الشعب يودّع الزعيم

أخبار الوطن
1 يناير 2016 () - عين الحمام: مبعوث “الخبر” محمد سيدمو
0 قراءة
+ -

ووري الزعيم الراحل حسين آيت أحمد الثرى، أمس، بمسقط رأسه في قرية آيت أحمد، في جو جنائزي مهيب، صنعه عشرات الآلاف من المشيعين الذين تهاطلوا، منذ ساعات الصباح الأولى، إلى المكان، ملبين نداء “الجنازة الشعبية الوطنية” التي أرادتها عائلته وحزبه، بينما أجبر الرسميون، يقودهم الوزير الأول، على التواري عن الأنظار.

 


كان مشهد المشيعين في قرية آيت أحمد رهيبا، عشرات الآلاف من البشر، مكتظين على ربوة فسيحة في قرية آيت أحمد، تحفها الجبال من كل مكان. منذ الساعات الأولى للصباح، أغلقت المداخل والمخارج، ولم يعد الوصول ممكنا إلا سيرا على الأقدام، لكن ذلك لم يمنع العجائز والشيوخ قبل الشباب من أن يكونوا في الموعد.
مئات السيارات المركونة على حافة الطريق من أسفل عين الحمام إلى أعالي آيت يحيى، ومنها إلى قرية آيت أحمد، تشير أرقامها إلى أن الوافدين كانوا من كل جهات الوطن، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، منهم من وصل في الليل وقضى المبيت في السيارة، ومنهم من وصل قبل الجثمان بساعات قليلة.
وصول النعش
صرخ الجميع عند اقتراب النعش بالهتافات، وانفلتت الجموع من عقال المنظمين. كانوا يرددون “أسا، أزكا، سي الحسين يلا يلا”، يريدون بها أن الراحل الكبير سيظل خالدا في قلوبهم. كانوا يفرغون شحناتهم المعارضة للنظام بهتاف “بوفوار أساسان”، ويعبرون عن مكنونات الهوية “لازلنا أمازيغ”.. تنوعت الشعارات والهتافات، لكن الغاية كانت واحدة، إظهار أنهم لا يزالون كما كان قائدهم ومعلمهم معارضين ما دام النظام هو النظام.

 


لم تعرف الجزائر لغير رؤسائها جنازة بها الحجم، لم يسبق لشعبها أن خلد ثائرا معارضا بهذا الكم، كان يردد أحمد، الذي قدم من غرب الجزائر العاصمة. هؤلاء المشيعون قد يكونون الأغلبية الصامتة التي عزفت عن السياسة لكنها لازالت تحمل الوطن في القلب، وهي اليوم تهرع عن بكرة أبيها عندما أحست بندائه، بعد أن مسه الضر برحيل أحد كبار مخلصيه.
في تلك الوجوه المشيعة، ترتسم ملامح الوطن الجريح بكل تجلياته، ذلك الوطن الذي صار يفتقد للحكمة بعد أن رحل أفذاذه الواحد تلو الآخر، وما عاد يتصدره إلا من هم دون مقامه. تنطق ألسن الحاضرين على صمتها بالكثير، تقول إن الزعيم اليوم يترك بلاده في زمن كان يراه جائرا في الداخل وغادرا في الخارج، هي أحوج ما تكون فيه إلى بصيرته.
يقال إن الزعامة لم تعد قيمة رائجة في عالم اليوم الذي استعيض عنها بالمؤسسات، لكن البلدان كلها تبكي كبارها عندما يرحلون، حتى تلك الراسخة في الديمقراطية، فكيف بمن لازالت تبحث عن الخلاص، عبر الشعار الذي تردد أمس “جزائر حرة ديمقراطية”. ثم إن الدا الحسين كانت زعامته على قلوب البسطاء والمناضلين التواقين إلى الحرية، ولم تكن يوما ملوثة بدنس السلطة، يقول مريدوه.
سلال يعود أدراجه
قامة الرجل وقيمته، كانت تقتضي أن يأتي الرسميون ويتكبدوا في ذلك مشاق أن يكونوا في منطقة كانت منذ الاستقلال عصية على رجالات النظام. تشجع الوزير الأول عبد المالك سلال وجاء إلى قرية آيت أحمد، متمنيا أن يكون مثل غيره ضمن المشيعين، لكن حضوره كان مرفوضا. رموا عليه قارورات المياه وهتفوا ضده “النظام قاتل”، “ارحل ارحل”، فأجبروه على ركوب سيارته المصفحة والعودة أدراجه.

 


أما باقي الوزراء الذين سكت عنهم الغاضبون، فقد اختاروا الانزواء في فيلا لازالت قيد الإنشاء، يراقبون المشهد عن بعد، ولم يجرؤوا على الاقتراب أكثر نحو النعش. كان من هؤلاء وزير الشؤون الدينية، محمد عيسى، الذي قال، وهو يرتدي برنوسه الأبيض، إنه جاء رفقة وفد وزاري هام يقوده الوزير الأول، لكن هذا الوفد الهام على حد تعبير الوزير لم يشاهد منه إلا هو ووزير الشباب والرياضة، الهادي ولد علي، ويقال أيضا إن رئيس المجلس الشعبي الوطني، العربي ولد خليفة، كان حاضرا دون أن يظهر بين الجموع.

 


سلوك المشيعين مع كل ما يمت للسلطة بصلة، كان مغايرا لتعاملهم مع رجالات المعارضة، فعلي بن فليس، المرشح الرئاسي سابقا، كان يتجول بحرية وسط الجموع، بل إنه مر وسط التصفيقات، مع أن البعض احتج على ذلك، لأنه، أي بن فليس، كان من رجالات النظام في وقت الأحداث الأليمة بمنطقة القبائل سنة 2001، وهو يتحمل المسؤولية السياسية، كما قال أحد المعترضين، عن وفاة 129 شخص. هذا الترحاب بالمعارضة شمل جميع الحاضرين، كعبد الله جاب الله، رئيس جبهة العدالة والتنمية، ومحسن بلعباس، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والأمين العام للإصلاح، فيلالي غويني، والسابق حملاوي عكوشي، ووفد حزب العمال بقيادة النائب رمضان تعزيبت.
وقفة تأمل
في الصورة، لم يظهر الرسميون وباقي المسؤولين السامين في الدولة الذين أوقفوا بعيدا عن النعش، لكن كل السياسيين الذين تمكنوا من الوصول كانوا شاردين في لحظات تأمل. منهم من لم يغفر لآيت أحمد أنه كان يصف توقيف المسار الانتخابي، لما اكتسحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بالانقلاب، رغم احتفاظه برفض الدولة الأصولية. منهم من لا يزال مذهولا من رفضه كرسي الرئاسة المعروض عليه. منهم من اختلف بشدة معه إلى الدرجة التي تلامس التخوين، لما هب ذات سنة إلى سانت إيجيدو مع مجموعة من رفاقه ليبحثوا أمر الجزائر التي كانت تنزف.
لكن الزعيم الراقد في النعش أمامهم، كان له تشخيصه العميق لأزمة الجزائر، وقد أدركه قبل الجميع عندما أيد، وهو في سجون الاستعمار، أولوية السياسي على العسكري التي أقرها مؤتمر الصومام، وظل وفيا لذلك الخط بعد الاستقلال، رافضا ما اعتبره انقلابا على الحكومة المؤقتة، وبدأ حربه الثانية في مكافحة الفكر الواحد والاستبداد، حتى وجد نفسه محكوما عليه بالإعدام وهو الذي فك بنضاله عن رقبة الجزائر غلال الاستعمار.
وداع ديني للدا الحسين
لم يخفف من الغضب الذي رافق وصول سلال، إلا نداء المؤذن لإقامة الصلاة.. في تخليد ذكراه، يقول خطيب الجمعة الذي افتك الكلمة بعد أن خمدت قليلا حماسة المشيعين وهتافاتهم، إن هذا اليوم من أيام الله والوطن، يوم مشهود، إذ تودع الجزائر فقيدها، هذا الرجل العظيم والقائد السامق، المناضل في الحركة الوطنية والوفي للدين والله والوطن. وضعه الإمام في زمرة الذين صدقوا ما عاهدوا الله، ورثاه بكلمات بكى لها أهل قريته التي تحتضن جده الولي الصالح، ودعا له أن يرتقي في مدارج العليين.
ذلك التكريم الديني الذي حظي به الدا الحسين ينسجم، كما قال الإمام، مع نشأته الدينية في عائلة صوفية شريفة، استمد منها معاني الإيمان، فكان بحق رجلا يدعو إلى الدين والأخوة، إلى السلم والسلام، إلى معاني الإنسانية وحقوق الإنسان السامية، ليس في الجزائر فقط ولكن في كل العالم. كل ذلك، يقول مناضلو الأفافاس الحاضرون في الجنازة، يتكامل مع نضال آيت أحمد ضد تطويع الدين وجعله ألعوبة في يد السياسيين.

 


ختم الإمام بدعوة الشباب الحاضرين بأعداد مهولة لتشييع من يقولون إنه والدهم، أن يحفظوا الأمانة التي تركها لهم بأن يحافظوا على الوطن وعلى الوحدة وأن يواصلوا نضاله السلمي الشريف.
“الماك” أقلية
أحد الذين استرعى حضورهم الانتباه لم يكن مسؤولا أو قياديا، مواطن بسيط كفيف، لكنه استطاع بعصاه فقط الوصول إلى مكان الجنازة، وأظهر وعيا سياسيا كبيرا. قال عبد الحميد، الذي يسكن بلدة إيفرحونن، وهو يرثي السي الحسين، إن هذه الجموع لم تأت بهذه الأعداد الغفيرة إلا لأنها تعلم أن الزعيم لم يتضامن مع النظام أبدا في حياته، والمشيعون إنما جاؤوه دفاعا عن قضية لا يزالون يؤمنون بها، فالجزائر، حسبه، لا تزال بحاجة إلى المجلس التأسيسي الذي ناضل آيت أحمد طول حياته ليتحقق في الجزائر ويهدي لها الديمقراطية المفقودة.
يقلل الرجل العارف بالمنطقة، من تأثير وجود بعض أنصار “الماك” في الجنازة، ويقول إنهم لا تأثير لهم ولا يمثلون إلا أنفسهم. الدا الحسين لم يكن أبدا من هؤلاء، يردد أنصاره، فهو الذي سمى ابنيه يوغرطة وصلاح الدين، واحد قائد أمازيغي والآخر فاتح إسلامي، في مثال صارخ على تلك الروح المتسامحة التي كان يريد أن يزرعها في نفوس الجزائريين بكل مكوناتهم وعلى اختلاف ألسنتهم.
الوصول إلى القبر
يصل الجثمان إلى القبر. تلك الحفرة التي ستدفن أسرارا وكنوزا من تاريخ الجزائر، لكنها لن تقبر المواقف والآثار التي ستظل حية للأبد. في ذلك المشهد المهيب، تزول فوضى البشر، ويصمت آلاف المشيعين، ومنهم رفيقه مولود حمروش، وهم يرقبون بخشوع لحظات النهاية التي لا ينجو منها حتى العظماء.
تلامس رفات الدا الحسين تراب القرية، بعد 25 سنة من الاشتياق، كان فيها بعيدا مغيبا عن أهله وأحبائه، لم يلوموه يوما على الفراق، فقد كانوا يعلمون أن معركته تتجاوز حدود المكان إلى جغرافيا الوطن المكبل بأغلال الأزمات، وظلوا من أجل ذلك محترمين لخياره ومنخرطين بما يستطيعونه في نضاله.

 


الدا الحسين تنازل عن مربع الشهداء واختار لنفسه هذا المكان البعيد المنزوي، وكأن روحه تريد الفرار بعيدا في الجبل إلى حيث معاني الصفاء والرجولة، وتبتعد قدر الإمكان عن الصخب والنفاق. لا يريد الدا الحسين أن يكون قبره مسيجا كما هي قبور العالية، يريد أن يكون مفتوحا لأهله، لمريديه، لكل الشعب. لم يبن في حياته حاجزا بينه وبين أحد، فقد كان رجل الحوار والإجماع. لم يكن، رغم ابتعاده القسري في الغربة، رجل صالونات، فهو من قاد أكبر مسيرات العاصمة لما ظن البعض أن الجزائريين لا تجمعهم إلا عاطفة الشعارات المغيبة للعقل. هكذا كانت نهاية من زهد في السلطة فاحتضنه الشعب.

في نفس السياق

عندما يكون للميّت فضل على الأحياء
تسمية قطب حضري جديد باسم حسين أيت أحمد
"جنازة آيت أحمد بينت أن المسؤولين الحاليين غير مرغوب فيهم"
"أقترح مؤتمرا استثنائيا لجمع الشمل"
كلمات دلالية:
آيت أحمد

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول