الوطن

التحركات الجزائرية الأخيرة.. ذعر في أوروبا

إفريقيا السيّدة تُعيد الاتحاد الأوروبي إلى مكانه الحقيقي.

  • 3408
  • 4:08 دقيقة
ح.م
ح.م

إن الموقف الإعلامي الذي اتخذته الدبلوماسية الأوروبية -على لسان متحدثها الفرنسي المغربي أنور العنوني- بالمطالبة  بـ "تفسيرات" و"شفافية" بشأن الانتشار الأخير للقوات المسلحة الجزائرية في النيجر، يُجسد -إلى حد العبث- نزعة الوصاية التي لا تزال تُسيطر على بروكسل. فأي أساس قانوني أو أخلاقي أو سياسي يمنح الاتحاد الأوروبي الحق في مساءلة دولتين تتمتعان بالسيادة؟

تتشارك الجزائر والنيجر حدودا مباشرة تمتد لآلاف الكيلومترات، فضلا عن مصالح أمنية حيوية. وسواء تعلق الأمر بتأمين منطقة الساحل أو حماية البنى التحتية الاستراتيجية للطاقة — كخطوط أنابيب الغاز العابرة للصحراء التي تمد أوروبا نفسها بالغاز — فإن هذا التعاون العسكري يستند حصرا إلى بروتوكول ثنائي، اتُّخذ بموجب قرار سيادي من قِبل كل من الجزائر ونيامي.

فلا يخفي هذا التخبط الأوروبي استياء القوة الاستعمارية السابقة، فبعد طردها من منطقة الساحل إثر سنوات من الوجود العقيم، واتهامها من قِبل نيامي بالقيام بمناورات لزعزعة الاستقرار، تجد فرنسا صعوبة بالغة في تقبّل حقيقة أن هيكلية الأمن الإقليمي باتت تُبنى اليوم بمعزل عنها.

ومن خلال حشد الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي لمحاولة التدخل في اتفاقية دفاعية بين دولتين إفريقيتين ذات سيادة، لا تسعى بروكسل سوى إلى عرقلة شراكة استراتيجية تُهدد طموحاتها الهيمنية.

ويُمكن تفسير رد الفعل الهستيري هذا بشكل أوضح في ضوء الاتهامات المباشرة التي وجهتها نيامي إلى النظام في باريس، إذ لم تتردد السلطات النيجرية في تحميل فرنسا -بشكل مباشر- مسؤولية محاولات زعزعة الاستقرار والتحريض على تمرد عسكري يهدف إلى الإطاحة بالسلطة السيادية.

وبعد أن فقدت قواعدها ونفوذها وسيطرتها على موارد منطقة الساحل، تبدو القوة الاستعمارية السابقة مستعدة لفعل أي شيء من أجل إثارة الفوضى وعرقلة ظهور تكتل إقليمي مستقل وآمن.

واليوم، ولأنها طُردت تحديدا من النيجر ومنطقة الساحل، تُحاول فرنسا استخدام القنوات الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي كأداة للتدخل بالوكالة. وإذ تعجز باريس عن تقبّل فكرة أن تتولى دولتان إفريقيتان ذات سيادة مسؤولية حماية شعبيهما وبنيتهما التحتية الحيوية، فإنها تُوظف آليات الاتحاد الأوروبي لمحاولة تقويض التعاون العسكري بين الجزائر والنيجر، وهو تعاون ليس بإمكانها السيطرة عليه.

شمال النيجر: الجيش الوطني الشعبي يُبطل لعبة فرنسا والكيان الصهيوني وبيادقهما الإقليميين

بعيدا عن الضجيج الصادر من بروكسل، تجد القوى الاستعمارية وأدواتها الإقليمية نفسها فجأة في حالة من الارتباك التام. فانتشار قوات الجيش الوطني الشعبي في شمال النيجر — ولا سيما فرض السيطرة الاستراتيجية في محيط قاعدة "ماداما" — يضطر فرنسا، ومعها الكيان الصهيوني وأذرعهما الإقليمية كالإمارات العربية المتحدة والمغرب، إلى إعادة النظر جذريا في حساباتهم داخل المنطقة.

كما ظلت هذه المنطقة الحدودية شديدة الحساسية، على مدى سنوات، ساحة خصبة لمختلف أشكال التهريب — من أسلحة ومخدرات واتجار بالبشر — فضلا عن الإرهاب المدعوم، وهي أنشطة تغذيها حالة الفوضى في ليبيا، ويُديرها في الخفاء المشير خليفة حفتر، الذي يُعدّ عنصرا فاعلا في مخططات زعزعة الاستقرار وخدمة الأجندات الغربية في منطقة الساحل.

ومع نزول الجيش الجزائري إلى الميدان جنبا إلى جنب مع القوات النيجرية، باتت مساحة المناورة المتاحة لشبكة واسعة من عدم الاستقرار والجريمة العابرة للحدود تتقلص وتنهار. وبذلك، تفرض الجزائر طوقا أمنيا محكما لا يكتفي بتحييد التهديدات الإرهابية وأنشطة المافيا فحسب، بل يقطع الطريق أيضا على الأطراف التي تعمل كوكلاء لمصالح أجنبية. ومن خلال إغلاق هذا الممر الاستراتيجي، وحرمان حفتر وداعميه من قدرتهم على إلحاق الضرر، تؤكد الجزائر والنيجر مجددا أن أمن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الساحل يجب أن يظل، حصرا، مسؤولية الدول ذات السيادة في المنطقة.

خلف زيارة بنغازي: نيامي تفرض تصويبا حازما في مواجهة رعاة الفوضى

بالنسبة لأولئك الذين سارعوا إلى وصف زيارة رئيس وزراء النيجر، علي ماهامان لامين زين، إلى بنغازي بأنها «طعنة في ظهر» الجزائر، فإن الواقع الميداني يأتي ليقدم تكذيبا قاطعا لهذا الادعاء. فقد كشفت مصادر عسكرية مطلعة -وفقا لما أورده موقع "عربي بوست"- عن الخفايا الحقيقية لهذه الزيارة، إذ لم تكن مجرد تحالف طارئ أو بديل، بل كانت في الواقع تحذيرا شديد اللهجة.

حاملا رسالة مباشرة من الرئيس عبد الرحمن تياني إلى خليفة حفتر، توجه الزعيم النيجري لتوجيه تحذير حازم وصريح، مُطالبا بالوقف الفوري للدعم الذي يُقدمه معسكر حفتر — ولا سيما ابنه صدام — للفصائل المسلحة المناوئة للسلطة في نيامي. وأمام صرامة المطلب النيجري والتحركات العسكرية الاستباقية التي نُفذت بالتنسيق مع الجزائر، اضطر حفتر إلى الرضوخ والتعهد رسميا بإنهاء أي تواطؤ مع المعارضة النيجرية.

وتكشف هذه الزيارة -التي اتسمت ببالغ الحساسية وتزامنت مع تعزيز مواقع الجيش الوطني الشعبي الجزائري، وفي ظل تحركات واسعة النطاق لقوات حفتر في المثلث الحدودي الاستراتيجي بين ليبيا والجزائر والنيجر- عن هشاشة الشبكات الغربية في المنطقة. فمن خلال فرض شروطها على "رجل الغرب" في ليبيا، تُثبت النيجر -مدعومة بالعمق الاستراتيجي الجزائري- أنها لن تسمح بعد الآن بأن تُستخدم الأراضي الليبية كقاعدة خلفية لزعزعة استقرار المرحلة الانتقالية في منطقة الساحل، أو لتقويض السيادة التي استعادتها دول المنطقة.

في نهاية المطاف، ثمة درس تتأخر بروكسل وبعض دولها الأعضاء في استيعابه، وهو درس يتسم بالوضوح والحسم: تتمتع الدول الإفريقية بسيادة كاملة على أراضيها. لقد ولّى إلى غير رجعة ذلك الزمن الذي كانت فيه القارة مجرد رقعة شطرنج سلبية للطموحات الجيوسياسية الأوروبية، وحيث كانت قرارات الأمن القومي تُملى من العواصم الغربية.

وسواء تعلق الأمر بتأمين الحدود، أو بناء تحالفات استراتيجية مستقلة، أو الدفاع عن الموارد الاستراتيجية، فإن الجزائر والنيجر وجيرانهما باتوا اليوم يفرضون قواعد اللعبة الخاصة بهم. لذا، يجدر بالقارة العجوز التخلي عن نزعتها الاستعلائية الاستعمارية، وإدراك أن إفريقيا الغد يصيغها الأفارقة بأنفسهم ولصالحهم، وأن لديهم عزما راسخا على إيصال صوتهم وفرض حضورهم.