الوطن

كل ما يجب أن تعرفه عن تنفيذ حكم الإعدام

جاء مؤخرا قرار تعديل قانون العقوبات بعد دراسته في مجلس الوزراء والتصويت عليه في المجلس الشعبي الوطني.

  • 1010
  • 6:52 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

ظلت عقوبة الإعدام جزءا من المنظومة الجنائية الجزائرية، لكنها تحولت منذ التسعينيات من عقوبة ينص عليها القانون وتنفذها الدولة إلى عقوبة موجودة في النصوص من دون أن تنفذ فعليا، واليوم وبعد أكثر من ثلاثة عقود على آخر عملية إعدام عاد الملف إلى الواجهة القانونية في الجزائر، ليؤكد المسار التاريخي أن هذه العقوبة موجودة منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا في النصوص بين التنفيذ والحضور.

 وقد جاء مؤخرا قرار تعديل قانون العقوبات، بعد دراسته في مجلس الوزراء والتصويت عليه في المجلس الشعبي الوطني يوم الخميس الماضي، في انتظار مجلس الأمة وبعدها صدور التعديلات في الجريدة الرسمية التي تصبح سارية، من أجل إقرار عقوبة الإعدام  بحق المتورطين في إضرام الحرائق عمدا ومختطفي الأطفال والمنكلين بهم، حيث لم تكن عقوبة الإعدام وليدة التطورات الأخيرة بل هي جزء من التشريع الجنائي الجزائري منذ السنوات الأولى للاستقلال حسب ما أكده أهل القانون، حيث ألغت الجزائر تنفيذ العقوبة مع استمرار وجودها في القانون ولم لم تنفذ الجزائر أي حكم بالإعدام منذ عام 1993، حيث كان تنفيذ أحكام الإعدام في إطار القضاء العادي فقد نظمت النصوص والإجراءات الخاصة بها وكانت العملية تجري بعيدا عن الجمهور وبحضور مسؤولين قضائيين وممثلين عن النيابة وإدارة السجن والطبيب.

وفي أعقاب موجة الحرائق، جاء قرار تعديل قانون العقوبات بهدف إقرار عقوبة الإعدام ضد المتورطين في إشعال الحرائق عمدا، وهو قرار  تم تأييده من قبل شخصيات قانونية وسياسية رأت في العقوبة وسيلة ردع أمام الجرائم التي توصف بأنها بالغة الخطورة خاصة الحرائق العمدية، وقد شرح بعض القانونيين مسار هذا القانون منذ الحقبة الاستعمارية وإلى حد الساعة.

"المشرع الجزائري اعاد تنظيم عقوبة الاعدام  سنة 1966 " أكد البروفيسور في القانون والمحامي حتحوت زين العابدين في حديثه مع "الخبر"، أن عقوبة الإعدام ليست مجرد جزاء جنائي ينتهي عند منطوق الحكم بل تعد من أدق المسائل التي تكشف فلسفة الدولة وحدود سلطتها في العقاب، باعتبارها تقف عند نقطة تتقاطع فيها حاجة المجتمع إلى حماية أمنه وحياة أفراده مع حق المتهم في محاكمة عادلة، وحقيقة قانونية يواصل لا يمكن لرجل القانون إغفالها، وهي أن الخطأ القضائي يمكن تداركه في اغلب العقوبات باستثناء عقوبة نفذت وانتهت معها حياة الإنسان.

وأضاف المتحدث، أن الجزائر عرفت عقوبة الإعدام في ظل التشريع الاستعماري الفرنسي، حيث استعملتها الادارة الاستعمارية خصوصا خلال الثورة التحريرية لقمع المجاهدين وترهيب الشعب، وقد كانت تنفذ آنذاك بالمقصلة ومن أشهر ضحاياها الشهيد احمد زبانة الذي اعدم يوم 19 جوان 1956، واسترسل في ذات القول، انه وبعد استرجاع السيادة الوطنية استمر مؤقتا العمل بالتشريعات السابقة التي لا تتعارض مع السيادة الوطنية إلى غاية صدور الأمر رقم 156-66 المؤرخ في 8 جوان 1966، المتضمن قانون العقوبات والذي أدرج عقوبة الإعدام ضمن العقوبات الجنائية الأصلية،  ومن ثم فإن المشرع الجزائري لم يستحدث هذه العقوبة لأول مرة سنة 1966 وإنما أعاد تنظيمها ضمن منظومة قانونية وطنية مستقلة قائلا: "اخضع المشرع الجزائري عقوبة الإعدام لمبدأ الشرعية، فلا إعدام إلا بنص صريح ولا يجوز للقاضي التوسع في تفسير النصوص التي تقررها أو القياس عليها".

وذكر البروفيسور حتحوت، أن في الجرائم الواقعة على الأشخاص نصت المادة 261 من قانون العقوبات على الإعدام بالنسبة إلى الاغتيال، أي القتل العمد المقترن بسبق الإصرار والترصد وكذلك قتل الأصول والتسميم، كما تقررت العقوبة وفق المادة 263، عندما يسبق القتل جناية أخرى أو يصاحبها أو يعقبها، أو يكون وسيلة لتحضير جريمة أخرى أو تسهيلها أو ضمان إفلات مرتكبيها من العقاب، وعليه يوضح أنه من الخطأ القول إن كل قتل عمد يعاقب عليه بالإعدام، إذ يتوقف ذلك على الوصف القانوني للفعل والظروف المشددة المحددة قانونا.

 وواصل، أن عقوبة الإعدام تقررت بالنسبة إلى بعض الجرائم الماسة بأمن الدولة ووحدة التراب الوطني، من بينها الخيانة والتجسس وقيادة الجماعات المسلحة وأعمال التقتيل والتخريب إضافة  إلى بعض الجرائم الإرهابية والاختطاف المقترن بالتعذيب أو العنف الجسيم أو المفضي إلى وفاة الضحية، إلى جانب بعض الجرائم العسكرية، حيث اتسع نطاق عقوبة الإعدام خلال مراحل واجهت فيها الجزائر أخطارا أمنية استثنائية، قبل أن يتجه المشرع خصوصا منذ بداية الألفية إلى تضييق مجالها وحذفها من عدد من الجرائم مع اعتماد السجن المؤبد بوصفه العقوبة البديلة الأشد.

 وأشار، إلى أن حكم الإعدام لم يكن تنفيذه أثرا آليا لمجرد النطق به مهما بلغت خطورة الجريمة، إذ كان يتعين أن يصدر الحكم عن الجهة القضائية المختصة، وأن يستنفد المحكوم عليه طرق الطعن قبل أن يصبح الحكم نهائيا وقابلا للتنفيذ، على أن يعرض الملف على رئيس الجمهورية لممارسة حقه الدستوري في العفو أو تخفيض العقوبة أو استبدالها، فإذا استبدلت عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد زال محل التنفيذ، أما في حال رفض العفو فيمكن الشروع في الإجراءات التي يحددها قانون تنظيم السجون.

 وعن تاريخ تطبيق الاعدام في الجزائر، قال أن الإعدام في الجزائر المستقلة كان ينفذ رميا بالرصاص داخل المؤسسة العقابية، في مكان مغلق وبعيدا عن الجمهور وبحضور ممثل النيابة العامة ومسؤول المؤسسة العقابية وكاتب الضبط والطبيب والجهات المكلفة بالتنفيذ، وبعد إطلاق النار يعاين الطبيب الوفاة ويحرر محضرا رسميا يثبت تنفيذ الحكم وتاريخه وساعته، مع إخضاع تسليم الجثمان ودفنه للضوابط القانونية بما يضمن صون كرامة الميت، كما أحاط القانون تنفيذ عقوبة الإعدام بقيود خاصة، إذ لا يحكم بها على من كان دون الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، كما تؤجل العقوبة بالنسبة إلى المرأة الحامل أو المرضع، ولا تنفذ في المصاب بمرض خطير أو فيمن فقد قواه العقلية ما دام المانع قائما.

وذكر في سياق الحديث، أن الجزائر المستقلة شهدت تنفيذ أحكام بالإعدام في جرائم الحق العام، وفي بعض القضايا السياسية والامنية خلال السنوات الأولى للاستقلال ثم في قضايا إرهابية مع بداية التسعينيات، ويرجع آخر تنفيذ إلى سبتمبر 1993 في حق سبعة أشخاص ادينوا في قضية الاعتداء الإرهابي على مطار هواري بومدين سنة 1992،  ومنذ ذلك التاريخ يؤكد لم تنفذ الجزائر أي حكم بالإعدام، رغم استمرار المحاكم في النطق به متى توافرت شروطه القانونية ولم يصدر قانون يلغي العقوبة كما لم يصدر نص عام يمنع تنفيذها نهائيا وإنما استقر الوضع في صورة تجميد فعلي تبنته السلطات العمومية.

 وبذلك، لا يصح القول إن الجزائر ألغت عقوبة الإعدام كما لا يصح القول إنها ما تزال تطبقها فهي أبقت عليها في النصوص القانونية وواصل القضاء النطق بها، في حين توقف تنفيذها منذ أكثر من ثلاثة عقود،  كما أن الحكم بالإعدام لا يتحول تلقائيا إلى السجن المؤبد بسبب مرور الزمن أو استمرار التجميد بل يظل قائما ما لم يستبدل بعفو رئاسي أو بموجب آلية قانونية مقررة.

 وتحدث المحامي والحقوقي حتحوت، عن تعزيز هذا المسار بتطور السياسة الجنائية الوطنية وتصويت الجزائر منذ سنة 2007، لصالح قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، غير أن الجزائر لم تصادق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى الإلغاء النهائي للعقوبة، وهو ما يعني أن استئناف تنفيذها يظل ممكنا من الناحية القانونية ما دامت قائمة في التشريع الوطني.

 هذا وقد أعاد عدد من الجرائم خلال السنوات الاخيرة النقاش حول جدوى استمرار تجميد تنفيذ عقوبة الإعدام، وفي مقدمتها جرائم اختطاف الأطفال والاعتداء عليهم والحرائق العمدية التي اودت بحياة أشخاص وأتلفت مساحات واسعة من الغابات.

وفي هذا السياق، شدد البروفيسور حتحوت زين العابدين على ضرورة التمييز بين إعادة سن عقوبة الإعدام واستئناف تنفيذها، موضحا أن العقوبة لم تلغ أصلا حتى يعاد استحداثها وإنما يتعلق الأمر أساسا بإمكانية رفع التجميد الفعلي عن تنفيذها في نطاق محدد، كما أن اختطاف الطفل المقترن بالتعذيب أو الاعتداء أو المؤدي إلى وفاته، والحريق العمدي المفضي إلى قتل أشخاص أو المرتكب في إطار إرهابي أو تخريبي يمكن أن يندرجا بحسب ظروف كل واقعة وتكييفها القانوني، ضمن الجرائم المعاقب عليها بأقصى العقوبات.

 وفي هذا الإطار، يؤيد حتحوت من حيث المبدأ استئناف تنفيذ عقوبة الإعدام بالنسبة إلى الجرائم التي تبلغ درجة استثنائية من الوحشية والخطورة، وفي مقدمتها اختطاف الأطفال إذا اقترن بالاغتصاب أو التعذيب أو القتل، والحرائق العمدية المفضية إلى الموت أو المرتكبة بقصد إرهابي أو تخريبي إضافة إلى جرائم القتل المتسلسل والجرائم الإرهابية التي تفضي إلى قتل جماعي.

 غير أن هذا التأييد حسب المتحدث، لا يعني تحويل عقوبة الإعدام إلى استجابة آلية للغضب الشعبي، باعتبار أن العقوبة النهائية تستوجب درجة استثنائية من اليقين القضائي، ويقتضي ذلك توفير دفاع فعلي في جميع مراحل الدعوى ومراجعة الحكم أمام جهة قضائية أعلى، وعدم الاكتفاء باعتراف منفرد أو منتزع بالإكراه، والاعتماد على الخبرة العلمية، خصوصا في قضايا حرق الغابات، للتمييز بين الحريق العمدي والإهمال والحادث العرضي والفعل الإرهابي المنظم.

 وخلص البروفيسور حتحوت زين العابدين إلى تأييد استئناف تنفيذ عقوبة الإعدام في أضيق الحدود، بالنسبة إلى الجرائم التي تهز الضمير الجماعي وتكشف عن خطورة إجرامية قصوى، شريطة أن يقوم الحكم على أدلة قاطعة وأن تحيط به ضمانات مضاعفة تحول دون الخطأ أو التعسف.

 وأكد أن حماية الحق في الحياة لا تعني حماية الجاني وحده بل تبدأ بحماية الطفل والضحية والمجتمع مشددا على أن هيبة الدولة لا تقاس بكثرة الإعدامات وإنما بعدالة أحكامها، كما أن الرحمة لا ينبغي أن تكون على حساب دماء الأبرياء والردع لا ينبغي أن يكون على حساب اليقين القضائي.