ما يحكم عالم اليوم، هو طغيان لمبدأ التدخل باسم الحفاظ على السلم العالمي، وحماية حقوق الإنسان، على مبدأ سيادة الدول، لكن وحدها الدول المستقوية، لها الحق في ذلك، ولا يهم إن كانت هي من ينتهك الشرائع، وينشئ الهيئات والقوانين التي تجعل ذلك مشروعا، بل المهم فقط، أنها هي من يملك حق إيقاع العقوبات متى تشاء، على من تشاء من المستضعفين، وهي فقط من لها حق تجريم ما تريد تجريمه، وتحليل ما تراه في صالحها من الجرائم . طالما بقي المستضعفون غير قادرين على المشاركة في صنع القوانين، فإن العالم مؤهل لمزيد من الضحايا مثل العراق وأفغانستان ومزيد من المجرمين، مثل إسرائيل.
تضع مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية مؤخرا، من جديد، القانون الدولي والدول الكبرى التي تعنى بحماية حقوق الإنسان عبر أقوى هيئة دولية أممية وهو مجلس الأمن في المحك، خاصة أن هذه الدول يشار إليها من قبل العديد من المنظمات الدولية والدول بأصابع الاتهام في ارتكاب جرائم حرب وتوفير الحماية لدول ترتكبها على غرار إسرائيل، وأقرب مثال حرب العراق وأفغانستان والعدوان على غزة ومجازر روندا. تعتبر النصوص القانونية المحددة لجرائم الحرب التي تنص عليها معاهدات جنيف 1949، وكذا محكمة الجنايات الدولية، ميثاق روما 2002، الأرضية التي ينطلق منها مجلس الأمن ومن ورائه الدول الكبرى في تسليط العقوبات ضد الأشخاص والدول بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفي هذا الإطار أيضا تحركت المحكمة الجنائية الدولية مؤخرا في ملاحقة الرئيس السوداني وإصدار مذكرة اعتقال دولية في حقه بعد اتهامه بارتكاب جرائم في إقليم دارفور.
الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وجرائم الحرب
عند الحديث عن الدول الكبرى وحقوق الإنسان، نقف بصورة مباشرة عند الحروب التي تقودها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في العراق وأفغانستان، وما وقع هناك ومايزال إلى حد الآن من انتهاكات حقوق الإنسان، صنفت من طرف القانونيين بجرائم حرب. تشير الإحصاءات إلى أن عدد القتلى العراقيين جراء الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا أكثر من 2,1 مليون عراقي وأكثر من 4,2 مليون نازح، هذا دون تعداد العراقيين الذين تعرضوا للتعذيب والاغتصاب الذي كان سجن ابوغريب أحد أكبر الشواهد على ذلك. وفي هذا السياق، يقول تقرير صدر عن منظمة أطباء لحقوق الإنسان،:''بعد سنوات من نشر فظائع وفضائح التعذيب من قبل المحققين الحكوميين ووسائل الإعلام وتقارير منظمات حقوق الإنسان، لم يعد هناك من شك بأن الإدارة الحالية، إدارة بوش، ارتكبت جرائم حرب''، هذا ما كتبه الجنرال الأمريكي المتقاعد تاغوبا في تقديمه للتقرير، الذي كلف بالتحقيق في تجاوزات سجن أبوغريب وعزل في وقت لاحق لتأكيده حصول تعذيب في السجن. وليس كل من حاول التحقيق في جرائم الحرب عزل من منصبه، فهناك من تعرض للتهديد بالقتل وذلك ما حصل مع المحامي البريطاني فيل شاينر بسبب عمله في الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها القوات البريطانية في العراق وأفغانستان. وقال المحامي الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان نشره مؤخرا إنه يعمل حالياً في سلسلة من القضايا ''الحسّاسة'' حول حالات وفاة وعمليات تعذيب في معسكرات القوات البريطانية في العراق وأفغانستان، مشيرا إلى أن من بين تلك القضايا، وفاة الشاب العراقي ''بهاء موسى أثناء احتجازه العام2003 والاعتداء الجنسي على صبي في الـ14 من العمر في ماي 2003 في معسكر بريدباسكيت. واتهم المحامي المكتب الصحافي بوزارة الدفاع البريطانية بالوقوف وراء ترويج رسائل كراهية ضده وتلقى نتيجتها تهديدات بالقتل ومساحيق غامضة في مغلفات بريدية، ورسائل كراهية وتهديدات عبر الهاتف. وفي أفغانستان أدت الحرب إلى مقتل أكثر من 22 ألف مدني أفغاني منذ غزو هذا البلد والذي تم أيضا خارج تفويض الأمم المتحدة حاله حال الحرب على العراق. وليس مقتل المدنيين وحده من الجرائم التي ترتكب في أفغانستان، حيث أكد الخبير الألماني في الشؤون الأفغانية والباكستانية كريستوف هورستل في ملف خاص نشرته صحيفة ''العرب الأسبوعي''، أن استخدام قوات الدول الغربية الموجودة على أراضي أفغانستان اليورانيوم المخصب ضد المدنيين يعد أحد جرائم الحرب العديدة التي ترتكبها قوات الاحتلال هناك. هذا في وقت يبقى فيه سجن غوانتنامو وما لحق بسجنائه، وصمة عار في تاريخ الولايات المتحدة وكل الدول التي تعاونت مع واشنطن بخصوص سجن معتقلين أبرياء من تهم الإرهاب وما لقيه كل سجين من تعذيب وانتهاك أدنى حقوق الإنسان. وليست العراق وأفغانستان الساحات الوحيدة التي شهدت جرائم حرب ارتكبتها دول ترفع شعار حقوق الإنسان وتدافع عنها، بل تُلاحق دول وأشخاص بتهم جرائم الحرب، حيث العالم مازال يسجل في ذاكرته المجزرة الفظيعة التي عاشتها رواندا سنة 1994 والتي شهدت مقتل حوالي مليون رواندي، واتهم روانديون وحتى جنود فرنسيون الدولة الفرنسية بالضلوع في هذه المجازر رغم تبرئة اللجنة البرلمانية الفرنسية التي شكلت للتحقيق في تورط سلطات باريس في هذه الجرائم. ويقول الرئيس الرواندي بول كاغامي في هذا السياق، في تصريح سابق لقناة ''الجزيرة'': ''أولاً وقبل كل شيء علاقاتنا مع فرنسا لم تعد جيدة منذ قيام حرب الإبادة وهذا يتوقف على التورط الفرنسي في تلك الإبادة في رواندا، وهناك وثائق وأفلام وصور وأدلة وكل واحد يعرف ذلك، مثل الأمم المتحدة التي كانت هنا. كما أن المعلومات حول التحضير لحرب الإبادة كانت منتشرة من قبل أن تبدأ وقبل حادث إسقاط الطائرة الذي تريد فرنسا تلفيقه للبعض، هذه المعلومات كانت واضحة وأرسلتها بعثة الأمم المتحدة إلى نيويورك''.