الفيضانات.. سلسلة المسؤولية والإثم

اسلاميات
10 أكتوبر 2018 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

لا تحدث الأحداث هكذا اعتباطًا، بل جعل الله جلّ في علاه لكلّ حادث محدثّا، ولكلّ مسبَّب سببًا. ومن هنا جاءت مسؤولية الإنسان على أشياء كثيرة تقع في حياة النّاس، ويتهرّب المقصّر الذي كان تقصيره سببًا فيها بتحميل المسؤولية للأقدار والظروف!!
لقد رأينا كثيرين ممّن تسبّب إهمالهم في كوارث أودت بحياة النّاس أو أهلكت أموالا وممتلكات لهم، لا يستحون أن يقتصر تعليقهم على ما وقع وقد يكون فاجعة كبيرة أو كارثة مُبيرة: مكتوب والله غالب!. وهذا سوء أدب مع الله عزّ وجلّ، واستخفاف بعقول النّاس، وتوظيف للمعاني الدّينية في غير محلّها، وتهرّب فجّ من المسؤولية، وتبرأة لساحة المقصرين أو المجرمين!
أطرق هذا الموضوع بعد الفيضانات الأخيرة التي شهدتها العديد من ولاية الوطن، والتي اتفقت كلمة الجميع على أنّ السّبب الذي فاقم من آثارها وخسائرها هو التّقصير في تهيئة المدن وشبكات صرف المياه فيها، والتفريط في إنجاز ما يجب إنجازه لتلافي مثل هذه الحوادث، وعدم إتقان إنجاز مشاريع البنية التحتية.. وبعد تبادل التّهم، وتحميل كلّ طرف المسؤولية لغيره. وكأنّ ما حدث أمر هيّن!، في الوقت الذي يحفظ الجميع قول الفاروق عمر رضي الله عنه: ”لو أنّ بغلة تعثرت في العراق لسُئل عنها عمر”. فكيف بموت إنسان؟! فكيف بموت أناسي؟! فمسؤولية من ما حدث؟
لا يجادل عاقل بأنّ مسؤولية ما حدث متعدّدة ومتسلسلة، وهي تبدأ من محطات يغفل عنها كثيرون. وأولى هذه المحطات، والتي هي السّبب الأول فيما حدث ويحدث، عملية إقامة الصفقات العمومية التي يقع فيها كثير من الأحيان فساد مالي كبير، ومحسوبية مفضوحة يؤدّيان إلى تولّي مهام الإنجاز من ليس بكفء أو ليس بأمين. ثمّ تأتي بعدها محطة الإنجاز، حيث يغيب الإتقان وتظهر صور خيالية للتّحايل ولسوء الإنجاز. وإذا كان الحديث المشهور يقرّر: ”إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه”، فمفهوم المخالفة المستفاد منه: إنّ الله يبغض من عمل عملًا ولم يتقنه!. ثمّ تأتي بعدهما محطة المراقبة، التي من المفروض أن تكون ضمانًا لجودة الإنجاز، لكن للأسف أنّ الفساد يذهب بأهمية هذه المحطة، بل يجعلها محطة خطيرة لإفساد ما ينجز!. ثمّ تأتي بعد ذلك محطة المسؤولين المحليين.. ثمّ المسؤولين الذين فوقهم.. ثمّ الذين فوقهم.. إلى أعلى مسؤول. «وكلّكم راع ومسؤول عن رعيته..». والإثم يقسم بالعدل على الجميع، فبحسب حجم المسؤولية يكون النصيب من الإثم والذّنوب.
إنّ عدم القيام بالمسؤولية والتقصير فيها، وعدم إتقان العمل - وخاصة في المشاريع العامة - هو جريمة ومعصية، وإنّي لأعجب لامرئ ينام ملء جفونه، وهو قد قصّر في مسؤولية ونتج عن تقصيره إضرارٌ بالنّاس وممتلكاتهم! وإنّي لمقاول أو عامل ينام مرتاح البال، وهو قد غشّ في عمله واحتال ولم يتقنه ونتج عن ذلك إضرارٌ بالنّاس وممتلكاتهم! والأعجب من ذلك أنّ هذا الإضرار وما يترتب عليه من ذنوب وآثام قد يحدث بعد أعوام من إنجاز العمل! وقد يحدث طيلة أعوام! وقد يحدث بعد موت المتسبّب فيه! فأعظم بها من معصية! وأعظم بها من جريمة! وأعظم به من تفريط وتقصير! وأعظم به من تضييع للأمانة.
نعم، إنّ اشتراك جماعة في عمل أو مسؤولية يحمّلهم جميعهم أوزارها إن كانت معصية وضررًا، بغض النّظر عمّن كان متسبّبًا فقط ومن كان مباشرًا، إذا تعادلت قوة التّسبب والمباشرة، أو اعتدل السّبب والمباشر بأن تساوى أثرهما في الفعل. كمن اشتركوا في قتل إنسان، فإنّهم يقتلون جميعًا، حتّى قال عمر الفاروق رضي الله عنه: ”لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا”.
وهكذا اشتراك جماعة في الفساد والتفريط يجعلهم جميعًا مسؤولين مأزورين آثمين، فلا يقلن أحد: أنا مجرد عامل بسيط لا أخذ حقّي كاملًا فلماذا أبالي للإتقان وإجادة العمل، فالمسؤول هو الذي يتحمّل الإثم والوزر!
بلى، سيتحمّل المسؤول المقصّر وزره كاملًا بقدر مسؤوليته، وسيتحمّل العامل البسيط المقصّر وزره كاملًا بقدر مسؤوليته أيضًا! وفي شبيه من هذا قال الحقّ سبحانه: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}.
إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول