38serv

+ -

ربّنا سبحانه أحقُّ مَن عُبد، وأوسع مَن أعطى، هو الملك لا شريك لك، كلّ شيء هالكٌ إلاّ وجهه، لا يُطاع إلاّ بإذنه، ولا يُعصى إلاّ بعلمه، يُطاع فيُثيب، ويُعصى فيغفر، القلوب له مفضية، والسِّرُّ عنده علانية، الحلال ما أحلّ، والحرام ما حرّم، الأمر أمره، والخلق خلقه، هو مولانا ونحن عبيده.مع فتن الحياة وكثرة مشاكلها وصراعاتها وابتلاءاتها يحتاج المسلم إلى قوّة يلجأ إليها، يستمدّ منها الخلاص والنّجاة، وإنّ أعظم قوّة يلجأ إليها المسلم هي قوّة الله، وإنّ أعظم طريق يسلكه المسلم هو الطّريق الّذي يوصله إلى الله، وإنّ أعظم باب يطرقه المسلم فيسأل حاجته هو باب الله، وإنّ أعظم ركن يستعين به المسلم على جميع أموره هو التوكّل على الله، وإنّ أعظم الأمنيات الّتي يسعى المسلم لتحقيقها لا تتحقّق إلاّ بتوفيق الله ورضاه.فهو سبحانه وتعالى القادر على كلّ شيء، والّذي بيده كلّ شيء، والّذي لا يعجزه شيئ في الأرض ولا في السّماء، فكم نحن بحاجة إلى اللّجوء إلى الله في كلّ ما يعرض لنا من فتن ومشاكل ومصائب، أو ظلم وعدوان، أو فقر وحرمان، أو مرض في الأبدان، ممّا لا يملك كشفه وإزالته إلاّ الله الواحد الديّان، قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱلله أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَـاوَاتِ وَٱلأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ، قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}.ربّنا سبحانه هو الرّكن الشّديد ذو القوّة المتين، فعند مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”يطوي الله عزّ وجلّ السّماوات يوم القيامة، ثمّ يأخذهن بيده اليمنى، ثمّ يقول: أنَا الملك، أين الجبّارون، أين المتكبّرون؟ ثمّ يطوي الأرضين بشماله ثمّ يقول: أنا الملك، أين الجبّارون، أين المتكبّرون؟”، ومن هنا فلا ينبغي للمسلم أن يعلّق آماله إلاّ به، ولا يطلب إلاّ منه، ولا يخضع إلاّ له، ولا يمتلئ قلبه إلاّ بحبّه، ولا يطلب إلاّ رضاه.فبهذه العقيدة يعيش المسلم حياة سعيدة بعيدة عن الاضطرابات النّفسية وكثرة الهموم، مهما كانت الظروف وضاقت الأحوال، فلا يعلّق آماله وآلامه إلاّ بالله في أمور الدّنيا أو الآخرة، وَرَدَ في السِّيَر أنّه عليه الصّلاة والسّلام لمّا عرض أمره على أهل الطّائف سلّطوا عليه سفهاءهم وأوباشهم، وسدّوا في وجهه طرق تبليغ دعوته، فالتجأ إلى ربّه فدعاه بهذه الكلمات الرّاقيات الرقراقات: ”اللّهمّ إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقِلّة حيلتي، وهواني على النّاس، أنتَ ربّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى مَن تَكِلني، إلى بعيد يتجَهّمُني، أو إلى عدوّ مَلّكتَه أمْري، إن لم يكن بك غَضَبٌ عليّ فلا أُبَالي، غيْرَ أنّ عافيَتِك هيَ أوْسَعُ لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات، وصلَح عليه أمر الدّنيا والآخرة أن يحلّ عليَّ غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العُتْبى حتّى تَرضى، ولا حول ولا قوّة إلاّ بك”.إنّ الكثير من النّاس يلجئون عند الشّدائد والمحن إلى قوّتهم وجاههم وأموالهم فما ينفعهم ذلك في شيء، فلم يجدوا لذّة الرّاحة ولا برد اليقين، وذلك لأنّ من مقاصد الفتنة والابتلاء تربية النّفوس وخضوعها للحقّ، وتضرّعها بين يدي المولى سبحانه: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ، وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.أيّها الفاضل.. ينبغي عليك إذا علقَت آمالك بالرِّزق أن تتَّجِه إلى مَن بيده خزائن السّماوات والأرض، وإذا علقَت آمالك بالصحّة فتوجّه إلى الله، وإذا علقَت آمالك بالطمأنينة والسّعادة فاتّجِه بها إلى الله، وإذا علقت آمالك بقوّة تتحصّن بها ضدّ ظالم أو جائر، فاتّجِه بها إلى الله، فإذا تحقّق التوجّه بالقَصد إلى الله، فالتّعامل بعد ذلك مع الأسباب يُعدّ تنفيذًا لأمر الله. جاء رجل إلى المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فقال له: علّمني وأوْجِز، فقال: ”إذا قُمتَ في صلاتك فصَلِّ صلاة مُوَدِّع، ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس عمّا في أيدي النّاس”، فهذه الوصية النّبويّة توطين للنّفس على التعلّق بالله وحده في أمور معاشه ومعاده، فلا يسأل إلاّ الله، ولا يطمع إلاّ في فضله.ركب يونس عليه السّلام البحر فساهم مع ركاب السّفينة الّتي أشرفت على الغرق، أيُّهم يُلقى منها لتخفيف حمولتها، فكان من المدحَضين (المغلوبين)، فألقيَ في لُجَج البحار، وانقطع عنه النّهار، والتقمه الحوت، فصار في ظلمات بعضها فوق بعض، فنادى: {أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَاٰنَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ ٱلظَّـالِمِينَ}، سمع المولى نداءه فأجاب دعاءه ونجّاه من الغمّ، وفي المقابل فإنّ ابن نوح حينما لجأ إلى غير الله لم يحصل نجاة، ولم يصل إلى مبتغى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلَّا مَنْ رَحِمَ}.إنّ من أعظم الثّمرات الّتي ينالها العبد عندما يعلّق آماله بالله، الحياة الطيّبة والنّجاة من الفتن، إضافة إلى حبّ الله وحبّ أهل الأرض والسّماء: ”إنّ الله إذا أحبّ عبدًا دعا جبريل فقال: إنّي أحبّ فلانًا فأحبّه، قال: فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السّماء فيقول: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبّوه فيحبّه أهل السّماء، قال: ثمّ يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إنّي أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيُبغضه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماء إنّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثمّ توضع له البغضاء في الأرض”.

إمام مسجد عمر بن الخطاب بن غازي ـ براقي

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات