مجتمع

في غياب ثقافة البيع.. "الزبون لم يعد ملكا"

التجاهل والإجابات الجافة تنفر المستهلك.

  • 635
  • 7:43 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد نجاح النشاط التجاري مرتبطا فقط بجودة السلعة أو تنافسية الأسعار، بل أصبحت طريقة تعامل البائع مع الزبون عاملا أساسيا في تحديد ما إذا كان هذا الأخير سيعود إلى المحل أم سيبحث عن وجهة أخرى. فحسن الاستقبال، الإصغاء، الاحترام والقدرة على تقديم المعلومات، أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن المنتج والسعر في بناء علاقة تجارية مستدامة.

ورغم ذلك، تكشف جولات في الأسواق والمحلات عن ممارسات تنفر بعض المستهلكين، من بينها تجاهل الزبون، الانشغال بالهاتف أثناء خدمته، الإجابات الجافة، التبرم من كثرة الأسئلة أو محاولة دفعه نحو منتج معين دون تقديم معلومات كافية. وقد يدخل المستهلك إلى محل بحثا عن سلعة معينة، فيجد نفسه أمام بائع لا يكلف نفسه عناء الاستفسار عن حاجته أو توضيح خصائص المنتجات المعروضة.

وتقوم ثقافة البيع الحديثة على فهم احتياجات المستهلك بدل الاكتفاء بعرض المنتجات. فالبائع المحترف هو الذي يعرف كيف يسأل ويستمع، وكيف يقترح دون فرض، ويشرح الفروق بين المنتجات والأسعار بوضوح وشفافية. وقد تكون السلعة جيدة والسعر مناسبا، لكن أسلوب التعامل السيئ قد يكون كافيا لدفع الزبون إلى عدم العودة.

وفي ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت تجربة المستهلك قابلة للانتقال بسرعة إلى عدد كبير من الأشخاص. فالتجربة الإيجابية قد تساهم في جذب زبائن جدد، بينما يمكن لتجربة سيئة أن تؤثر على سمعة المحل. لذلك، لا تتعلق ثقافة البيع فقط بقدرة التاجر على إتمام الصفقة، وإنما أيضا بقدرته على جعل الزبون يغادر وهو يشعر بأنه حظي بالاحترام وحصل على المعلومات التي يحتاجها.

وتبقى العلاقة التجارية السليمة، في النهاية، قائمة على توازن واضح بين حقوق وواجبات الطرفين. فالتاجر الذي يريد الحفاظ على نشاطه يحتاج إلى أكثر من سلعة جيدة وسعر مناسب؛ يحتاج إلى الثقة وحسن التواصل والشفافية. أما المستهلك، فبحاجة إلى معرفة حقوقه وواجباته، وامتلاك المعلومات التي تمكنه من اتخاذ قرار واع.

وبين القانون وأخلاقيات المهنة والتكوين المستمر، تبدو ثقافة التعامل عنصرا أساسيا في ترقية النشاط التجاري وتعزيز الثقة بين المهني والمستهلك، لأن نجاح الصفقة لا يقاس فقط بما دفعه الزبون مقابل السلعة، وإنما أيضا بما إذا كان سيعود إلى المحل مرة أخرى.

في محلات بني مزاب... "الزبون مدلّل"

قبل أن تكتمل حركة الأسواق، تكون أبواب العديد من المحلات التجارية قد فُتحت لاستقبال الزبائن، في مشهد يتكرر يوميا ويختزل جانبا من ثقافة التجارة لدى بني مزاب. وبين رفوف مكتظة بالمسامير والبراغي وأدوات السباكة والكهرباء ومواد البناء والأدوات الزراعية، يتحرك التجار والعمال في حركة متواصلة لتلبية طلبات الزبائن، غير أن ما يميز هذه المحلات، حسب شهادات المترددين عليها، لا يرتبط فقط بتنوع السلع أو الأسعار، وإنما أيضا بطريقة التعامل التي جعلت الثقة وحسن المعاملة جزءًا أساسيًا من العلاقة التجارية.

يقول أحد الزبائن: "أتعامل مع تجار بني مزاب منذ سنوات، وما يجعلني أعود إليهم ليس السعر فقط، وإنما الثقة. عندما أسأل عن سلعة، يقدمون لي معلومات عنها وينصحونني بما يناسب حاجتي، حتى لو كان منتجا أقل سعرا".

وتقول زبونة أخرى: "أهم شيء بالنسبة لي هو أن تجد شخصًا يحترمك عندما تدخل محله. حتى إذا لم تشترِ شيئًا، لا تشعر أنه منزعج منك. هذه المعاملة تجعل الزبون يعود مرة أخرى".

ولا تتوقف العلاقة، حسب شهادات الزبائن، عند حدود السلع الموجودة داخل المحل، إذ يقول أحدهم: "أحيانًا أطلب شيئًا ولا أجده، فيقول لك التاجر: نجيبهولك. وإذا لم يكن موجودا عنده، يحاول البحث عنه في محل آخر. هذا الأمر يجعلني أشعر أنه يريد خدمة الزبون وليس فقط إتمام البيع".

ويختصر أحد التجار فلسفة المهنة بقوله: "لا يجوز أن نغشّ المشتري، بل يجب أن يثق بنا حتى يعود إلينا مرة أخرى ويشتري".

أما عمي موح، البالغ من العمر 74 سنة، فيعود بذاكرته إلى طفولته، حين كان يرافق والده وجده إلى الحانوت منذ سن السابعة، قبل أن يبدأ العمل في المحل وهو في العاشرة. ويقول: "ماشي سهلة التجارة، تحتاج رقة بالكلام، وجهك يكون فرحان، وتهتم بالزبون".

ولا تبدو هذه القواعد المهنية وليدة اليوم، إذ كانت التجارة تُعلَّم للشباب منذ الصغر، ويتلقى المقبل على الاستقلال تدريبًا داخل المحل، يتعلم خلاله الحساب والتعامل مع السلع، والأهم كيفية التعامل مع الزبون وكسب ثقته.

"الزبون هو الملك".. شعار رسّخ ثقافة احترام الزبون

ترجع مقولة "الزبون هو الملك" إلى أدبيات التجارة وخدمة الزبائن، حيث ارتبطت بشكل خاص برجل الأعمال الأمريكي هاري غوردون سلفريدج، مؤسس متجر "سيلفريدجز" في لندن، الذي اشتهر في بدايات القرن العشرين بترسيخ ثقافة تضع الزبون في صميم النشاط التجاري.

وينسب إليه الشعار الشهير "الزبون دائما على حق"، فيما جاءت عبارة "الزبون هو الملك" لاحقا كصيغة أوسع للتعبير عن الفكرة نفسها، القائمة على احترام الزبون، فهم احتياجاته، ضمان جودة الخدمة، والشفافية في التعامل معه.

"التاجر مطالب باحترام القانون وأخلاقيات المهنة"

ويؤكد رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين، الحاج الطاهر بولنوار، في حديثه مع "الخبر"، أن تنظيم العلاقة بين التاجر والزبون لا يرتبط فقط باحترام القوانين والتشريعات، وإنما يقوم كذلك على الالتزام بأخلاقيات المهنة وحسن التعامل، باعتبار أن استمرار أي نشاط تجاري يرتبط بدرجة كبيرة بثقة الزبون ورضاه.

وأوضح أن النشاط التجاري يقوم أساسا على دعامتين، تتمثل الأولى في احترام القوانين والالتزامات المفروضة على التاجر، والثانية في أخلاقيات المهنة وطريقة التعامل مع الزبائن. ويحدد القانون، حسبه، حقوق المستهلك وواجبات التاجر، خصوصا ما تعلق بشروط البيع، مطابقة السلع وسلامتها، إشهار الأسعار وتقديم معلومات صحيحة وشفافة حول المنتجات والخدمات.

وشدد بولنوار على ضرورة عرض سلع مطابقة وغير مغشوشة أو مقلدة، مع احترام شروط الحفظ والنقل والعرض، وعدم تقديم معلومات مضللة للزبون. وفي المقابل، أشار إلى أن العلاقة التجارية لا يمكن أن تستقيم بالنصوص القانونية وحدها، بل تحتاج إلى ثقافة مهنية تقوم على الاحترام المتبادل والوضوح والمسؤولية.

وانتقد بعض الممارسات التي تضر بثقة المستهلك، مثل إخفاء الأسعار، تقديم معلومات غير دقيقة حول المنتجات أو محاولة تسويق سلع رديئة على أنها ذات جودة. لكنه أشار أيضا إلى أن بعض التجاوزات قد تصدر عن الزبائن، داعيا الطرفين إلى الالتزام بالاحترام وتفادي النزاعات.

وفيما يتعلق باعتراض الزبون على سعر سلعة، أوضح بولنوار أن التاجر مطالب بالابتعاد عن الانفعال والشجار، واللجوء إلى الحوار وشرح أسباب تحديد السعر. فمن حق الزبون الاستفسار، ومن واجب التاجر تقديم التوضيحات اللازمة، خصوصا عندما تكون الأسعار مرتبطة بتكاليف الاقتناء أو ارتفاع أسعار الجملة.

وأكد أن تحديد هامش ربح معقول جزء من الممارسة التجارية السليمة، فلا يمكن للتاجر أن يبيع بأقل من سعر اقتنائه بما يضر بنشاطه، كما لا يجوز له استغلال غياب المعلومات لدى الزبون لفرض أسعار غير مبررة. وأضاف أن الدخول في مشادات كلامية لا يحل المشكلة، بل قد يؤدي إلى فقدان الزبون والإضرار بسمعة المحل.

كما دعا إلى احترام الزبائن في مختلف قطاعات الخدمات والنقل، مشيرا إلى أن بعض السلوكيات، مثل عدم احترام الركاب أو تقديم وعود لا تتطابق مع جودة الخدمة، تسيء إلى صورة المهني والنشاط الذي يمارسه.

وأرجع بولنوار جانبا من التجاوزات إلى نقص معرفة بعض المتعاملين بالقوانين والأنظمة التي تحكم نشاطهم، موضحا أن امتلاك السجل التجاري أو الاعتماد لا يعني بالضرورة الإلمام بكل الالتزامات القانونية والمهنية. ولهذا، شدد على أهمية التكوين المستمر ومواكبة القوانين الجديدة.

وأشار إلى أن الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين تعمل على تنظيم حملات تحسيسية وبرامج تكوينية للتعريف بالقوانين والمستجدات، خاصة في مجالات حفظ السلع، معايير الجودة، شروط البيع وكيفية التعامل المهني مع الزبون. كما دعا التجار إلى الاستفادة من برامج غرف التجارة والصناعة والحرفيين والتقرب من غرف الصناعة التقليدية والحرف.

وختم بالتأكيد على أن الزبون يمثل أساس استمرار النشاط التجاري، وأن كسبه لا يتحقق فقط بتوفير السلعة، وإنما أيضا بجودة الخدمة وحسن الاستقبال والصدق واحترام القانون، داعيا التجار إلى النظر إلى الزبون باعتباره شريكا في نجاح المشروع.

"المستهلك ليس ملزما بالشراء"

من جهته، كشف رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلك، الأستاذ محفوظ حرزلي، في تصريح لـ "الخبر"، أن مستوى التعامل بين البائع والمستهلك يعرف تفاوتا، مشيرا إلى وجود تجار يحترمون قواعد المهنة ويحسنون استقبال الزبائن، مقابل تسجيل بعض السلوكيات التي تسيء إلى العلاقة التجارية.

كما أشار إلى أن الأصل في هذه العلاقة هو الاحترام والشفافية وحسن المعاملة، لأن العملية التجارية لا تقتصر على تبادل السلعة مقابل المال، وإنما تقوم أيضا على الثقة وتوفير المعلومات الضرورية التي تمكن المستهلك من اتخاذ قرار الشراء عن دراية.

وقال المتحدث أن شكاوى سوء المعاملة أصبحت أكثر ظهورا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي منحت المستهلك مساحة أكبر للتعبير عن تجربته. لكنه شدد على ضرورة عدم التعميم، لأن وجود تجاوزات لا يعني أن جميع التجار يتعاملون بالطريقة نفسها.

ومن بين السلوكيات التي قد تثير استياء المستهلك، ذكر حرزلي الفظاظة ورفع الصوت، عدم تقديم معلومات كافية حول المنتج، عدم وضوح الأسعار والضغط على الزبون من أجل الشراء. كما أشار إلى أن بعض المستهلكين يشتكون من رفض البائعين تقبل أسئلتهم أو مقارنتهم بين المنتجات قبل اتخاذ قرار الشراء.

وأكد أن المستهلك من حقه الحصول على المعلومات التي يحتاجها، وأن السؤال والمقارنة جزء طبيعي من الاستهلاك الواعي. فمعرفة خصائص المنتج وسعره والفروق بين البدائل تساعد المستهلك على اتخاذ قرار مناسب، ولا ينبغي اعتبار كثرة الأسئلة إزعاجا للبائع.

 وأوضح حرزلي أن الفظاظة تدخل أساسا ضمن سوء التعامل المهني، لكن الأمر قد يتحول إلى مخالفة قانونية عندما يتعلق بتضليل المستهلك أو إخفاء معلومات أساسية أو انتهاك حقوقه. وشدد على ضرورة التمييز بين السلوك غير المهني وبين المخالفات التي تمس حقوق المستهلك وتترتب عنها مسؤولية قانونية.

وأشار إلى أن للمستهلك حقوقا، من بينها الحق في الإعلام والحصول على معلومات واضحة حول المنتج أو الخدمة، ومعرفة الأسعار وشروط البيع والحماية من الممارسات التي تضر بمصالحه. وإذا شعر المستهلك بالضغط أو المعاملة غير المحترمة، يمكنه إنهاء التفاوض ومغادرة المحل، كما يمكنه اللجوء إلى الجهات المختصة عندما يتعلق الأمر بتجاوز قانوني.

وشدد على أن مجرد الاستفسار عن سلعة أو سعرها لا يعني أن المستهلك ملزم بشرائها، ومن حقه الامتناع عن الشراء إذا لم يحصل على المعلومات الكافية أو شعر بأن المعطيات المقدمة إليه غير دقيقة أو مضللة. وفي حال وجود مخالفة تمس حقوقه، نصح بالاحتفاظ بالأدلة المتوفرة والتوجه إلى مصالح الرقابة وقمع الغش.

وفي المقابل، أكد حرزلي أن الاحترام يجب أن يكون متبادلا، فكما يتعين على البائع احترام المستهلك والإجابة عن استفساراته، يتعين على المستهلك أيضا احترام البائع وعدم تحويل النقاش إلى إساءة أو استفزاز.