الوطن

عدل 3" .. بداية تسليم المفاتيح

أول نوفمبر موعد توزيع حصة جديدة من السكنات.

  • 552
  • 5:20 دقيقة
ح.م
ح.م

تستعد الجزائر، غدا الفاتح من نوفمبر، لإطلاق عملية توزيع حصة جديدة من السكنات، في موعد يحمل دلالات وطنية ورمزية، يتزامن مع إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة. وتأتي هذه العملية لتربط بين رمزية أول نوفمبر، باعتباره محطة مفصلية في تاريخ استرجاع السيادة الوطنية ومواصلة مسيرة البناء والتنمية وتحسين الإطار المعيشي للمواطنين. وتتصدر سكنات البيع بالإيجار "عدل" هذه العملية، في سياق تجسيد البرامج السكنية الكبرى والانتقال من مرحلة معالجة الملفات وتوطين المشاريع، إلى تسليم المفاتيح وتحويل انتظارات المكتتبين إلى واقع ملموس.

على مدار أكثر من عقدين، تحولت صيغة البيع بالإيجار إلى أحد أبرز الخيارات الاجتماعية التي تراهن عليها الدولة لتوفير السكن اللائق لفئة واسعة من الجزائريين، خاصة ذوي الدخل المتوسط. فمنذ إطلاق أولى مشاريع وكالة عدل سنة 2001، توسعت هذه الصيغة عبر برامج متتالية، لتصبح اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تسوية الملفات القديمة إلى إطلاق مشاريع ضخمة وتشييد أقطاب حضرية متكاملة.

ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على عدد الوحدات السكنية المبرمجة، بل تتجاوزها إلى التحولات التي عرفتها آليات التسجيل ومعالجة الملفات والاعتماد المتزايد على الرقمنة، فضلا عن الرهان على الكفاءات الوطنية والصناعة المحلية لإنجاز مدن تستجيب لمتطلبات الحياة العصرية.

عدل 2.. تسوية الملفات وطي صفحة الانتظار

شكّل استكمال برنامج "عدل 2" ورشا إداريا وعقاريا واسعا، تطلّب تعبئة مختلف الإمكانيات البشرية والتقنية لتسوية وضعية المكتتبين والوفاء بالتزامات الدولة تجاههم.

وفي هذا الإطار باشرت الوكالة منذ سنة 2021 معالجة 44.530 ملفا خاصا بأصحاب الطعون والملفات الناقصة، مع اعتماد منصات إلكترونية سمحت بإيداع الطعون ودراسة الملفات دون الحاجة إلى التنقل نحو المصالح الإدارية.

وأسفرت العملية عن قبول 26.922 مكتتبا عبر مختلف ولايات الوطن، من بينهم 14.442 مكتتبا بولاية الجزائر العاصمة. وتمكنت الوكالة من توفير الأوعية العقارية اللازمة لتوطين الحصة الموجهة للمقبولين بالعاصمة، ومن بينها مشروع 10.507 وحدات سكنية بالرحمانية.

ويمثل مشروع الرحمانية، الذي وضع رئيس الجمهورية حجر أساسه في جويلية 2023، إحدى المحطات المهمة في استكمال البرنامج. ويمتد على مساحة 119 هكتارا، ويقوم على تصور عمراني يتجاوز تشييد العمارات إلى توفير المرافق العمومية والمراكز التجارية والخدماتية، بما يسمح بإنشاء قطب حضري متكامل.

عدل 3.. أكثر من مليون مكتتب و12 مليون وثيقة

فتحت وكالة عدل التسجيلات في البرنامج الثالث للبيع بالإيجار يوم 5 جويلية 2024، واستمرت العملية 14 يوما، لتستقبل 1.440.340 مسجلا، في مؤشر على حجم الطلب المتزايد على السكن.

وبعد انتهاء التسجيلات، باشرت الوكالة عملية واسعة للتحقق من المعطيات بالتنسيق مع قطاعات الداخلية والمالية والعمل والتشغيل والضمان الاجتماعي والتعليم العالي، إلى جانب الاستعانة بالبطاقية الوطنية للسكن.

وأسفرت عملية الدراسة والتحقق عن قبول 1.024.342 مكتتبا، بعد معالجة أكثر من 12 مليون وثيقة إلكترونية، بالاعتماد على منظومة رقمية للتبادل البيني للمعلومات، ساهمت في تسريع الإجراءات وتحسين دقتها وتقليص التنقلات والطوابير.

ومع استكمال مراحل دراسة الملفات، انتقلت الوكالة إلى مرحلة تحصيل الشطر الأول وتوطين المشاريع، لتتحول التسجيلات والأرقام إلى ورشات إنجاز فعلية عبر مختلف ولايات الوطن.

200  ألف وحدة.. انطلاق ورشات الإنجاز

دخل برنامج "عدل 3" مرحلة التجسيد الميداني من خلال الشطر الأول المقدّر بـ200 ألف وحدة سكنية المدرج ضمن قانون المالية لسنة 2025، والموزع على أقطاب حضرية بعدد من الولايات.

وأشرف رئيس الجمهورية، بمناسبة الفاتح من نوفمبر 2024، على وضع حجر أساس أول مشروع بالقطب الحضري سيساوي بولاية قسنطينة، ويتعلق بإنجاز 8.050 وحدة سكنية.

وتواصل إطلاق المشاريع عبر عدة ولايات، من بينها بومرداس التي استفادت من مشروع 8.000 وحدة ضمن برنامج يضم 20 ألف مسكن بالقطب الحضري سيدي حلو، وورقلة بـ1.600 وحدة بالقطب الحضري البكرات، وتبسة بـ1.000 وحدة ببولحاف الدير، وبرج بوعريريج بـ2.200 وحدة ببومرقد، والأغواط بـ1.150 وحدة، وسعيدة بـ2.000 وحدة بأولاد خالد.

وبلغ عدد الوحدات التي انطلقت مشاريعها فعليا 165 ألف وحدة من أصل الحصة الأولى المقدرة بـ200 ألف مسكن، في وقت تواصل فيه الوكالة عمليات التوطين ومتابعة الورشات، مع التأكيد على احترام آجال الإنجاز وتسخير الكفاءات الوطنية.

500  ألف وحدة.. برنامج يتجاوز توفير السكن

لم يتوقف البرنامج عند الحصة المدرجة في قانون المالية لسنة 2025، إذ أدرجت حصة أخرى ضمن قانون المالية لسنة 2026، ليصل مجموع الوحدات السكنية المبرمجة ضمن القانونين إلى 500 ألف وحدة.

وتعمل الوكالة بالتوازي على استكمال الإجراءات التحضيرية والدراسات ودفاتر الشروط الخاصة بمسابقات الهندسة المعمارية، بما يسمح بتوسيع المشاريع وضمان استمرارية ورشات الإنجاز.

ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة السكن إلى رؤية متعددة السنوات، تقوم على التخطيط المسبق وتوفير العقار والتمويل والدراسات التقنية، بدل الاكتفاء بإطلاق حصص ظرفية.

مدن متكاملة بدل عمارات معزولة

من أبرز رهانات "عدل 3" الانتقال من مفهوم تشييد السكنات إلى إنشاء أقطاب حضرية متكاملة، تتوفر على المرافق العمومية والمساحات الخضراء والتجهيزات التجارية والترفيهية والخدمات الأساسية.

وتعتمد الوكالة تصاميم تراعي الخصوصيات المناخية والجغرافية والعمرانية لكل منطقة، مع تكييف علو المباني وعدد الطوابق في المدن الكبرى والولايات الداخلية، والتوجه نحو السكنات الفردية ضمن أقطاب متكاملة في مناطق الجنوب، مع توفير تجهيزات تتلاءم مع درجات الحرارة المرتفعة.

كما يتضمن البرنامج تحسينات تقنية ومعمارية، من بينها اعتماد النظام المضاد للزلازل الصادر سنة 2024، وإدراج التدفئة المركزية لأول مرة في سكنات "عدل 3" إلى جانب تطوير الطلاء الخارجي والتهيئة المحيطة بالمباني.

وتراهن الوكالة كذلك على إشراك المهندسين وخريجي الجامعات ومكاتب الدراسات الجزائرية في إعداد التصاميم ومتابعة الإنجاز، بما يسمح بتثمين الخبرة الوطنية وتوفير فرص عمل للكفاءات المحلية.

تحريك الصناعة الوطنية

لا يتوقف أثر برنامج "عدل 3" عند توفير السكن لمئات الآلاف من الأسر، بل يمتد إلى تحريك قطاعات اقتصادية وصناعية واسعة، بالنظر إلى حجم المواد الأولية والخدمات التي تتطلبها ورشات الإنجاز.

ويرى الخبير الاقتصادي، الهواري تيغرسي، أن المشاريع السكنية الكبرى تساهم في تحسين الظروف المعيشية وتحقيق التوازن الجهوي، لكنها تشكل أيضا رافعة للنشاط الاقتصادي، من خلال فتح المجال أمام مؤسسات البناء والأشغال العمومية ومصانع الحديد والإسمنت والخرسانة والسيراميك والخزف الصحي، فضلا عن مؤسسات النقل والمناولة والدراسات والمراقبة التقنية.

وتشير التقديرات الواردة في معطيات البرنامج إلى احتياجات تتجاوز 1.526.171 طنا من الحديد، و13.874.286 مترا مكعبا من الخرسانة، وأكثر من 67.575.806 أمتار مربعة من السيراميك والخزف الصحي.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الطلب الذي ستخلقه المشاريع أمام المصانع الوطنية والفرص المتاحة لزيادة الإنتاج وتوسيع القدرات الصناعية، فضلا عن خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة لفائدة العمال والمهندسين والتقنيين والحرفيين وخريجي الجامعات.

كما يساهم إنشاء الأقطاب الحضرية الجديدة في تنشيط الأسواق المحلية وتوسيع النشاط التجاري والخدماتي، من خلال ظهور محلات ومراكز تجارية ومؤسسات تقدم مختلف الخدمات للسكان.

رهان الإنجاز وجودة المدن الجديدة

تكشف تجربة وكالة عدل، من إطلاق أولى برامجها سنة 2001 إلى الشروع في تجسيد "عدل 3" عن تحول في طبيعة السياسة السكنية التي لم تعد تقتصر على توفير وحدات سكنية، بل أصبحت ترتبط بالتخطيط العمراني وتحريك الصناعة الوطنية وخلق فرص العمل.

وبين تسوية ملفات عدل 2 وإطلاق مشاريع نصف مليون وحدة ضمن عدل 3، تواجه الوكالة تحدي الحفاظ على وتيرة الإنجاز واحترام الآجال، مع ضمان جودة البناء وتوفير المرافق والخدمات الأساسية.

ويبقى الرهان الحقيقي تحويل هذه المشاريع إلى مدن قابلة للحياة، توفر السكن والعمل والخدمات، وتمنح الأجيال الجديدة فضاءات أكثر ملاءمة للاستقرار والإنتاج.