بيت روحاني يقاوم النسيان

روبورتاجات
22 يناير 2016 () - الجلفة: بن جدو أمحمد / أمحمد الرخاء
0 قراءة
+ -

تبقى زاوية الشيخ عبد الرحمن النعّاس المتواجدة ببلدية “دار الشيوخ” شرق ولاية الجلفة تصارع الزمن وتحفظ لنفسها وجودا في حياة سكان ولايات المناطق السهبية عامة، وسكان ولاية الجلفة على وجه الخصوص، لعدة اعتبارات، منها أقدمية التأسيس، وما أدته من دور تعليمي وإنساني، وما قيل عن بركات مؤسسها، ومواقفه من التبشير وتكفله بالمحتاجين، فأصبح اسمه متداولا في قصائد الشعر الملحون وفي دراسة بعض المهتمين والمختصين، وبقي ضريحه مزارا للمرتادين من كل الجهات. هذا بعض ما دفعنا إلى برمجة زيارة خاصة إلى زاوية الشيخ عبد الرحمن النعّاس والغوص في رحلة عبر تاريخها، وما سجلته من ملامح روحانية ومواقف إنسانية، وما تتوثب إليه في مستقبلها وفقا لمستجدات العصر ومتطلبات الوضع الراهن.

 مع حلول سنة 2016 يكون قد مضى أكثر من قرن ونصف على تأسيس زاوية الشيخ عبد الرحمن النعاس، وتعاقب على مشيختها 5 من الشيوخ، بداية من المؤسس الأول عبد الرحمن النعاس الذي يعتبره سكان المناطق السهبية من الأولياء الصالحين، ويعتبرونه ممن حاربوا التبشير مع نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، وتكفّلوا بفئات المحتاجين وعابري السبيل، بل كان له فضل إنشاء وتأسيس بلدة سميت باسمه “حوش النعاس”، ثم أصبحت تعرف باسم “دار الشيوخ” اليوم، لأن الزاوية كانت النواة الأولى في هذه البلدة مع مرفقات أخرى، ثم سرعان ما آنس إليها الناس فبنوا وسكنوا بجوارها، وعمروا المنطقة ككل، ووصلت الزاوية إلى درجة افتتاح فرع لها بعاصمة الولاية (مدينة الجلفة) مع مطلع القرن العشرين، وظل الفرع قائما إلى اليوم يواصل تقديم الأعمال الخيرية وترتيل القرآن، وأكثر من هذا أنه أسس عدة زوايا من قبل في مناطق متعددة، منها زاوية بمنطقة “التيطري”، المدية حاليا، وهي بالقرب من عين بوسيف أو ضواحيها، مثلما أنشأ زاوية أخرى بحمّام المقسم في بلدية حد الصحاري ولاية الجلفة.

وما تناقله الرواة عن المؤسس الأول من روايات وكرامات جعلته ينزل في أفئدة الناس وقلوبهم، حتى أصبح مقصدا لزياراتهم ومطمع دعواته لهم، خاصة الذين لم يرزقوا بالذرية، أو تعقدت عليهم شؤون الحياة، أو أصابه ظلم كبير، وفي المقابل كذلك أضحت محلا للتصالح والتسامح بين المتخاصمين جماعات وعروشا أو أسرا وأفرادا، وما تخرج منها من طلبة وحفظة للقرآن الكريم، وفي السيرة والفقه، وأمور كثيرة جعلت نشاط الزاوية قائما حتى مع من خلفوا المؤسس الأول من ابنه وأحفاده، وما زالت تسعى إلى تجديد الهياكل وتوسيع البناءات وتحديث الأنشطة وفق الطرق الحديثة في التعليم، رغم محدودية المداخيل والميزانية الضعيفة التي تنتظر هبات وتبرعات وإعانات المحسنين الذين كما يقولون يأتون في بعض الأحيان بشكل مفاجئ من مدن بعيدة قاصدين الزاوية لما سمعوه أو ما رأوه فيها.

الشيخ عبد الرحمن النعاس.. حكايات وحكايات
لم يكن تأسيس الزاوية بالأمر السهل على الشيخ عبد الرحمن النعّاس، كما يقول الشيخ الحالي للزاوية أحمد الأمين النعاس أحد أحفاد الشيخ المؤسس، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وسياسية يطغى عليها وجود محتل بعيد عن معتقدات الشعب الجزائري، وعن توجهاته وأفكاره، بل جاء بعد رحلة معاناة طويلة ومحاولات بـ3 مناطق عبر تراب المنطقة السهبية، بدأت مع رحلة حياته التي انطلقت لحظة مولده سنة 1822 بمنطقة تدعى وادي زاغز، تبعد بنحو 30 كم شمال غرب مدينة دار الشيوخ حاليا، وهي تابعة لبلدية سيدي بايزيد.

وأما اسمه الكامل فهو عبد الرحمن بن سليمان الملقب بالنعّاس منذ صغره، وجّهه والده سليمان إلى دراسة القرآن وبعثه إلى زاوية الشيخ المختار بمنطقة اولاد جلال، وهناك أتم حفظ القرآن ودراسة الأحاديث والفقه وبعض المتون، ومكث بالزاوية مدة 19 سنة، وأذن له شيخه بعدها بالمغادرة، مرخصا له في تأسيس زاوية بمنطقة التيطري بولاية المدية حاليا لما لاحظ عليه من كرامات ونية مخلصة، من ذلك أن الشيخ نفسه أراد اختبار طلبته في فصل الشتاء، فقال لهم “إني أريد حليب الناقة، فمن يأتيني به؟”، فسكت جميع من في الفصل إلا عبد الرحمن النعّاس الذي قال له “سآتيك به”، فخرج وعاد بعد فترة وهو يحمل وعاء الجلد مملوءا بحليب الناقة، وقال لشيخه “هذا ما وجدته في صحراء تونس عند الحدود”.

ومن قصصه أن أحد زملائه من الطلبة، وكان من منطقة عين بوسيف بالمدية، مرض أياما وصرّح للشيخ بأنه يشتهي أكل رغيف بلدته عند عرش اولاد علان، فاستعصى الأمر على الشيخ، ونظر في وجوه زملائه، فقال التلميذ عبد الرحمن النعاس “أنا آتيك به”، ولم يغب إلا فترة قصيرة ثم عاد وفي يده منديل به رغيفان اثنان، وأعطاهما للشيخ قائلا له “هاك الرغيفين لزميلي المريض”.

ولعل الزاوية كما يقول الرواة أنشأها بالقرب من عين بوسيف لقصة طريفة أخرى وقعت له مع حاكمها باشا آغا، حين جاء محمّلا بأكياس من التمر على ظهور الدّواب من أجل مقايضتها بالقمح من عند الحاكم، لأن شيخه أرسله مع بعض زملائه وأعوانه، لكن الحاكم لم يشأ مقابلته لاشتغاله بضيوف من السلطات الفرنسية، بل إن الحاكم أرسل حتى بالكلاب للقافلة من أجل طردها، فإذا بالكلاب تتوقف، بل أكثر من ذلك راحت ترحب بالضيف، وإذا بالحاكم يصاب بمغص شديد على مستوى البطن، وإذا بخادمته تقول له “والله إن هذا الرجل الذي حدثتكم عنه من قبل قد جاءني في سنوات منصرمة، وهو من أخذ عني رغيفين في المنديل، وقفز من بين يدي، ولم أر سوى طيف اختفى بسرعة البرق”، فتحول الحاكم إلى طالب للسماح والعفو، فأنشأ الخليّة الأولى للزاوية بها، ولم يلبث إلا زمنا يسيرا ليفتح خلية أخرى بمنطقة حمّام المقسم بالقرب من بلدية حد الصحاري ولاية الجلفة، ليعود بعدها إلى مسقط رأسه مع بداية سنوات 1860، وباشر في تأسيس زاويته بمنطقة وادي زاغز، وبالضبط بمنطقة “حوش الخلة” على بعد 30 كلم من مدينة دار الشيوخ التي تضم الزاوية الحالية، فبناها وشيّدها لطلبة العلم وحفظة القرآن، ولاستقبال الضيوف والزوار ومساعدة المحتاجين والفقراء، ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى سمع عن قافلة جاءت برجالها ودوابها محمّلة ببضائع وسلع وهي في طريقها في رحلات عادية توقفت بمنطقة تدعى “المحاقن”، وهي دار الشيوخ حاليا، وكان الوقت شتاء والمنطقة خالية لا أنيس فيها ولا ساكن، وقررت القافلة المبيت في تلك المنطقة، فإذا بعاصفة ثلجية تقضي عليها ليلا بكامل رجالها ودوابها، وبلغ النبأ الشيخ فقرر نقل زاويته إلى هذه المنطقة الحالية وتعميرها مادام الرحالة لا يجدون حتى من يساعدهم، ومنذ ذلك الحين تحولت زاويته إلى منطقة “المحاقن” أي “دار الشيوخ”، وفيها بنى المسجد ومقر الزاوية كغرف لاستقبال الطلبة، وقام ببناء مرافق أخرى كمقرات للفقراء والمساكين والمحتاجين، وبعض مرافق التجارة، ومطحنة لطحن الحبوب، كما قام بشراء بعض المساكن بمدينة الجلفة مقابل “كنيسة المسيحيين”، واتخذها لتدريس القرآن وجلب الذين ينجذبون ناحية الكنيسة من المسلمين لمقاومة التبشير، ونجح إلى أبعد الحدود في محاربة كل الحركات الهادفة إلى القضاء على الهوية، ونجح في تخريج عشرات العلماء وحفظة القرآن الكريم، إلى أن وافته المنية سنة 1907 فدفن بمقر الزاوية، وخلفه من بعده ابنه محمد وهو عالم فقيه.

الآثار والمناقب
ترك عبد الرحمن النعّاس العديد من المخطوطات التي كتبها بيده، منها ما هو نثري لا يخرج عن جانب الفقه والحكمة، ومنها ما هو في جانب الشعر، وكلها حكم وتأملات في الحياة وما فيها من ملاهٍ تغر الإنسان، ولعل من أبرزها قصيدته التي سماها “الخمرية” التي يتخيل فيها الإنسان المغرور كأنه مخمور، ويتصور أنه حوى الدنيا بأكملها والكون، ولديه من القوة والبطش ما يفتك بأعتى المخلوقات، لكنه في لحظة الانتباه يجد نفسه بحاجة إلى رحمة وشفقة وعطف، ومخرجه التوبة وهي طويلة، كما يقول حفيده الشيخ أحمد الأمين النعاس.
وفي هذه الخمرية يصل درجة كبرى من التصوّف أو ما يسمى “الغوثية”، فيلقب عندهم الشيخ بالغوثي، أما شعر الحكم فترك قصائد كثيرة، منها قصيدة تمدح الكرم وتذم البخل:
السخي حبيب ربّي لو كان فاعل الذنوب
مدحه النبي العربي ورجال صلاّح
الشحيح ما فيه رحمة قلبه قاسي كي الفحمة
مرنيز ما فيه شحمة للكلاب يتلاح
وترك لأحفاده وصية خدمة الفقراء والمساكين وتلقين العلوم وتحفيظ القرآن الكريم. ومن جانب قيلت فيه الكثير من القصائد من الشعر الملحون، منها قصيدة لرجل قصده قائلا: ادع لي بأن يرزقني الله الذرية، فدعا له فأنشأ قصيدة منها:
واللي ما تضناش تنده بالنعّاس ربي يعطيها يشير
وهناك من كتب عن خصاله وصفاته التي جمعت في كتاب “إيقاظ الناس في مناقب الشيخ عبد الرحمن النعّاس” وفيه كراماته وأشعاره.
وما كتبه الناس على ضريحه مشيدا بأعماله الخيرية للمحتاجين والفقراء:
يا زمانا أنجبت النعّاس غوثا
كان للمحروم والمحتاج غيثا

نشاط الخلفاء من بعده وتطلعات المستقبل
وبعد وفاته، خلفه ابنه محمد من سنة 1907 إلى غاية 1945، وكان فقيها عالما فسر القرآن الكريم، وواصل على نهج والده في خدمة القرآن ولغة القرآن والفقه والأعمال الخيرية للأرامل واليتامى والمحتاجين، وكانت السلطات الفرنسية عرضت عليه بعثة إلى الحج سنة 1918، لكنه رفض في ظل الأزمة والجوع الذي مر به الجزائريون، وانتظر إلى سنة 1934 ليحج من ماله الخاص الحلال.

وحين توفي الشيح محمد بن عبد الرحمن النعّاس خلفه ابنه سي الشريف بن محمد من سنة 1945 إلى غاية 1969، قام فيها بمواصلة النشاط وتوسيع هياكل الزاوية وإعالة أكثر من 100 عائلة من الأرامل مع أيتامهن، ليخلفة ابنه سي محمد بن سي الشريف من سنة 1969 إلى غاية أكتوبر 2015 حيث قام الشريف الأصغر بإعادة هيكلة المسجد وتوسعته، ولكنه توفي قبل اكتماله، إذ ما يزال البناء متواصلا. وقد خلفة ابنه أحمد الأمين النعّاس الذي ما زال يواصل بناء المسجد من خلال ما تجود به أيادي المحسنين والخيرين فقط، ويفكر كما قال لنا الشيخ سي أحمد الأمين النعاس أن يقوم بإعادة هيكلة جديدة للزاوية من الفضاءات إلى المدارس القرآنية إلى المراقد والمكتبات، وإعادة بعث وتجديد نشاطها بما يتلاءم والطرق الحديثة، مع المحافظة على الأصالة وتعاليم الشيخ المؤسس الأول. وفي الزاوية حاليا مدرستان قرآنيتان تضمان 170 تلميذ وتلميذة، بهما معلمان اثنان، وقد تخرج منها مؤخرا نحو 20 حافظا للقرآن، منهم 5 بنات، توظفوا كلهم في الإمامة أو تدريس القرآن والإناث كمرشدات.

والزاوية تنتهج الطريقة الرحمانية، وتسعى إلى أن تحافظ على الموروث فتتمسك به من خلال ما يسجل في الأعياد والجمعة، وتتطلع إلى الرقي وتحسين ظروف نشاطها الديني والخيري، وتنبذ العصبية والتزمت وتدعو إلى التسامح واليسر.


شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول