العالم

ثمن تجاهل الغرب لتقارير إبادة غزة

لم تعد الأدلة على الإبادة الجماعية في غزة مجرد اتهامات من جهات منحازة، بل أصبحت تمثل إجماعا داخل أجهزة الأمم المتحدة نفسها.

  • 211
  • 5:36 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد السؤال المطروح في مشهد يجسّد أزمة وجودية لمنظومة العدالة الدولية ما إذا كان الكيان يرتكب إبادة جماعية في غزة، بل كم عدد تقارير الأمم المتحدة التي سيتجاهلها الغرب. فمع صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 23 جوان 2026، الذي وثّق انتهاكات الكيان الممنهجة بحق الأطفال الفلسطينيين، تكون المنظومة الأممية قد قدمت دليلا دامغا جديدا ينضم إلى سلسلة من التقارير التي خلصت إلى النتيجة نفسها، مفادها أنه ثمة جريمة إبادة جماعية تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم. هذا التجاهل الغربي المنهجي لا يمثل فقط انهيارا أخلاقيا، بل هو تعبير عن استراتيجية عبثية تهدد بتقويض أسس النظام العالمي الذي بناه الغرب نفسه وتكشف عن شرخ عميق بين "الغرب السياسي" وبقية العالم.

لم تعد الأدلة على الإبادة الجماعية في غزة مجرد اتهامات من جهات منحازة، بل أصبحت تمثل إجماعا داخل أجهزة الأمم المتحدة نفسها. فمنذ أكتوبر 2023، تراكمت التقارير بشكل لا يقبل التأويل، على غرار تقرير لجنة التحقيق في سبتمبر 2025 وتقرير المقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيز في أكتوبر 2025 وتقرير جوان 2026 الذي ركز على استهداف الأطفال. هذه الوثائق لم تصف "أزمة إنسانية" عابرة، بل وثقت أركان جريمة الإبادة الجماعية، مع النية المسبقة المعلنة من قبل القادة الصهاينة: القتل الممنهج، التدمير الشامل والتجويع كسلاح حرب.

ورغم هذا الإجماع الحقوقي، يتمسك الغرب بإنكار متصلب، إذ يتحول ليس إلى مجرد صمت بل هو "سياسة إنكار" نشطة تتجلى في تجنب كلمة "إبادة جماعية" وكأنها محظور لغوي، وتحويل الخطاب إلى "قلق" على "معاناة المدنيين" دون تسمية الجاني. هذا التجاهل المتعمد ليس جبنا أخلاقيا فحسب، بل هو غطاء سياسي يجعل الحكومات الغربية شريكة في الجريمة، لاسيما تلك التي تواصل تزويد الكيان بالعتاد العسكري. فالاعتراف بالإبادة سيعني الاعتراف بالتواطؤ، وهذا ما لا تستطيع هذه العواصم تحمله سياسيا.

الجغرافية السياسية المعكوسة أو كيف يدمّر الغرب هيبته

من منظور جيوستراتيجي، يمثل الموقف الغربي من غزة كارثة استراتيجية كبرى، فبينما تعتقد هذه الدول أنها تحمي مصالحها عبر دعم الكيان، تحت مبرر "الدفاع عن النفس"، فإنها في الواقع تدمر رصيدها المعنوي وأدوات نفوذها الناعم. ولقد حذر نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق، جوزيب بوريل، من "ازدواجية المعايير" التي يرصدها العالم أجمع بين المواقف من أوكرانيا وفلسطين. هذه الازدواجية لم تعد مجرد ملاحظة عابرة، بل أصبحت الدليل العملي لشعوب "الجنوب العالمي" على أن منظومة "القيم" الغربية ليست سوى أداة للهيمنة.

إن إصرار الغرب على حماية الكيان من المساءلة، بل ومعاقبة المدعين العامين للمحكمة الجنائية الدولية، ينسف بشكل ممنهج أسس القانون الدولي الذي صاغه الغرب بعد الحرب العالمية الثانية لمنع جرائم الإبادة. النتيجة الاستراتيجية ستكون وخيمة: لن يثق أحد في المستقبل بالمنظومة الحقوقية التي ترعاها واشنطن وحلفاؤها. إن تفريغ مصطلحات كـ"حقوق الإنسان" و"العدالة الدولية" من محتواها يعني تدمير إحدى أهم أدوات القوة الغربية على المدى الطويل ويفتح الباب على مصراعيه أمام قوى صاعدة لملء الفراغ الأخلاقي والقانوني بمنظومات قيم بديلة.

من غزة إلى العالم.. سيادة ثقافة الإفلات من العقاب وتفكيك الأمن الدولي

إن التجاهل الغربي لتقارير الإبادة في غزة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يُطلق شرارة فوضى عالمية. عندما تتحول جريمة بحجم الإبادة الجماعية الموثقة إلى فعل معفى من العقاب، فإن الرسالة للمستبدين ومجرمي الحرب في كل مكان هي أنه بالإمكان فعل المستحيل طالما حظوا بالغطاء المناسب، وهذا يقوّض بشكل مباشر الأمن القومي للدول الغربية على المديين المتوسط والبعيد، عبر تطبيع الجرائم الجماعية وجعل العالم أكثر عنفا وفوضوية.

إن مقارنة معاملة الغرب لوزيرين صهيونيين متطرفين (سموتريتش وبن غفير) بمعاملته للحكومة الصهيونية وجيشه، تكشف استراتيجية "تأديب الهوامش وحماية المركز"، ولا تفهم هذه الاستراتيجية من قبل شعوب المنطقة إلا كدليل على أن الغرب يميز بين دم ودم، وبين حياة وحياة، مما يصب الزيت على نار التطرف والإرهاب الذي يزعم الغرب أنه يحاربه. إن القنابل التي تُلقى على غزة بالسلاح الغربي لا تحرق الأجساد فقط، بل تحرق معها مصداقية أي حديث غربي مستقبلي عن "القانون الدولي" أو "النظام العالمي القائم على القواعد".

لقد قدمت تقارير الأمم المتحدة المتتالية، آخرها تقرير 23 جوان 2026، حقيقة دامغة مفادها أن هنالك إبادة جماعية تُرتكب في غزة، ومع ذلك فإن تجاهل الغرب لهذه التقارير يكشف حقيقة أعمق: أن "الغرب" ككيان سياسي وأخلاقي يمر بأزمة وجودية. إنه يضحي بمبادئه المؤسسة وبهيبته الاستراتيجية من أجل حماية احتلال استيطاني عنصري.

إن الاستمرار في هذا الإنكار ليس عملا انعزاليا يخص غزة وحدها، بل هو إعلان موت لمنظومة العدالة الدولية وحفر للهوة التي تفصل الغرب عن بقية الإنسانية. في النهاية، لن تُقاس خسائر هذه الاستراتيجية بعدد التقارير التي تم تجاهلها، بل بحجم الدمار الذي سيلحق بفكرة "النظام الدولي" ذاته وتحول الغرب من حامل لواء الحقوق والقانون إلى شريك معلن في أفظع جريمة يعرفها العصر الحديث.

ذريعة "الدفاع عن النفس" كستار للتطهير العرقي والإبادة

عندما تتبنى دولة محتلة شعار "الدفاع عن النفس" لتبرير عملياتها العسكرية ضد شعب واقع تحت احتلالها، يحدث انقلاب جوهري في مفهوم القانون الدولي. فالقانون الإنساني الدولي يميّز بوضوح بين حق الدولة في الدفاع عن سيادتها وحق القوة القائمة بالاحتلال في ممارسة القمع الوحشي، وإن تجاهل هذا التمييز الجوهري هو الممارسة اليومية للخطاب السياسي الغربي، الذي يمنح الكيان حقا لا يملكه الفلسطينيون، هو حق الدفاع عن النفس، في حين أن الفلسطينيين، بموجب القانون نفسه، لهم الحق في مقاومة الاحتلال.

ولقد اختزل الغرب مأساة غزة في صيغة مبتورة "ضحية السابع من أكتوبر" لها كامل الحق في الرد، فيما يتم تجريد أكثر من مليوني إنسان من أي سياق قانوني أو تاريخي، وكأن الاحتلال العسكري الجاثم على صدورهم والحصار الخانق الممتد لسنوات لم يوجدا قط. هذه الازدواجية الصارخة حوّلت حق "الدفاع عن النفس" من مبدأ قانوني محدود إلى غطاء دعائي لسياسة ممنهجة تشمل القتل الجماعي للأطفال والنساء الموثق في تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة الصادرة في جوان 2026 وسبتمبر 2025، وسياسة التجويع التي وثقتها تقارير المقررة الخاصة للأمم المتحدة باعتبارها جريمة حرب وأحد أركان الإبادة الجماعية والتدمير الشامل للمستشفيات والمدارس والجامعات، في استهداف واضح لأسس الحياة المدنية.

ولا تقف الازدواجية الغربية عند حدود الصمت أو الإنكار، بل تمارس بشكل إيجابي عبر بناء سردية متكاملة تحمي الكيان الصهيوني وتجرم الطرف الآخر.

تتجلى هذه الآلية في تغييب اسم الجاني في الخطاب الرسمي الغربي، فنادرا ما يذكر الكيان كطرف يشن الحرب ويرتكب الفظائع، ليتم الاكتفاء بعبارات مثل "الصراع" أو "الأعمال العدائية" أو "الأزمة الإنسانية"، ما يضفي طابعا قدرا غامضا على المأساة ويخفي عمدا هوية الطرف الذي يحتكر القوة العسكرية الجوية والبحرية والبرية ويسفه الأدلة والتحقيق الدولي، حيث لا يقف التجاهل عند التقارير الأممية، بل يتجاوزه إلى استهداف مقدميها.

لقد تعرضت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز لحملات تحريض وتشويه غربية ممنهجة، كما مورست ضغوط غير مسبوقة على المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدارها مذكرة توقيف بحق رئيس وزراء الكيان. بل إن بعض الأطراف الغربية، في مقدمتها الولايات المتحدة، ذهبت إلى حد فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، في رسالة واضحة أن أي محاولة لمساءلة الكيان ستُواجه بعقاب جماعي. هذا يفضح رسالة مزدوجة: "القانون الدولي يُطبق على الخصوم ويُعطل من أجل الحلفاء".

وأخيرا سيادة خطاب "القلق" بديلا عن الإدانة، إذ تحول "الإعراب عن القلق" و"إبداء الأسف" إلى حيلة بلاغية دائمة. إنها لغة خالية من الفاعل، تُستخدم لتجنب توجيه الإدانة المباشرة للكيان، بينما لو ارتكب أي طرف آخر جزءا يسيرا مما يُرتكب في غزة لكانت العقوبات والتحركات العسكرية قد فُرضت فورا، كما حدث في سياقات دولية أخرى.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع