باخرة برج باجي مختار.. فرجة ومتعة ودوار أيضا

مجتمع
21 أغسطس 2016 () - الجزائر: حسام حريشان
0 قراءة
+ -

إذا سبق لك السفر عبر الشريط الساحلي الشرقي الممتد من الجزائر العاصمة حتى مدينة جيجل، مرورا بمنعرجات أزفون المطلة على البحر وشواطئ بجاية العذراء، وصولا إلى مغارات زيامة منصورية حتى نهاية الكورنيش الجيجلي، وسحرتك مشاهد التقاء الأزرق مع الصخور التي تعلوها غابات وجبال خضراء، فالفرصة مواتية اليوم لشق البحر والاستمتاع بمشاهد طبيعية أخرى من الجهة المقابلة لليابسة لا تقل سحرا عن الأولى، لكن هذه المرة من وراء زجاج باخرة “برج باجي مختار”.. شرط أن لا تعاني من دوار البحر.“الخبر” قطعت المسافة انطلاقا من ميناء صيد الجزائر العاصمة إلى ميناء جيجل، مرورا بميناءي أزفون وبجاية، ونقلت البعض من تفاصيل الرحلة.  

 دخلنا في حدود السابعة صباحا ميناء صيد الجزائر العاصمة، شبابيك بيع التذاكر وقتها كانت لاتزال مغلقة، بينما كراسي قاعة الانتظار امتلأت عن آخرها بمسافرين تحمل يداهم تذاكر سفر حُجزت 24 ساعة قبل موعد السفر (ثمنها 1600 دينار)، وأمام تلك الشبابيك تشكلت طوابير طويلة لمسافرين محملين بالأمتعة، ينتظرون فتحها لحجز مقعد على متن إحدى البواخر المنطلقة في اتجاهات (العاصمة - شرشال) أو باتجاه ميناء الجميلة بعين البنيان أو (العاصمة - أزفون – بجاية - جيجل) التي توقف نشاطها لمدة قاربت الأسبوع بسبب سوء الأحوال الجوية.

مقاعد مملوءة والتذاكر تحجز 24 ساعة قبل الانطلاق
بعد 20 دقيقة من الانتظار، التحق أفراد الشركة الوطنية للنقل البحري وفتحت الشبابيك، ليكتشف المسافرون في الأخير أن جميع مقاعد الباخرة المتوجهة نحو ميناء جيجل تم حجزها في الليلة الماضية، ليعودوا أدراجهم في صمت باتجاه المحطة البرية أو محطة القطار بحثا عن وسيلة أخرى، بينما ثار أحدهم في وجه ممثلي الشركة الوطنية للنقل البحري.

طلب الأكل منعدم
رست الباخرة الإيطالية الصنع في ميناء العاصمة في حدود الساعة الثامنة، فتدافع المسافرون نساء ورجالا نحو مخرج القاعة وعمت الفوضى وتعالت الأصوات حتى عجز أعوان الأمن عن تسيير شؤونهم.. الكل يريد الصعود على متن الباخرة مع الأوائل لحجز مقعد أمام النافذة يسمح له بالاستمتاع بالرحلة البحرية، فهذا خرج يسحب أمتعته بصعوبة من الممر الضيق الشبيه بالموجود في محطات “الميترو”، وصعد آخر على متن الباخرة وترك خلفه عائلته تنتظر وصول دورها، وعلى يمينك مجموعة من الشباب حاولوا القفز فوق الحاجز لتخطي الجميع فاصطدموا بأعوان المراقبة ودخلوا معهم في حرب ملاسنات، وهكذا سارت الأمور بصعوبة حتى التحق الجميع بالباخرة وجلسوا في مقاعدهم.

انطلقت الباخرة إلى الأمام في الساعة الثامنة و25 دقيقة، تاركة وراءها مدينة الجزائر تستيقظ في ضجيجها، وانبعثت بداخلها موسيقى خافتة من التراث الشعبي العاصمي للترويح عن المسافرين، وأخذت الباخرة تبتعد شيئا فشيئا حتى توارت مدينة الجزائر عن الأنظار. يقول قائد السفينة، القبطان قنون ناصر، لـ”الخبر”، إن “الباخرة الإيطالية تعد من الجيل الأخير في صنف البواخر عالية السرعة، حيث تصل سرعتها حتى 30 عقدة في الساعة أي ما يعادل 50 كيلومترا في الساعة”، مجهزة بمكيف هوائي وبـ206 مقعد، كما يوجد بداخلها مرحاض ومقهى صغير يبيع المشروبات والقهوة وبعض البسكويت وفقط، أما المأكولات فهي غير متوفرة والسبب حسب البائع أن الطلب عليها يكاد يكون منعدما بسبب الدوار الذي يشعر به المسافرون الذين يركبون أول مرة على متنها، أما بالنسبة للأسعار فقد كانت مرتفعة قليلا إلا أنها في متناول الجميع (قهوة بـ30 دينارا).  

عذاب البحر
رغم استرجاع الأزرق لهدوئه بعد هيجان دام طيلة الأسبوع الأول من شهر أوت، بسبب الرياح القوية التي وصلت سرعتها إلى 60 كيلومترا في الساعة، إلا أن التقاء الرياح الساخنة مع الباردة أثار حركة بطيئة لأمواج البحر، ما تسبب في آلام عذبت الركاب طيلة الرحلة وعكرت صفوهم.  

بعد ساعة ونصف من انطلاق الباخرة في السير فوق سطح المياه، وبالضبط في حدود الساعة العاشرة صباحا، انتاب أغلب الركاب شعور بالدوار فأخذوا يطلبون من عمال الباخرة أكياسا للتقيؤ فيها واصطفوا أمام المرحاض لغسل وجوههم وأغمي على آخرين وتعالى أنين آلامهم وصعدت روائح كريهة ممزوجة بروائح العطور المستعملة للتغلب على الدوار، وما زاد الطينة بلة هي النوافذ المغلقة التي يستحيل فتحها، ومنع الركاب من الصعود إلى سطح الباخرة.

رحلة لم تكتمل
استعصى علينا الاقتراب من الركاب بسبب الحالة الحرجة التي كانوا يمرون بها، حتى لمحنا سيدة في عقدها السادس جالسة في مقعدها تتصفح مجلة باللغة الإيطالية، وبعد الاقتراب منها اكتشفنا أن السيدة رشيدة تقيم في مدينة البندقية الإيطالية منذ 20 سنة، وهي معتادة على التنقل على متن البواخر. وبدت محدثتنا راضية عن شروط الراحة داخل الباخرة، لكنها لم تخف علينا استياءها من “النوافذ المغلقة التي تسببت في تعكر الجو”.  

توقفت الباخرة أخيرا في أولى محطاتها في الساعة الحادية عشرة، ورست بميناء صيد أزفون في ولاية تيزي وزو، وفتحت الأبواب فخرج الركاب لاستنشاق الهواء، وهناك قرر آخرون مواصلة سفرهم على متن سيارة أجرة، خصوصا الذين كانوا متوجهين إلى مدينة بجاية، وهو حال سيدة كانت رفقة بناتها إحداهن حامل، حيث أصررن على الاستغناء عن الباخرة بسبب الدوار الذي عذبهن طيلة الرحلة.

سحر الطبيعة
بعد 15 دقيقة من التوقف، استأنف طاقم القيادة رحلتهم وأبحرت الباخرة من جديد نحو ميناء بجاية وعادت المعاناة من جديد.
اقتربنا من محطتنا الثانية، فبدأت الصخور تتكلم بلغة الطبيعة واقتربنا أكثر من سواحل “الساكت” و”زيقوار”، حيث الجبال العالية ولمعان أشعة الشمس فوق سطح مياه البحر، فنسى الركاب آلامهم وراحت عيونهم تجري من وراء النوافذ الزجاجية، حتى توقفت الباخرة في ميناء بجاية في الساعة الواحدة وبضع دقائق.
نزل الكثير من الركاب في ميناء بجاية والتحق ركاب آخرون ببرج باجي مختار، وبعد قرابة 20 دقيقة انطلقنا من جديد نحو آخر محطة بميناء جيجل.

“باخرة أم مستشفى”؟
خارت قوى أغلب الركاب القادمين من العاصمة واستلموا لأمرهم واستلقى أغلبهم على المقاعد.. فعلَق أحد الركاب الجدد الذين التحقوا بالباخرة من ميناء بجاية متهكما: “يخال لي أنني في مستشفى ولست على متن باخرة”. وهكذا واصلت الباخرة تشق البحر خارج خليج الكورنيش الجيجلي، وبعد ساعة ونصف رست في آخر محطة لها بميناء كتامة بمدينة جيجل. نزل الركاب من الباخرة يجرون في خطاهم بعد عذاب دام قرابة 7 ساعات، وذلك لعدم اعتيادهم على ركوب الباخرة، وهناك اقتربنا من أحدهم نسأله عن تقييمه للرحلة فبدا راضيا نوعا ما “مهما كان الأمر صعبا إلا أنه أحسن من كابوس الزحمة المرورية وحوادث المرور، وكانت فرصة لاكتشاف سواحل بلادي”، لكنه لم يخف علينا أن مشهد الكورنيش الجيجلي على متن السيارة أحسن بكثير من رؤيته من نافذة الباخرة”.

 أما السيدة فاطمة، فهي الأخرى ذاقت عذاب الدوار طيلة الرحلة لكن “هي تجربتي الأولى وأظنها أحسن من وسيلة نقل أخرى، باستطاعتك النهوض والتنقل بحرية داخل أرجاء الباخرة عكس الحافلة أو سيارة الأجرة، وأظن أننا ربحنا بعض الوقت مقارنة بوسيلة أخرى”.    

 عمر “برج باجي مختار” يقارب 6 سنوات
 كشف مدير النقل البحري، آيت واعراب كريم، أن الشركة الوطنية للنقل البحري تملك باخرتين “برج باجي مختار” و”سرايدي”، اشترتهما من إحدى الشركات الإيطالية، بينما اكتفت بكراء باخرتين خلال موسم الاصطياف.

وعن الباخرتين اللتين أصبحتا ملكا للشركة، ذكر المتحدث أنهما من صنع إيطالي ومن الجيل الجديد، يعود تاريخ صنعهما إلى سنة 2010، واشترتهما الشركة الوطنية مستعملتين سنة 2015، كما أنهما تعدان من صنف السفن عالية السرعة، حيث تصل سرعتهما إلى 30 ميل في الساعة، أي ما يعادل بالتقريب 50 كيلومترا في الساعة.   

مطاعم بحرية
 كشف المدير نفسه عن مشاريع جديدة ستدخل حيز الخدمة خلال موسم الاصطياف القادم، منها استقدام بواخر جديدة لتغطية الكثير من الخطوط البحرية الأخرى، التي من المنتظر الانتهاء من أشغال بناء موانئ الصيد الصغيرة بها. كما كشف عن استحداث مطاعم بحرية تسمح للزبائن بقضاء يوم راحة على متنها في عرض البحر، للاستمتاع بالسباحة وتناول وجبة الغداء على متنها. للإشارة، المشروع ليس حكرا على الشركة الوطنية للنقل البحري فقط، بل هو مفتوح على الخواص للاستثمار فيه، حسب مرسوم وزاري صدر مؤخرا.


شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول