الشمس.. الـثروة المنسية!

روبورتاجات
25 ديسمبر 2015 () - وهران: محمد درقي
0 قراءة
+ -

يكشف المخطط الوطني للطاقات المتجددة والنجاعة الطاقوية الذي أقرّه مجلس الوزراء المنعقد في 24 ماي 2015، التوجهَ الاقتصادي الجديد الذي تُعول عليه الجزائر استعدادا لمرحلة ما بعد البترول، حيث ضبطت الحكومة عقارب ساعتها الاقتصادية على استغلال الحقول الشمسية التي يُجمع كل الخبراء الاقتصاديين على أنها ثروة منسية، بإمكانها المساهمة في تخليص الاقتصاد الجزائري من التبعية المطلقة للريع النفطي.

 تسببت الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر، بفعل التراجع الرهيب الذي عرفته عائدات البترول هذه السنة بنسبة قدرها وزير الطاقة صالح خبري بـ45% مقارنة بالسنة الماضية، فضلا عن استمرار نضوب احتياطي مادة الغاز إثر استعماله المكثف في إنتاج الكهرباء، تسببت في دفع الجهات المسؤولة كرها نحو الاستثمار في الشمس من أجل استغلال المخزون الشمسي الهائل لإنتاج الطاقات البديلة، حيث رصدت الحكومة مبلغ 60 مليار دولار في شكل استثمارات من أجل تجسيد مشروع إنتاج 22 ألف ميغاواط في آفاق 2030، عن طريق الطاقة الشمسية الكامنة في صحراء الجزائر.

60 مليار دولار لإنتاج 22 ألف ميغاواط
بلغة اقتصادية بحتة، فإن التوجه نحو الطاقات المتجددة لم يعد خيارا في الوقت الراهن بالنسبة للجزائر، بل حتمية لا مناص منها، خاصة مع تراكم العوامل المذكورة، والتهديدات التي باتت تشكلها الانبعاثات الغازية الناجمة عن إنتاج الكهرباء بتلوث البيئة وتغير المناخ، وهو ما يؤكده طرح باداج كمال رئيس سلطة الضبط للغاز والكهرباء، والذي شدد في دراسة استعرضها مؤخرا بوهران على ضرورة الاقتصاد في استعمال الغاز حفاظا على احتياطي هذه المادة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وذلك بالنظر إلى التزايد الرهيب للاحتياجات الوطنية مستقبلا، باعتبار أن الاستهلاك الوطني لهذه المادة سيقفز من 40 مليار متر مكعب سنة 2015، إلى 73 مليار متر مكعب سنة 2030، و86 مليار متر مكعب سنة 2050، الأمر الذي من شأنه أن يقلص الاحتياطي الوطني للغاز إلى حدود 900 مليار متر مكعب سنة 2030، علما أن الاحتياطي الراهن للغاز يقدر بـ4500 مليار متر مكعب.

وبنفس الوتيرة التصاعدية، ستعرف احتياجات البلاد من الكهرباء، يضيف ذات المتحدث، تطورا كبيرا يستوجب اللجوء إلى طاقات بديلة ومتجددة، حيث إن الدراسات الاقتصادية الاستشرافية التي قامت بها الهيئات المختصة تفيد بأن الاستهلاك الوطني للكهرباء سيرتفع من 12400 ميغاواط حاليا (2015) إلى حدود 35 ألف ميغاواط سنة 2030، ليصل إلى سقف 88 ألف ميغاواط في غضون سنة 2050، وهي مؤشرات رقمية تُحتم الاتجاه صوب استغلال الثروة الشمسية في صحراء الجزائر التي تشكل نسبة 80% من المساحة الإجمالية للبلاد التي تعادل 2 مليون و381 ألف و741 كيلومتر مربع.

اقتصاد 30 مليار متر مكعب في آفاق 2030
وكنتيجة مباشرة، ستجني الجزائر امتيازات مباشرة في حال تنفيذ المشروع بالشاكلة التي تم تسطيرها من قبل الجهات الوصية مؤخرا، حيث يؤكد رئيس سلطة الضبط للكهرباء والغاز بأن المشروع سيسمح باقتصاد 30 مليار متر مكعب من الغاز سنة 2030، وهي كمية كبيرة من هذه المادة النفيسة، ناهيك عن تغطية احتياجات الاستهلاك الوطني للكهرباء انطلاقا من الطاقة الشمسية في الجنوب، خاصة أنه تقرر ربط شبكة أدرار بالشبكة الوطنية في الشمال ابتداء من سنة 2020، إذ سيتم تمديد الخطوط الكهربائية من ولاية بشار إلى أدرار، ومن غرداية إلى عين صالح، لتصبح الشبكة الكهربائية الوطنية شبكة موحدة.

ويُجمع خبراء الاقتصاد على الخطأ الجسيم الذي تورطت فيه الجهات المسؤولة بإهمالها ثروة نفيسة لا تقل أهميتها عن الثروة النفطية التي تشكل عائداتها نسبة 97% من الاقتصاد الوطني. ويستدل الأستاذ بن بريكة محمد المتخصص في الطاقات المتجددة على هذا الطرح بالمناجم والحقول الشمسية الهائلة التي تملكها البلاد، حيث أفاد بأن الدراسات توضح أن صحراء الجزائر تستأثر بأكبر تغطية شمسية موجودة في الكرة الأرضية بأكملها، ومخزونها الشمسي الهائل بإمكانه توليد طاقة كهربائية تكفي احتياجات الطاقة التي تستهلكها دول المعمورة. باعتبار أن الصحراء الجزائرية تستفيد من مجموع 3 آلاف ساعة إطلالة للشمس في السنة، ما يكفي لإنتاج 2000 كيلوواط في كل متر مربع.

400 مليار أورو لم تشفع لتجسيد مشروع “ديزيرتيك”
ورغم الاستفاقة المتأخرة التي استظهرتها السلطات العمومية في الآونة الأخيرة، في شكل استراتيجية طاقوية جديدة تحت ضغط أزمة المحروقات في السوق العالمية، يتأسف الخبير بن بريكة للفشل الذريع الذي منيت به كل المشاريع الاستراتيجية التي عزمت الدولة على تجسيدها في السنوات الماضية، ولعل أبرزها مشروع “ديزيرتيك” الذي تقرر سنة 2009 بكلفة مالية إجمالية تعادل 400 مليار أورو، إذ لم ير هذا الأخير النور منذ الإعلان عن نية تجسيده من قبل مؤسسة “ديزيرتيك” الألمانية في شمال إفريقيا، بشراكة مع مجموعة من الشركات والبنوك الألمانية المهتمة بهذا المجال، والتي أبدت استعدادها لتمويله بشكل كبير، قبل أن تتراجع وتنسحب لضغوط واعتبارات متعددة حالت دون تنفيذ المشروع، فمن أصل 20 شركة انسحبت 17 شركة، علما أن المشروع كان يهدف آنذاك إلى تزويد أوروبا بـ20% من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية.

ورغم وجود محطات معدودة في مناطق مختلفة من الجنوب الجزائري، فإن أثرها، يضيف ذات المتحدث، يبقى شبه منعدم، حيث إن محطة حاسي الرمل لا تنتج سوى 130 ميغاواط، بينما تكلل مشروع إنجاز محطات أخرى في منطقة قمار والجنوب الغربي بالتعثر، بعد أن قررت مؤسسة سونلغاز توقيف المشروع. أما المحطات الهجينة الأخرى فلا تعدو أن تكون تلك المتواجدة في منطقة برج باجي مختار، ومحطة نيل بحاسي الرمل التي يملك المتعاملون الإسبان فيها أسهما أكثر من الجـــــــزائر، بقـــدرة توليد للكهرباء تعــــــادل 130 ميغاواط فقط.

وخلافا لهذا الوضع الذي فوّت على الجزائر استغلال ثروة لا تنضب، وبأريحية كبيرة نتيجة البحبوحة المالية التي عرفتها البلاد طيلة 10 سنوات الأخيرة، لدرجة إقدام الجزائر على مسح ديون العديد من الدول الإفريقية، وذلك بفعل ارتفاع سعر برميل البترول إلى حدود قياسية، تمكنت بلدان أخرى لا تملك لا المؤهلات الطبيعية ولا المادية التي تتمتع بها الجزائر من إقامة مشاريع استراتيجية واعدة، حيث يستشهد بن بريكة على ذلك باستفادة مصر مؤخرا من 500 مليون دولار من الاتحاد الأوروبي لإقامة استثمار في مجال الطاقات المتجددة. بينما نجحت المملكة المغربية في إطلاق مشروع تجسيد أكبر محطة شمسية في الأرض تناولتها قمة المناخ الأخيرة المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس، ما انتهى بالاتفاق على عقد القمة المقبلة للمناخ في مدينة مراكش المغربية. واستعرض الأستاذ بن بريكة في تحليله الاقتصادي الخسائرَ الكبيرة التي تتكبدها الخزينة العمومية جراء إهمال ثروة الطاقة الشمسية التي تزخر بها البلاد، فزيادةً على الاستنزاف الكبير للغاز الذي يتم حرقه بكميات كبيرة لإنتاج الكهرباء، تقوم الحكومة حاليا باستيراد ما مجموعه 3 ملايير دولار من مادتي البنزين والمازوت من الخارج، في ضوء محدودية محطات التكرير الموجودة، ما يعني بصورة أكثر تفصيلا بأن السلطات تشتري هاتين المادتين بقيمة 0.9 أورو للتر الواحد، وتبيعه للمواطنين بـ0.13 أورو للتر، أي خسارة مباشرة بـ0.77 أورو عن كل لتر. علما أن جانبا كبيرا من هذه المواد يُسخر لتشغيل المحطات المولدة للكهرباء، وهو ما كان الأجدر تفاديه في حال وجود استثمارات جدية للطاقات المتجددة، سواء عن طريق الطاقة الشمسية أو الرياح.

برميل كوكاكولا أغلى من برميل البترول الخام!
كما عاب بن بريكة السياسة الاقتصادية المنتهجة منذ سنوات، والتي تركز على الريع النفطي ومداخيل المحروقات، بالرغم من وجود مؤهلات حقيقية لتنويع مصادر الثروة تسمح بتجنب الوقوع في الأزمات، مثلما تعيشه البلاد حاليا في صورة قرارات مركزية تدعو إلى التقشف بفعل تراجع المداخيل، مضيفا بأن البترول من المفروض أن لا ينفد في البلاد، وأن يتم تخصيصه لتفعيل الصناعة البتروكيماوية الوطنية، لأن هناك أكثر من ألف منتج يعتمد في إنتاجه على هذه المادة. وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى حجم الخسارة المباشرة أثناء عملية بيع سعر البترول الخام، خاصة عندما تتهاوى الأسعار في السوق الدولية مثلما هو حاصل منذ شهور، إذ إن برميل كوكاكولا حاليا أغلى من برميل البترول الخام (البرميل سعته 159 لتر) الذي تدنى سعره إلى 40 دولارا، مضيفا “نعمل حاليا على تصدير البترول الخام الذي يرجع إلينا في شكل منتجات متعددة ندفع مقابلها اعتمادات مالية باهظة”.
ولا تقتصر مزايا تطوير إنتاج الطاقات المتجددة، حسب خبراء الاقتصاد، على الحفاظ على الثروات النفطية وتسخيرها للاحتياجات الوطنية، بل تتعدى ذلك بكثير، حيث يساهم الاستثمار في الطاقات الشمسية في تدعيم الناتج المحلي الخام، من خلال المرور إلى تصدير الطاقات الشمسية التي يتم إنتاجها نحو الخارج، باعتبار أن المشروع المسطر لإنتاج 22 ألف ميغاواط يهدف إلى تخصيص جزء من الإنتاج للتصدير.
كما أن التركيز على إنتاج الطاقة عن طريق الثروة الشمسية سيؤدي إلى التصدي للانشغال الكبير الذي تعاني منه الكرة الأرضية، والمتعلق بالتغير المناخي الناجم أساسا عن الثلوث والانبعاثاث الغازية الكبيرة، جراء استعمال الطرق الكلاسيكية في توليد الكهرباء عن طريق حرق الغاز، وهو الهاجس الأكبر الذي جعل معظم قادة العالم يجتمعون في قمة باريس الأخيرة لإيجاد حلول عملية مستقبلا تنتهي بالحفاظ على كوكب الأرض. ومن المكاسب المهمة للطاقات المتجددة حسب بن بريكة: الحفاظ على الصحة العمومية للمواطنين من خلال تضاؤل الانبعاثات الغازية التي تؤدي إلى استهلاك أموال ضخمة من أجل مواجهة مختلف الأمراض التي تتسبب فيها هذه الانبعاثاث الملوثة للمحيط.
وتتعزز هذه المكاسب، يضيف ذات المتحدث، بالنظر إلى تزايد الوعي لدى المجتمع الدولي بأهمية الطاقات البديلة والنظيفة، حيث تؤكد الدراسات الاستشرافية أن الطاقة الشمسية ستستحوذ في آفاق 2030 على 40% من حجم الطاقة المستعملة في كامل الكرة الأرضية، ما يستوجب على الجزائر ربح الوقت من خلال تجسيد البرامج المعلن عنها، وعدم تكرار أخطاء الماضي.

مساهمة الطاقات البديلة في إنتاج الكهرباء لم تتعد 1%
من جهته تأسف الدكتور عبد الرحمن عية، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تيارت، لتفويت الحكومة الفرص السانحة التي كانت بحوزتها لعقلنة تكلفة إنتاج الكهرباء بالاعتماد على الطاقات المتجددة، الأمر الذي أفضى اليوم إلى لجوئها، في ظل الانهيار الكبير لأسعار البترول الذي سيدفع بأسعار الغاز إلى الانهيار كذلك لا محالة، إلى الاعتماد على حلول ستكون لها انعكاسات سلبية غير مباشرة على متوسطي الدخل والفقراء، من خلال رفعها للرسوم والتعريفات المرتبطة بالمنتجات البترولية التي يُستخدم جزء منها في توليد الكهرباء، خاصة في الحقول الزراعية، مع ما يترتب عن ذلك من تهديدات تؤثر على السلم الاجتماعي، في ضوء الغضب العارم الذي جره قانون المالية المصادق عليه مؤخرا في البرلمان، مُحملا مسؤولية هذا الوضع إلى الجهات المسؤولة التي لم تكلف نفسها عناء التنفيذ الجاد للبرنامج المرتبط بإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقات المتجددة، وفضلت الاستمرار في التوليد من مصادر طاقة المحروقات النافدة والملوثة للبيئة. علما أن سعر الكهرباء مدعم من طرف الدولة، وهو الأمر الذي اعترف به مؤخرا وزير الطاقة صالح خبري، من خلال كشفه عن دعم الدولة بـ60% من تكلفة الكهرباء تدفع في شكل دعم مباشر لمؤسسة سونلغاز.
واستشهد الدكتور عيّة على فشل تنفيذ برنامج الطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية الذي اعتمدته الجزائر قبل سنوات، بالإحصائيات التي توضح النسبة الزهيدة لمساهمة الطاقات البديلة في إنتاج الكهرباء، فقد كانت منعدمة قبل سنة 2012، لتصل إلى حدود 1% سنتي 2013 و2014 من أصل حجم الكهرباء المنتج. وبالمقابل، يضيف ذات المتحدث، ارتفعت نسبة توليد الكهرباء انطلاقا من مادة الغاز الذي يتم حرقه من 50.60% إلى حدود 53.23% سنة 2014، وذلك عكس البرنامج المسطر الذي يهدف إلى بلوغ نسبة 27% من إنتاج الكهرباء انطلاقا من مصادر الطاقات المتجددة.

التوليد باستعمال الغاز الأحفوري سيستمر بعد 2030
أما الدكتور بودغن اسطمبولي أمين أستاذ قسم الإلكترونيك بجامعة العلوم والتكنولوجيا وهران، فيرى بأن موضوع الطاقة البديلة يستوجب النظر إليه من نواحٍ متعددة وليس فقط من الناحية الاقتصادية، فالطاقة ترتبط بشكل وثيق بالأمن الاستراتيجي الوطني، وبنظافة البيئة، وبالاحتياطي المائي، والاستقلال السياسي، وبالتالي بالحرب والسلم، وهنا يلفت النظر إلى أن الناحية الاقتصادية لا تعني استعمال الطاقة الأرخص، فهذا تبسيط غير كاف، مضيفا بأن الأمور الاستراتيجية بعيدة الأمد تدرس فيها النواحي الاقتصادية بمقارنات متعددة، فمثلاً إذا كانت كلفة المولد الشمسي للطاقة الكهربائية أغلى ثمناً من المولدات ذات الوقود الغازي، كالعنفات الغازية مثلاً، فهذا لا يعني هذا أن الغازي أفضل اقتصادياً من الشمسي.

وحسب ذات المتحدث، فإن استغلال الطاقة الشمسية يستوجب التخطيط المسبق، لأن هذه الأخيرة تتطلب وقتا طويلا لإنشاء المولدات وخطوط النقل اللازمة لإيصالها إلى أماكن الاستهلاك، فهي تحتاج إلى ما يقارب 5 سنوات للمولدات، و10 سنوات لخطوط النقل، ما يستلزم إلى جانب التخطيط: تكوين الأطر، ومراكز البحوث، وإجراء الدراسات، وعقود التنفيذ على المدى البعيد أيضاً، وعلى مراحل، وتدريجياً. “فهي ليست كاستيراد المواد الاستهلاكية، بل نحن هنا أمام نقل وتوطين وملاءمة وتطوير التقنيات عالية المستوى” كما يقول.

ويضيف بودغن بأن قرار السلطات إنجاز مولدات استطاعتها 22 ميغاواط قبل 2030 بدل 40 ميغاواط التي كانت مقررة قبل انخفاض أسعار المحروقات (22 ميغاواط هي كمية تزيد عن واحد ونصف مرة استطاعة التوليد الموجودة حالياً في الجزائر كلها )، لن يتمكن من سد احتياجات الوطن من الكهرباء عام 2030، ما يعني بأن التوليد باستعمال الوقود الأحفوري سيستمر بعد ذلك، ولكن ربما لتغطية الجزء الأكبر من الاستهلاك الوطني بمعدل 50 إلى 60% من الحاجة الوطنية للكهرباء، أو أكثر في حال اللجوء إلى تصدير الكهرباء إلى أوروبا أو الدول المجاورة، مضيفا “كلما أنجزنا بسرعة مشاريع المولدات الشمسية، وفرنا كميات أكبر من المحروقات الأحفورية، وبشكل خاص الغاز”.

أما عن المعوقات التي تعترض مشروع تفعيل الطاقات المتجددة، فإن نقطة الضعف في الطاقة الشمسية، حسب الأستاذ بودغن، فهي مسألة تخزين الطاقة، إذ لا يكون التوليد إلا أثناء وجود الأشعة الشمسية، يتزايد تدريجياً بعد شروق الشمس حتى يبلغ ظهراً أعلى قيمة له، ثم يتناقص حتى ينعدم مع غروب الشمس، وبالتالي يجب تخزين الطاقة الكهربائية في مدخرات لاستعمال الطاقة ليلاً، وهذه المدخرات كبيرة وغالية الثمن وقصيرة العمر. ولكن هذا المشكل يوجد في المواقع المعزولة البعيدة عن الشبكة الكهربائية فقط، أما في المناطق المتصلة بالشبكة فيمكن ربط المولد بالشبكة الكهربائية وإعطاء الشبكة كل طاقة المولدات هذه وتوليد الباقي، حسب الحاجة، من المولدات المستعملة للوقود الأحفوري، وبالتالي لا نحتاج إلى مدخرات في هذه الحالة، مضيفا “في المستقبل البعيد، أي في حدود 2050، عندما تعتمد الجزائر إذا وُفِّقت في مخططها، على الطاقات المتجددة فقط في توليد الكهرباء، سنستعمل نوعاً من الكابلات الكهربائية عديمة الضياع تدعى كابلات فوق الناقلة، ستسمح لنا بنقل الطاقة الكهربائية إلى مسافات بعيدة جداً تصل إلى 10 آلاف كيلومتر، وبالتالي نولد الكهرباء في الجزء من الكرة الأرضية المشمس، وننقلها إلى الجزء المعتم لتغذيته بالكهرباء، دون الحاجة إلى مدخرات”.

كمال آيت شريف خبير اقتصاد الطاقات لـ “الخبر”
 “الجزائر أضاعت فرصة أن تكون أكبر منتج للطاقة في العالم”
يستعرض الخبير كمال آيت شريف المتخصص في اقتصاد الطاقات، في هذا الحوار الذي خصّ به “الخبر”، المؤهلات الكبيرة التي تتمتع بها الجزائر في مجال الطاقة الشمسية، وفشل الجهات المسؤولة في استغلال هذه الثروة التي ترشحها لأن تتبوأ ريادة الإنتاج العالمي في هذه الطاقة البديلة، والنظيفة، وغير المهددة بالنضوب.

تتمتع الجزائر بثروة شمسية هائلة، ما هو تقييمك لاستغلال الجزائر لهذه الثروة مقارنة مع دول أخرى لا تملك هذه المؤهلات الطبيعية؟
 الجزائر تملك مؤهلات كبيرة في شكل مخزون الطاقة الشمسية هو الأكبر في كل العالم، وبالتحديد في الجنوب الجزائري، حيث يعادل هذا المخزون 37 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 10 حقول كبيرة من الغاز الطبيعي، وبمقارنة بسيطة مع ألمانيا مثلا التي تملك ثلث هذه الطاقة، نرى أنها نجحت في أن تكون الرائدة في مجال الطاقات المتجددة في أوروبا كلها، ولذلك يُرافع جميع الخبراء والمتخصصين على ضرورة إسراع القرار الجزائري باتجاه الانتقال نحو الطاقات المتجددة، خاصة عن طريق الطاقة الشمسية.

اقتنعت السلطات العمومية أخيرا بأهمية استغلال المخزون الشمسي الكبير الذي تزخر به البلاد لإنتاج طاقات بديلة. كيف ترون هذا الخيار من الناحية الاقتصادية؟
 الاستهلاك الوطني للغاز في الجزائر يمثل 34% من الإنتاج العام للطاقة، في حين لا يتجاوز المعدل الدولي 22%، الأمر الذي بات يحتِّم رفع طاقة إنتاج هذه المادة إلى غاية سنة 2025 في حال عدم وجود حلول بديلة أخرى تنتهي بتطوير موارد طاقوية بديلة، والتي تتضمن الطاقات المتجددة التي تشكل نموذجا اقتصاديا بإمكانه اقتصاد الطاقات التقليدية بنحو 50 إلى 60% في سنة 2030.

مشروع “ديزيرتيك” كان بإمكانه في حال تنفيذه أن يجنب البلاد اليوم الصعوبات التي استدعت اللجوء إلى رفع أسعار الكهرباء؟
 الجزائر أضاعت فرصة كبيرة كانت ستحوِّل البلاد إلى أكبر منتج للطاقة الشمسية في العالم، عن طريق مشروع “ديزيرتيك” الذي سقط

في الماء، والذي كان يرمي إلى إنتاج 20% من احتياجات الكهرباء التي تزود أوروبا بأكملها، انطلاقا من الطاقة الشمسية الملتقطة في شمال إفريقيا، وبشكل خاص من صحراء الجزائر، ما يجعل مصير الإنتاج الطاقوي اليوم للبلاد للأسف الشديد مهددا بالانتكاسة في آفاق 2025 إذا لم تتغير الأوضاع نحو تفعيل الطاقات البديلة.

إنتاج الطاقات المتجددة تواجهه بعض العراقيل على غرار كلفة التخزين مثلا، كيف يمكن تجاوز هذا الأمر؟
 صحيح مشروع تطوير الطاقات المتجددة في الجزائر يواجه تحديا كبيرا يتعلق بالكلفة الباهظة للاستثمارات التي يتطلبها هذا المجال، وبالتالي فإن تمويله في البداية سيكون على عاتق الدولة بالأساس، الأمر الذي يستوجب على الباحثين والصناعيين الاجتهاد لتطوير منظومات طاقوية متجددة تسمح بإنتاج الكهرباء بكلفة تنافسية مقارنة بطاقات أخرى، خاصة تلك المعتمدة على الغاز الطبيعي، كما ينبغي أيضا التصدي لمشكل تخزين الطاقة الشمسية من خلال الإعتماد على استعمال ملايين البطاريات.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول