ملف: العـلاج الإشعاعي.. لمن استطاع إليه سبيلا

مجتمع
26 ابريل 2015 () - الجزائر: ص. بورويلة / سطيف: ع . ربيقة
0 قراءة
+ -

رغم توفر العتاد الخاص بالعلاج الإشعاعي والذي استنزف ميزانيات ضخمة وتجدد الحديث عن فتح وحدات خاصة به بعدد من مراكز معالجة السرطان الجديدة التي لم تر النور بعد، ورغم الوعود التي تتجدد في أجندة كل الوزراء المتعاقبين على قطاع الصحة، آخرها تأكيد وزير الصحة الحالي عبد المالك بوضياف بأن مواعيد العلاج الإشعاعي لن تتجاوز شهرين، لا زال مرضى السرطان بالجزائر يموتون بسبب حرمانهم
من العلاج الإشعاعي الذي تصل مواعيده الحالية إلى منتصف 2016..فترة كفيلة بأن يعود المرض الخبيث لينهش أجسادهم ويأتي
على ما تبقى من مناعتهم، والمحظوظ منهم من أمهله القدر ليصمد إلى موعد العلاج.. فإلى متى ستستمر معاناة مرضانا؟


السرطان يقتل نصف المصابين به في الجزائر
العــــــــلاج الإشعاعـــــــــي يهــــــــــزم وزارة الصحــــــــــة

أعلن وزير الصحة عبد المالك بوضياف، خلال زيارته لمركز بيار وماري كوري في 16 فيفري الماضي، عن عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي، بخصوص تأخر مواعيد العلاج الإشعاعي لمرضى السرطان، معلنا عن أنه وفى بوعهده بتقلص فترة انتظار المواعيد إلى شهرين على أقصى تقدير، يحدث هذا في الوقت الذي أكدت وثائق مواعيد أعطيت لمرضى
أنهوا مؤخرا علاجهم الكيميائي، تحديد بدء العلاج الإشعاعي في منتصف 2016، فأين الخلل سيدي الوزير؟.

لا زال مشكل العلاج الإشعاعي الذي يعتبر أهم علاجات داء السرطان مطروحا رغم الوعود الواهية التي تقدم بها عديد الوزراء. ففي 2009 أعلن وزير الصحة آنذاك سعيد بركات عن فتح 9 مراكز استشفائية متخصصة في علاج السرطان لم ير معظمها النور لغاية اليوم، كما أعلن بعده خليفته ولد عباس عن تزويد 22 مركزا لمكافحة السرطان بتجهيزات العلاج بالأشعة قبل نهاية 2014، ليبقى ذلك مجرد حبر على ورق لأن واقع الأمور يبيّن غير ذلك.

وعن هذا الوضع، أكدت حميدة كتّاب رئيسة جمعية “الأمل” لمساعدة مرضى السرطان في تصريح لـ”الخبر”، أنه “في الوقت الذي تحتاج فيه نسبة 90 بالمائة من عدد 300 ألف مريض بالسرطان في الجزائر إلى علاج بالأشعة، يشهد هذا العلاج توقفا جزئيا أو كليا على مستوى المراكز الخمسة الموجودة عبر الوطن على غرار مركز بيار وماري كوري بالعاصمة ومركز عين النعجة للطب العسكري”.
فالوضعية الحالية تبيّن أنه عدا مركزي سطيف بشرق البلاد وورڤلة بجنوبها وكذا مركز وهران التابع للمستشفى الجامعي إلى جانب مركز مسرغين غرب البلاد والذين يوفرون العلاج الإشعاعي، يمتنع مركز قسنطينة عن توفيره لكل مرضى السرطان، حيث تحرم منه مريضات سرطان الثدي الذي يعتبر أكثر أنواع السرطان انتشارا بتسجيله لأكثر من 11 ألف حالة جديدة سنويا.
كما يرفض في ذات السياق مركز بيار وماري كوري بالعاصمة، تقديم العلاج الإشعاعي لمريضات الثدي القادمات من الولايات الأخرى غير الجزائر العاصمة ليتم إرجاعهن، حيث يفرض على المريضات تقديم بطاقة الهوية إلى جانب شهادة الإقامة.
وعن هذا الإشكال أكدت لنا مريضات قدمن من شرق البلاد تم وجّهن من مركز قسنطينة إلى مركز بيار وماري كوري، تم رفض علاجهن ليرجعن خائبات، رغم أن ذلك يندرج ضمن خانة عدم إسعاف شخص في شدة. يحدث هذا في الوقت الذي تم توقيف العلاج الإشعاعي بمركز عين النعجة العسكري لعدد من مريضات بيار وماري كوري كن يستفدن منه بموجب اتفاقية كانت تربط المركزين، في حين يشهد مركز البليدة ترميمات تطلبت توقيف العلاج به لمئات المرضى مثلما هو الحال لمن يتلقون العلاج الإشعاعي، حتى أن منهم من استفاد من بعض الحصص ليتم توقيفها دون سابق إنذار رغم ما لذلك من تأثير سلبي خطير على صحتهم، خاصة وأنه لم يتم التكفل بهم من قبل مراكز أخرى حتى الخاصة منها نظرا لتغيّر بروتوكول العلاج من مركز لآخر.
وبات بالتالي مركز سطيف وجهة نسبة كبيرة من مرضى السرطان من مختلف أنحاء الوطن، حيث أكد لنا عدد من المرضى الذين تلقوا علاجهم الكيميائي ببيار وماري كوري وكذا بمركز الرويبة أنهم قصدوا مركز سطيف للاستفادة من العلاج الإشعاعي. هذه الوضعية المزرية أدت إلى ارتفاع عدد الوفيات “ليس بسبب السرطان”، حسبما أكدته لنا حميدة كتّاب، بل بسبب الإهمال وحرمان المرضى من علاجهم الإشعاعي، مما يتسبب في انتكاس حالتهم الصحية، حيث أن 20 ألف مريض بالسرطان يموتون سنويا بسبب نقص أو عدم التكفل بهم، مشيرة إلى أنهم يستقبلون يوميا عشرات المرضى من طالبي العلاج الإشعاعي، والذين لا يملكون ما يردّون به عليهم، لتناشد بالتالي وزارة العمل والضمان الاجتماعي باعتماد سياسة الاتفاقيات مع العيادات الخاصة لتمكين مرضى ساهموا طيلة فترة عملهم في اشتراكات شهرية تصب في صندوق الضمان الاجتماعي الذي يمتنع القائمون عليه في المساهمة في علاجهم عند الحاجة.
يبيعون ممتلكاتهم للعلاج بالخارج
وسط هذا الوضع المزري لحالة العلاج بالأشعة بالجزائر باتت عيادات كل من تونس وتركيا ومستشفيات فرنسا وجهة الكثير من الجزائريين، الذين يفضلون دفع مبالغ مالية معتبرة عوض الاستفادة من علاجهم عوض انتظار الموت المحتم.
ومن بين هؤلاء السيد “م. صالح” صاحب مقاولة في البناء أكد لنا أنه بمجرد انتهاء زوجته من علاجها الكيميائي بأحد المراكز العمومية بالجزائر، اصطحبها إلى تركيا أين استفادت هناك بإحدى العيادات الطبية الخاصة من علاجها الإشعاعي في الموعد المحدد له، وفي الوقت الذي يتمكن المقتدرون ماديا من معالجة مرضاهم خارج الوطن، يتعمّد أصحاب الدخل المحدود بيع ما يملكون من أجل متابعة علاجهم.
سعيدة واحدة من بين هؤلاء، أكدت لنا أنها باعت ما تملكه من مصوغات قصد إكمال علاجها الإشعاعي بإحدى العيادات الخاصة بالبليدة مستدلة بمقولة “لحدايد للشدايد” .. ولا توجد “شدّة” أكثر وقعا من المعاناة دون توفر العلاج، تضيف محدثتنا قائلة، من جهته، أكد لنا أحد أطباء بيار وماري كوري أن مريضه الذي يعاني من سرطان البلعوم، وهو صاحب مستثمرة فلاحية فضّل بيع شاحنته ليصرف على علاجه الإشعاعي بمركز خاص.

مركـــــــــــز مكافحــــــــــــة السرطــــــــــان بسطيـــف وجهــــــة لآلاف المرضـــــى

 استطاع مركز سطيف لمكافحة داء السرطان، أن يمتص عجز عديد المراكز التي كان من المفروض أن تقدم العلاج الإشعاعي لمرضى السرطان، على غرار مركز قسنطينة ومركز البليدة وغيرهما من المراكز، حيث بات يؤمه مئات مرضى السرطان من مختلف أنحاء الوطن طلبا للعلاج.
إلى وقت قريب، كان مرضى السرطان بشرق البلاد يكابدون المعاناة بتنقلهم إلى قسنطينة أو الجزائر العاصمة طلبا للعلاج الإشعاعي مع ما يفرضه من مواعيد طويلة، غير أن فتح مركز سطيف بعث آمالا جديدة وخفّف آلام مئات المرضى الذين باتوا يقصدونه طلبا للعلاج ضد السرطان وخاصة الإشعاعي منه، وهو ما وقفت عليه “الخبر” خلال زيارة لهذا المركز.
“نبيلة” واحدة من ضمن الكثيرات اللواتي قصدنه من بعيد، قدمت من ولاية بجاية والأمل يحذوها كيف لا وابتسامتها بادية على محياها، وهي التي روت لنا قصتها مع المرض الذي اكتشفته ذات يوم صدفة أثناء قيامها بفحوصات عادية لدى الطبيب العام الذي راودته شكوك حول إصابتها، ليطلب منها إجراء فحوصات معمقة وأشعة أكدت في مجملها الإصابة،  قبل أن ينزل عليها الخبر كالصاعقة.
ولأنها إنسانة مؤمنة بالله، استجمعت قواها راضية بقضائه وقدره وراحت تشق طريقها الطويل نحو العلاج، قاصدة مركزسطيف الذي فتح لها أبوابه وأعاد لها الأمل في الحياة، من خلال تمكينها من العلاج كاملا وسهر القائمين عليه على توفير الرعاية الصحية والنفسية للمريضة، مقسمة أنه لا مبالغة فيما تقول بل هي شهادة لله، لتضيف بأن فتح “دار الصبر” بتبرعات المحسنين بجوار هذا المركز الصحي وفر عليها وعلى غيرها من القادمين من ولايات أخرى لا مأوى لهم بسطيف مشقة البحث عن مكان إقامة، وتشهد نبيلة وبعض من تحدثنا إليهن من نزيلات الدار اللواتي يقمن بدار الصبر خلال فترة علاجهن، أن إقامتهن تتم وسط ظروف رائعة،  وهو ما من شأنه أن يخفف من معاناتهم النفسية ويعيد لهم الأمل في الحياة.
ويشار بأن مركز سطيف فتح أبوابه قبل عام ونصف تقريبا، ويوفر 160 سرير ومصالح للعلاج الإشعاعي والكيميائي وكذا مصلحة للطب النووي إلى جانب أخرى على غرار الجراحة السرطانية ، كما يتوفر على أجهزة عصرية جدا خاصة بالعلاج الإشعاعي في انتظار تجهيزه بأخرى خاصة بالطب النووي والجراحة السرطانية التي لم تفتح أبوابها بعد، وذلك أمل الوافدين لهذا المركز من ولايات شرق البلاد عامة وولايات الوسط وحتى بعض ولايات غرب البلاد .
وقد عالج المركز منذ فتحه 927 مريض سنة 2015، و499 مريض سنة 2014، كما تم علاج 732 مريض في مصلحة العلاج بالأشعة وإجراء 5817 بروتوكول كيميائي، وتبقى مدة تلبية طلبات المرضى المتزايدة يوميا هي رهان إدارة المركز الذي بات مقصد مئات المرضى.


500 مليــــــــون ثمــــــــن عــــــــلاج حالـــــــة واحــــــــدة

 بلغت تكلفة معالجة داء السرطان بمختلف أنواعه بالجزائر خلال 2012 ما قيمته 23 مليار دينار أي قرابة ربع مليار دولار أمريكي، في حين لم تكن تتعدى قبل سنوات الـ11 مليار دينار فقط، وهو ما يفسّر الانتشار الكبير لهذا الداء بالجزائر، علما بأن وصول غالبية الحالات في وقت متأخر زاد من ارتفاع تكلفة العلاج. وأكدت المعطيات الصحية، أن قيمة علاج حالة واحدة لسرطان الثدي المتفشي بكثرة وسط نساء الجزائر، حيث أنه أول سرطان يمس المرأة عندنا، تقدّر بـ30 مليون سنتيم في حالة اكتشافه مبكرا، في حين تصل إلى 500 مليون سنتيم في حالة بلوغ السرطان حالات متقدمة، علما أن غالبية الحالات تصل في وقت متقدم من انتشار الداء، مما يفسر تضخم تكلفة علاج السرطان عندنا. وعن ذات الفكرة، أوضح مؤخرا البروفيسور مسعود زيتوني الذي أوكلت إليه مهمة تفعيل المخطط الوطني للسرطان، أن مشكلة داء السرطان في الجزائر تكمن في الكشف المتأخر عنه، مضيفا أن 80 بالمائة من الحالات يتم كشفها في مرحلة متقدمة من المرض. يحدث هذا في الوقت الذي تصل فيه نسبة الشفاء 90 بالمائة في حالة تشخيص المرض مبكر، ليتوقع زيتوني ارتفاع حالات الإصابات في غضون الـ2017 من 44 إلى 48 ألف حالة جديدة سنويا، مما تطلب وضع مخطط وطني لمكافحته تكمن أولوياته في العمل على الكشف المبكر للحالات لتفادي تزايد وفياته والحد من مصاريف التكفل به.  


بعد مرور 7 سنوات على رحيلها
“بيار وماري كوري” يستدعي متوفية للعلاج الإشعاعي

 “حسبنا الله و نعم الوكيل فيمن حرم والدتنا من علاجها الإشعاعي بسبب إهمال لا نظير له”، هو ما نطقت به ابنة السيدة سعدية رحمها الله، التي كانت مصابة بسرطان الثدي، حيث تابعت علاجها الكيميائي بعد عملية بتر للثدي في 2007 بمركز بيار وماري كوري، وبقي أن تكمل علاجها الإشعاعي.علما أنه لا يجوز طبيا تجاوز 6 أسابيع لتلقي العلاج الإشعاعي بعد الانتهاء من العلاج الكيميائي لاتقاء حالات الانتكاس وعودة انتشار الداء عبر مختلف أنحاء الجسم أو ما يطلق عليه بـحالات “الميتاستاس”. لكن ما حصل مع السيدة سعدية لا يتصوره الخيال، فرغم محاولات أبنائها الفوز بموعد خاص بالعلاج الإشعاعي خلال سنة 2008 لإسعاف والدتهم المريضة، باءت كل المحاولات بالفشل مع عدم توفر المراكز الخاصة آنذاك، لتنتكس حالتها يوما بعد آخر وتنطفئ شمعتها في صمت، حيث أسلمت الروح لبارئها في 11 جوان 2008 بعد طول معاناة وانتظار في علاج لم يقدّم لها. وبعد مرور سبع سنوات من وفاة المعنية بالأمر، تفاجأ أبناءها باستدعاء وصلهم من مركز بيار وماري كوري يطلب فيه من المريضة التقرب من مصلحة العلاج الإشعاعي قصد الاستفادة من العلاج الإشعاعي....، فكيف لموعد جاء بعد 7 سنوات من الانتظار أن يعالج مريضة أنهكها الداء؟ وللقارئ التعليق.  تقول ابنة المرحومة سعدية التي كانت جدّ متأثرة في حديثها لـ “الخبر” وهي تستظهر الوثائق التي تثبت استدعاء العلاج الذي وصل إليها بعد وفاة أمها “أؤمن بالقضاء والقدر وأعرف أن الموت حتمي، لكنني أتساءل في قرارة نفسي لو استفادت أمي من علاجها الإشعاعي ما استشرى الداء الخبيث في كامل جسدها، ولربما زاد ذلك في عمرها ولو فترة قصيرة..”.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول