كيف نحمي أبناءنا من "الحرڤة" والموت في البحار؟

اسلاميات
2 ديسمبر 2018 () - الدكتور عبد الحق حميش
0 قراءة
+ -

ظاهرة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا تصاعدت بشكل غير مسبوق في بلادنا هذه الأيّام، وما أعداد الموتى الّتي تنشرها الجرائد يوميًا عنّا ببعيد.. ويتبيّن لنا يوميًا أنّ أغلب الأخبار الواردة تحمل معها جثثًا جديدة للشّباب المغامر بحياته. وإنّ صور الأمهات الثكالى اللّواتي يبكين بحرقة عن فقدان أبنائهم وهلاكهم في البحر لتدمي القلب وتثير الحزن.

أضحت ”الحرڤة” تستهوي الجنس النّاعم بعد أن كانت حكرًا على الشباب الذكور، وذلك بالرغم ممّا يحف بكلّ رحلة من مخاطر تصل حدّ الموت غرقًا أو في أقلّ الأحيان السقوط بين براثن شرطة السواحل الأوروبية الّتي تعمل ليل نهار على دحر آلاف المبحرين في مركبات آيلة للغرق في عمق البحر.
ويتكرّر المشهد المأسوي عشرات بل مئات المرّات، مئات بل آلاف الضحايا والمفقودين في السنوات الأخيرة، وتواصل للخسائر البشرية الّتي لا تعوّض، أمام عجز حكومي واضح عن إيجاد حلّ أمني أو اقتصادي أو اجتماعي لهذه الظاهرة الّتي صارت لا تستثني فئة أو عمرًا أو جنسًا.
وبغضّ النّظر عن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الّتي تدفع بآلاف الشباب والشابات إلى الرمي بأنفسهم في أتون البحر الأبيض المتوسط بأمواجه العاتية والمشاركة في مغامرة غير محسوبة العواقب؛ نجد أنّ المنطلق الإستراتيجي الدافع للحرقة، هو نفسه لدى الذكور والإناث بالنّظر إلى تساوي الظروف السيّئة الّتي ترافق الباحثين عن شغل والّذين يُدفعون دفعًا إلى التفكير في الهجرة السرية علّها تمنحهم حقوقًا استحال عليهم الحصول عليها في البلد الأم.
جاء في الأثر: ”كاد الفقر أن يكون كُفرًا”، لذا انتشرت عبارة شهيرة بين ”الحراڤة” ألا وهي: (يأكلني الحوت ولا يأكلني الدود)، إنّها نتاج الإحساس بالضيم والقهر في الثقافة المحلية الناتج بدوره عن خيارات سياسية فاشلة، زائد انهيار القيم المجتمعية وتفكّك الأسر وتوسّع دوائر الفقر مقابل صعود فاحش للأثرياء وغيرها من العوامل الدافعة للانتحار والحرقة.
إنّ الهجرة السرية هي ردّ فعل على غلق الأبواب أمام الشباب في مجتمعهم، وانعدام الآفاق وانكسار أحلام المئات منهم، خصوصًا الحاصلين على الشّهادات العليا، ما يدفعهم إلى البحث عن أيّ منفذ للخروج من الأزمة، وغالبًا ما يكون الحلّ هو الوصول إلى الضفة الأخرى للبحر المتوسط بأيّة طريقة كانت.
هذه المأساة المستمرّة منذ عدّة أعوام، تعود أسبابها إلى فقدان الأمل والأزمة الاقتصادية، وكذلك المعاناة اليومية، والتطلّع إلى غدٍ أفضل، وبخاصة مع عدم قيام المسؤولين بواجباتهم تجاه المواطنين. ويرى باحثون أنّ الهجرة غير النظامية الّتي تمثّل نزيفًا للطاقة الشبابية في البلاد، تجاوزت خلال السنوات الأخيرة مسألة البطالة وتحسين الأوضاع المعيشية، لتعبّر عن إحباط اجتماعي واقتصادي ونفسي، وتمثّل هروبًا من الأوضاع العامة الصعبة وانسداد الآفاق والخيارات في المجتمعات العربية والإفريقية.
ويُلقي الارتباك السياسي للحكومات العربية في التعاطي مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتنامية وغياب الخطاب المطمئن حول المستقبل، بظلالها على شريحة واسعة من أفراد المجتمع، ومقارباتهم للمستقبل وإحساسهم بالأمان.
إنّ الحلّ لا يحتاج إلى مقاربات أمنية وحراسة الحدود والممرات البحرية فقط، بقدر ما يحتاج  إلى حلول جذرية: اقتصادية وتنمية اجتماعية ونزع عوامل الإحباط واستعادة روح المواطنة والانتماء، وتحقيق العدالة الاجتماعية، لنزع غواية الحلم الّذي يأخذ النّاس من أوطانهم إلى شفير الحياة أو الموت. يقول صلّى الله عليه وسلّم: ”كلّكم مسؤول وكلّ مسؤول عن رعيته”.
وإنّ المنظومة الّتي يمكن أن تزيل هذه الظاهرة يجب أن تكون متكاملة، يشارك فيها كلّ الفاعلين داخل المجتمع من الأسرة أوّلًا ثمّ إلى المدرسة والمسؤولين كلّ في قطاعه، والإعلامي، وحتّى الإمام داخل المسجد، بالإضافة إلى الشرطي والدركي والجمركي، فكلّ هؤلاء يشاركون بنظرتهم في التقليل من ظاهرة الحرقة وتوعية النّاس من مخاطر ما يحدث، ثمّ البحث عن الأسباب الحقيقية الّتي تجعل الشاب يلجأ إليها، ومن ثمّ تقديم الحلول الناجعة للحدّ منها.
ولابدّ من توفير فرص العمل للشباب مع ضمان العدالة في الأجور، وفتح مجالات لاستثمار المؤهلات الشبابية كالنّوادي الثقافية والجمعيات، وتحفيزهم على المشاركة في الحياة السياسية وتبنّي الخطط اللازمة والفاعلة للنهوض بالتعليم. وكذا الاستماع والتكفل بانشغالاتهم حيال البطالة وانسداد الآفاق التي تدفع للهجرة غير الشرعية.
وعلى الشباب الّذي يفكّر في الهجرة السرية أن يعلم بأنّ المسألة ليست سهلة، بل هي أصعب بكثير ممّا يتخيّله هؤلاء الشبان، فأوروبا لم تعُد تلك البلاد الّذي يمكن أن يعيش فيه هؤلاء بكرامة، خاصة ممّا يتعرّض له الناجحون في الوصول إلى الضفة الأخرى من الإهانة والإذلال بمراكز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين في أوروبا. ومَن يسلم منهم سيعيش هناك الفقر المدقع والبرد القارص وأنّ الأجور هناك متدنية جدًّا ولا يمكن أن تكفي الإنسان ليعيش عيشة كريمة وسيلجؤون إلى الجريمة أو التجارة في المخدرات والممنوعات، وسينتهي بهم الأمر في السجون، ومن تمّ التّرحيل والإبعاد.
وعلى الحكومات العربية، أن تتبنّى سياساتٍ فعّالةً قادرةً على احتواءِ هؤلاء النّاس عبر إيجاد الفرص الاقتصادية المحلية، وكذلك عبر توقيع اتفاقاتٍ تسمحُ بتسهيلِ الحصولِ على تأشيراتِ السفر للراغبين في السفر إلى الخارج بالطرق الشّرعية، إلى جانب العمل على القضاء على أسبابها، وليس الاكتفاء بتحريمها فقط أو تجريم المغامرين.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول