنا إلى مقر بلدية ششار لمقابلة رئيس البلدية، إلا أن أحد الأعوان رد علينا بأن رئيس المجلس خرج لحضور اجتماع. الوضع في بلديات جلال وبابار ولمصارة وتبردقة وثامزة، لا يقلّ مأساة عن ششار وخيران والولجة، على اعتبار أن سكان جلال ممن يتوفرون على واحدة من المستشفيات، محرومون من النقل ولا يزال بعض المواطنين يقيمون في أكواخ شبيهة بمغارات، فيما لا يزال سكان بابار يشترون مياه الشرب على الرغم من أن أكبر سد في خنشلة يقع على مرمى حجر منهم، والأمر نفسه بالنسبة لسكان بلدية سيار.
المخدرات والسرقة والاعتداءات الوجه الآخر لخنشلة
وتشير بعض الأوساط القريبة من محيط والي خنشلة، أن الأخير فتح منذ مجيئه، تحقيقات في شأن ملابسات استفادة أشخاص من ملكيات عقارية باسم الاستثمار، أسفرت عن نزع الملكية لبعضهم، فيما لا يزال العمل جار بخصوص التحقيق مع آخرين. ويقول مثقفون ومسؤولون بمدينة خنشلة، إن ولاية خنشلة تعتبر منسية ومعزولة كونها تقع بين باتنة وبسكرة، وتظهر هذه العزلة جليا في غياب مشاريع التنمية، ولو أن عارفين بالمنطقة يرجعون ذلك إلى فشل المسؤولين المحليين، كرؤساء البلديات ورؤساء المجالس الشعبية الولائية وأعوان الإدارة، ويقولون، إنه ينبغي إعادة النظر في سياسة التنمية سواء كانت فلاحية أو صناعية، والدليل على فشل التنمية بالولاية هو أن المنطقة لا تنتج شاحنة واحدة من البطاطا حاليا رغم كونها تتربع على أكبر الأراضي الفلاحية وأجودها ويتواجد بها سد يتربع على 44 مليون متر مكعب، بعدما كانت تصدّر هذه المادة وتمول باقي الأسواق قبل 10 سنوات. المثقفون من أبناء خنشلة يقولون، إن هناك غياب للتنسيق بين المستثمرين الشباب والإدارة وكذا غياب التكوين المدروس في الولاية على نحو مكيف مع احتياجات السوق، فضلا عن وجود عراقيل كبيرة في أوجه المستثمرين الحقيقيين لأسباب مجهولة. والحقيقة أن الزائر لخنشلة قد تفاجئه حقيقة عدم توفر الولاية على مصنع واحد لمستثمر حقيقي، ما عدا بعض وحدات إنتاج الحليب وتصديره لإحدى الملبنات الخاصة، لذلك فغياب الاستثمار الحقيقي رغم توفر الولاية على إمكانيات طبيعية، جعل البطالة بمدينة خنشلة وبلدياتها تصل إلى دروتها، مما قاد إلى إفراز ظواهر اجتماعية، بينها الإقبال الكبير على المخدرات والمشروبات الكحولية والسرقة والاعتداءات التي تحولت إلى مصدر رزق.
مسؤولية المنتخبين أيضا
وأرجع أحد المثقفين فشل الاستثمار والتنمية رغم مجهودات الوالي الجديد، إلى القرارات الانفرادية للهيئة التنفيذية دون إشراك المجتمع المدني الفعال، في وقت لا تزال فيه المنطقة الصناعية مهجورة، وهناك من استفاد من أراضي دعم الدولة، ثم حوّلت إلى سكنات دون رقيب أو حسيب، فضلا عن كون المنتخبين المحليين يتواجدون في موقع ضعف ولا يحوزون على تصورات خاصة بالتنمية، فإما حاز هؤلاء، يضيف، على دعم من عرشهم أو من الإدارة، أي أنهم ممثلون لا يستندون لأي تصور أو استراتيجية، وقال إن تصنيف المناطق شرط ضروري من الناحية الجبائية، أي مراعاة خصوصية كل ولاية.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول