فوضى في محاكمة “سوناطراك 1”

سياسة
15 مارس 2015 () - الجزائر: محمد سيدمو
0 قراءة
+ -

 لم يكن يوم أمس بمجلس قضاء الجزائر العاصمة عاديا، فقد عرف البدء بمحاكمة المتهمين في قضية سوناطراك 1 بعد خمس سنوات من الانتظار، في قضية لم تتوقف عن إسالة الحبر وإثارة الجدل في الصحافة الوطنية، ولذا كانت الإجراءات الأمنية مشددة للغاية عند مداخل المجلس، حيث كان أعوان الحراسة يدققون في هوية وغرض الداخلين إلى المجلس، لكن ذلك لم يمنع عددا كبيرا من المواطنين الراغبين في حضور المحاكمة من ملء القاعة حوالي الساعة التاسعة صباحا.

لم تمر نصف ساعة حتى دخل القاضي نقاد محمد إلى قاعة المحكمة، وأعلم الحاضرين أن المتهمين لم يصلوا بعد وستنطلق الجلسة فور وصولهم. كانت القاعة إذّاك مكتظة بعدد كبير من مشاهير المحامين الذين وكّلهم المتهمون أو الذين تأسسوا للدفاع عن الطرف المدني في القضية، حيث شوهد على الطرف الأول كل من ميلود براهيمي وخالد بورايو ومقران آيت العربي وصادق شايب ومصطفى بوشاشي، وعلى الطرف الثاني نقيب المحامين عبد المجيد سليني متأسسا للدفاع عن سوناطراك.

في غمرة بحث الوافدين المتأخرين عن موطئ قدم لمتابعة أطوار المحاكمة، دخل القاضي من جديد إلى القاعة، وظهر معه المتهمون في الحيز المخصص لهم على أقصى يساره. كان عددهم سبعة، بينهم الابنان محمد رضا وبشير فوزي مزيان، اللذان كانا يوجهان إشارات التحية والابتسامة لعائلتهما وأصدقائهما الحاضرين. وعلى يمين القاعة كان يجلس محمد مزيان، المتهم الرئيسي في القضية، متوسطا الصف الثالث، ومرتديا بذلة سوداء دون ربطة عنق، بوجه بدا شاحبا وشاردا في كثير من الأوقات، يقلب يديه وينظر إلى الأسفل، مبتعدا عن الأعين التي كانت بتمعن تراقبه.

ملاحقة الحاضرين لمحمد مزيان لم تتوقف عند هيئته وملامحه، بل أطلق محامون وصحافيون جدلا قانونيا حول سلامة الإجراءات التي اتخذت في حقه، فالقانون يفرض على المتهم في القضايا الجنائية المبيت في السجن عشية محاكمته، لكن محمد مزيان استثني من ذلك. أحد المحامين أكد للحاضرين أن محمد مزيان يكفيه الدخول إلى السجن والقيام بإجراء القبض الجسدي حتى يكون مستوفيا للشروط، ولا يفرض عليه القانون أن يكون مسجونا.

محسن عمارة ينفذ تهديده !

أخذ القاضي ينادي على المتهمين، وتقدموا للمثول أمامه واحدا واحدا، إلا بشير فوزي مزيان الذي اضطر للاستعانة بعكاز بسبب عجزه عن المشي. في خضم ذلك، انطلق صوت من خارج القاعة مناديا بأعلى صوت “اتركوني أدخل.. أنا محامي عائلة مزيان.. يا فوزي (ابن محمد مزيان).. هذه عدالة زغماتي (النائب العام لمجلس قضاء العاصمة) !”. التفت الحاضرون للوراء. إنه المحامي السابق محسن عمارة الذي نفذ تهديده وحضر، مدعيا أنه محامي عائلة مزيان رغم أنها تبرأت منه. اضطر ذلك القاضي للتداول في القضية ثم خرج مقررا طرد محسن عمارة من المحكمة.

سكت صوت محسن عمارة في القاعة، لكن الضجيج الذي خلفته تصريحاته الأخيرة لوسائل الإعلام كان له أثره الواضح على سير الجلسة الأولى من المحاكمة، فقد طلب محامو محمد مزيان من القاضي أن يؤجل القضية بسبب عدم توافر الظروف الملائمة لعقدها بسبب الضجة المثارة حولها في الرأي العام.

مبررات محامي مزيان، الأستاذ عثماني، في التماس تأجيل القضية من القاضي، كانت في عدم تمكن فريق الدفاع من إحضار شهود مهمين في القضية، بسبب إغلاقهم هواتفهم النقالة ورفضهم التعاطي مع المحامين، والسبب هو توجسهم من الأبعاد التي أخذتها القضية في وسائل الإعلام. هنا تدخل المحامي مقران آيت العربي، المحامي عن متهم آخر في القضية، رافضا مبررات زميله بالقول: “إذا كنا ننتظر الجو المهيأ لإجراء المحاكمة فبهذه المبررات لا يمكن أن يتوفر أبدا”. وتبعه القاضي الذي قال إن الملف سيحاكم في المحكمة وليس لنا علاقة بالإعلام. الإعلام “يهدر على روحو”، وهو ما شاطره ممثل النيابة العامة الذي قال إنه لا يرى أي داع للتأجيل.

قبل ذلك، اشتبك المحامون مع المحكمة في مدى قانونية أن تتأسس الخزينة العمومية طرفا مدنيا في قضية سوناطراك 1. المحامي ميلود براهيمي وصف ذلك بالعار والفضيحة، وقال إن سوناطراك هي مؤسسة عمومية ذات طابع اقتصادي وتجاري بموجب القانون خاضعة للقانون التجاري، وليست هيئة تابعة للدولة خاضعة لقانون الصفقات العمومية. وطالب المحامون صادق شايب ومقران آيت العربي ومصطفى بوشاشي بالمثل إبعاد الوكيل القضائي للخزينة العمومية.. هذا الأخير رد بأن الدولة هي المساهم الوحيد في سوناطراك ومن حقها الدفاع عن أموال الشعب حب من حب وكره من كره.

لعبة الكواليس بين محامي الدفاع

رفع القاضي الجلسة للتداول والتقرير في مصير المحاكمة، وأمسك المحامون أعصابهم في انتظار سماع حكمه. لحظات ويظهر القاضي مقررا إرجاء الفصل في طلب إبعاد الوكيل القضائي للخزينة العمومية إلى حين النظر في الدعوى المدنية.. ثم تابع : “قضت محكمة الجنايات بمواصلة إجراءات محاكمة المتهمين”، مخيبا آمال من كان ينتظر التأجيل. وانطلق بعدها محامي أحد أبناء مزيان في سرد مبررات قانونية تدعي أن القضية سقطت بالتقادم، وهو ما رفضه ممثل النيابة العامة جملة وتفصيلا، ثم طلب محام آخر لشركة ألمانية متهمة في الصفقات أن لا تتابع الشركة باعتبارها شخصا معنويا وأن يتابع مديرها فقط.. عند هذه النقطة رفع القاضي الجلسة إلى غاية إحضار مترجمين باللغة الألمانية.

وبعد أن ظن الجميع أن المحاكمة ستستأنف أطوارها بتلاوة قرار الإحالة المتكون من 289 صفحة، فإن تطورات لاحقة، مساء أمس، أفسدت ما كان متوقعا، حيث انسحب محامو هيئة الدفاع عن المتهمين، مطالبين بالتأجيل رغم محاولات المحكمة إقناعهم بإحضار الشهود بالقوة العمومية، واستجابت المحكمة في النهاية لطلبهم وقضت بتأجيلها إلى الدورة الجنائية القادمة المتوقعة في شهر ماي المقبل، ليستمر الجدل حول مصير قضية سوناطراك 1.

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول