يوميات شعب شجاع أدهش العالم 

روبورتاجات
5 مارس 2015 () - المخيمـــات الصحراويـــة بالجنـــوب الجزائري: مبعوث “الخبر” لحسن بوربيع
0 قراءة
+ -

 صرح الوزير الأول لحكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في احتفالات الذكرى الـ39 لتأسيس هذه الجمهورية في مخيم السمارة للاجئين الصحراويين أن “نظام المخزن يوجد في عزلة دولية لم يسبق له أن عاشها”. واعترف السيد عبد القادر الطالب عمر أن الفضل يعود لتجند المجتمع الدولي مع الشعب الصحراوي. هذا الشعب الذي يتنقل إليه بانتظام وعلى مدار أيام السنة مئات المواطنين من كل بقاع العالم، يتنقلون إلى الأراضي المحررة أو إلى مخيمات اللاجئين قرب مدينة تندوف الجزائرية، يحملون له المساعدات، ويشعرونه أنهم لن يتخلوا عليه. ويعودون إلى أوطانهم مندهشين من “صبر” هذا الشعب وإصراره على مطلبه الوحيد “استعادة الوطن المغتصب”.

 

متضامنون من قارات العالم الخمس

ليس سهلا الوصول إلى الأراضي الصحراوية المحررة، كما أنه ليس من السهل الوصول إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين، رغم أنه لا توجد أية عوائق إدارية، ولا شيء مما تدّعيه وسائل الإعلام المغربية. العائق الوحيد هو البعد. ومع ذلك يتنقل المناضلون المتضامنون مع الشعب الصحراوي من أمريكا الجنوبية، ومن مختلف دول القارة الآسيوية وكذلك من كل الدول الأوروبية، خاصة من فرنسا وإسبانيا، وهما الدولتان اللتان تتميزان عن بقية دول العالم بوقوفهما ضد الشرعية الدولية، وتواصلان عرقلة كل مساعي الحل العادل الذي تتبناه الأمم المتحدة ومجلس أمنها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

فقد استقبل الصحراويون في مخيم السمارة للاجئين نهاية شهر فيفري الماضي أكثر من 700 مواطن من مختلف دول العالم، منهم أكثر من 400 جاءوا للمشاركة في “ماراطون الصحراء”. هذه التظاهرة الرياضية التي تأسست قبل 15 سنة، بادر بها المناضل الإسباني خوان كوكا كويستا، لمجابهة رالي باريس داكار، الذي قرر منظموه الفرنسيون تحويله لعبور الأراضي الصحراوية المحتلة. وصار “ماراطون الصحراء” أكثر رواجا من رالي باريس داكار الذي اندثر لأن منظميه أرادوا التغطية على ما يحدث في آخر مستعمرة في القارة الإفريقية، كما يريد أن يفعل هذه الأيام منظمو المنتدى الاقتصادي “كرانس مونتانا”، والذين بدأت اللعنة تطاردهم، باتساع رقعة المقاطعين الذين استجابوا لدعوات المنظمات الإنسانية التي وحدت صرختها ضد هذا اللقاء.

فبدل أن يحقق منظمو منتدى “كرانس مونتانا” للمملكة المغربية الترويج الذي كانت تنتظره منه ونشر طروحات المملكة المغربية، حقق المنتدى قبل انطلاقه نتائج عكسية وصار في خدمة الشعب الصحراوي وقضيته، بفعل توالي التنديدات بتنظيمه فوق أرض محتلة وخلافا لكل قواعد القانون الدولي. وتحوّل هذا المنتدى إلى منبر جديد للقضية الصحراوية ومعاناة شعبها في الأراضي المحتلة وفي المنفى والمخيمات. 

 

مخيمات الصبر والإيمان بالقضية

وفي موضوع مخيمات اللاجئين الصحراويين في صحراء تندوف الجزائرية، لا يمكن لزائرها أن يعود إلى ذويه بالأفكار نفسها التي وصل بها إليها. هناك في “الحمادة” يعيش كثير من الأطفال والنساء بأبسط ما تتطلبه الحياة. مساكن طوبية وخيم، الحد الأدنى من الأكل والماء، يلبسون ما يصلهم من مساعدات من مختلف أنحاء العالم، يمشون فوق أرض ترابية جرداء. ويتدبر الرجال في مختلف الأعمار أحوالهم، لكنهم لا يحرجون الزائر، ولا يبدون لهم أي انزعاج من العيش في تلك الظروف الصعبة.

مخيمات اللاجئين الصحراويين في صحراء تندوف عبارة عن تجمعات سكنية ضخمة، تأوي في مجموعها أكثر من 220 ألف نسمة. وهو العدد الذي يرعب المملكة المغربية. يتوفر في بعضها التيار الكهربائي، مثل مخيم الرابوني أو مخيم بوجدور، لكونهما يأويان المصالح الإدارية لحكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. ويستطيع أي زائر لمخيم بوجدور أن يتجول قرب سكن رئيس الجمهورية الصحراوية السيد محمد عبد العزيز، ويلاحظ أنه لا يختلف عن غيره من المساكن الطوبية التي تعيش فيها كل العائلات الصحراوية. وربما يختلف عليها بمظهر واحد فقط، وهو كونه يضم مجموعة من الأشجار في جهته الخلفية. أما بقية مساكن العائلات الصحراوية في مختلف المخيمات، فإنها متشابهة من حيث البناء الذي يعتمد على “الطوب” وقد تختلف في التفصيل والتقسيم، حسب عدد أفراد العائلة ووضعها المادي.  ويعتمد السكان في المخيمات على اللوحات الشمسية للإنارة الليلية ولتشغيل بعض التجهيزات إن توفرت لهم. وتملك كل عائلة صهريجا تضعه عند مدخل مسكنها يتم ملؤه مرة كل أسبوع عن طريق شاحنات مصهرجة، ولا تتوفر البيوت على أي أثاث باستثناء الأفرشة الأرضية والزرابي ومعدات الطبخ وتحضير الشاي. ولا يستطيع زائر المخيمات أن يجد وجهته إن لم يكن معه مرافق، بالنظر لتشابه البنايات والأزقة. 

ويلاحظ المتجول في المخيم أقواسا من الحجارة موضوعة في الأرض في مختلف المواقع، وحتى على جانب الطرق المعبدة التي تؤدي إلى مدينة تندوف. ولا يكتشف سرها إلا عندما تحين مواعيد الصلوات، عندما يشاهد الناس تصلي فيها.. هذه البساطة التي لا ينزعج منها الصحراويون تحير زوارهم، الذين جاءوهم من مدن يتوفر فيها كل ما يمكن تصوره، لكن لا تتوفر فيها السكينة والاطمئنان. 

فإذا استيقظت باكرا في مخيم للاجئين الصحراويين تشاهد الأطفال متوجهين إلى مدارسهم مثلما يفعل كل أطفال العالم. وتكتشف أنهم حريصون على النجاح في دراستهم وإتقان الحديث بالعديد من اللغات، تماما كما يتقنون لغتهم الأصلية وهي “الحسانية”. حيث يتكلم الطفل الصحراوي اللغة العربية الفصيحة بطلاقة، كما يتقن اللغة الإسبانية، وكثير منهم يتكلمون الانجليزية دون صعوبة. وهي اللغات التي يتعلمونها منذ مرحلة التعليم الابتدائي ثم المتوسط.

 

عز الدين الشلفي يطيح بالشاب خالد في المخيمات 

في مخيمات اللاجئين الصحراويين يحس المرء أنه في ولاية الشلف أو في منطقة الظهرة بالغرب الجزائري، من كثرة استماع الشبان الصحراويين لأغاني عز الدين الشلفي. وعندما تسألهم عن “الشاب خالد” المغني الجزائري العالمي لا يذكرونه بسوء، ويقولون إنه مغن مشهور ولا يزيدون عن ذلك شيء، وتحس أنهم متحسرون مما أقدم عليه “الشاب خالد” بقبول هدية محمد السادس الذي منحه الجنسية المغربية، لكنهم لا يقولونها صراحة. وعلى خلافه يستمع الشبان الصحراويون كثيرا لعز الدين الشلفي، الذي يغني للحب وللوالدين ويصرخ ضد الظلم والحڤرة. ولا تكاد سيارة تخلو من أقراص هذا المغني الذي ذاق العذاب في مدينته. ويردد الصحراويون أغانيه مثلما يرددون أغاني مغنيهم. 

 

براهيمي وسليماني وحليش في مخيمات الصحراويين

ويحدثك أطفال الصحراء الغربية باعتزاز عن تأهل المنتخب الوطني الجزائري للدور الثاني في نهائيات كأس العالم الأخيرة، ويتشبه أطفالهم عندما يداعبون الكرة بياسين براهيمي وإسلام سليماني ورفيق حليش، ويعشقون من بين الفرق الإسبانية فريق برشلونة لأنه ينتمي إلى منطقة ثائرة. ولا يعرف أنصار الفريق الوطني الجزائري أن الناس تخرج إلى شوارع المخيمات بالرايات الوطنية الصحراوية والجزائرية في كل مناسبة يخرجون فيها هم أيضا إلى الشوارع للاحتفال بانتصارات “الخضر”. كما لا يعرف الأنصار الجزائريون أن “أنصار صحراويون” تعرضوا للقمع والضرب بالهراوات وزجوا في السجون في مدن الأراضي الصحراوية المحتلة، لأنهم خرجوا مثلهم إلى الشارع للاحتفال بما يحتفلون به واحتفل به حتى سكان مدن المملكة المغربية. 

 

الوعي الكبير بالمخاطر المحدقة بالمنطقة

في مخيمات اللاجئين الصحراويين يشاهد المرء “الصبر” بعينيه في أعين الأطفال والنساء وكذلك الرجال. هؤلاء الرجال الذين ولد أغلبيتهم في تلك المخيمات يتشوقون إلى بلادهم، ويتشوقون أيضا لحمل السلاح لاسترجاعها، كما فعل أسلافهم الذين خاضوا الحرب تحت لواء جبهة “البوليزاريو”. ويجد المتقدمون في السن صعوبات كبيرة لإقناعهم بمواصلة الصبر، “لأن أية خطوة غير مدروسة أو منفردة قد تسبب للقضية مشاكل هي في غنى عنها” كما يقول السيد أحمد الطالب، أحد المحاربين القدامى ضد الغزو المغربي. ويضيف “نعرف وتعرف قيادة ثورتها أن كثيرا من أبناء الجيل الجديد من الشباب والكهول لم يعيدوا يطيقون التحمل. ونسعى جاهدين إلى إقناعهم أن أي حركة غير مدروسة سيستغلها المخزن المغربي لتشويهنا وتعويم نضالنا في التحركات المشبوهة والموجهة في منطقتنا لإحداث مثل ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا. إن شبابنا واعون بهذه المخاطر، ويوجدون في الصفوف الأولى في جبهة البوليزاريو لمواجهة الجماعات الإرهابية التي تأتمر من دوائر التخريب في العالم، والتي تسعى لإحداث الفوضى التي لا تخدم أي بلد من بلدان المنطقة”. 

ولقد توفرت لجبهة البوليزاريو سنة 2001 “فرصة تاريخية” لإثبات أن المملكة المغربية لا تتحكم في الصحراء الغربية كما تدّعي، عندما اتفقت مع منظمي رالي باريس دكار على عبوره الأراضي الصحراوية المحتلة. وظهر حينها توجه قوي في صفوف جنود جبهة البوليزاريو يدعو إلى “اعتراض الرالي”. لكن القيادة السياسية قررت غير ذلك وأقنعتهم بالعدول عن ذلك الخيار. وعندما تسأل الصحراويين لماذا لم يضربوا الرالي؟ يردون عليك: “لأن شقيقنا الأكبر الجزائر كان يواجه متاعب. لم يكن التاريخ ليعفو عنا لو أضفنا له متاعب أخرى”. ويقول كل الصحراويون الذين تحدثنا إليهم، سواء مدنيون أم عسكريون، إن “العودة إلى حمل السلاح وخوض الحرب مجددا من أسهل الأمور عليها. لكننا اخترنا عن قناعة سبيل السلم واحترام القانون الدولي، وسنواصل”. ويحسسك الصحراويون بمستوى كبير من الوعي بالأوضاع الدولية والإقليمية، وحساسية أية خطوة متسرعة وغير مندمجة في استراتيجية الكفاح التي اختاروها.

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول