منهج المسلم الرّشيد في استقبال العام الجديد

اسلاميات
31 ديسمبر 2018 () - الدكتور عبد الحق حميش*
0 قراءة
+ -

ونحن عندما نودّع سنة ونستقبل أخرى، سواء أكانت هذه السنة تبدأ بميلاد السيّد المسيح عليه السّلام الّذي هو رسول الله وروح منه وكلمته ألقاها إلى مريم، أو كانت سنة هجرية تبدأ من هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكّة إلى المدينة، ليبدأ تأسيس الدولة الإسلامية، فإنّنا في التاريخ الميلادي أو الهجري نعيش المناسبتين، نتّعظ ونستذكر منهما الدروس والعبر..

 إنّ عجلة الزّمن تدور، وقطار العمر يمضي، وأيّام الحياة تمرّ، فمن منّا يتأمّل في ذلك جيّدًا، ويعتبر بما يجري، فالاعتبار مطلبٌ شرعي، أمرنا الله تعالى به في كتابه الكريم فقال سبحانه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}. وإنّ العقلاء والحكماء من النّاس ليتبصّرون في مضي الدّقائق والسّاعات واللّيالي والأيّام، ويعتبرون بما فيها من مواعظ وأحداث وفوات، فيقرّرون استغلالها فيما ينفعهم، فإنّ كلّ ماضٍ قد يُسترجع إلّا العمر المنصرم، فإنّه نقص في العمر، ودنٌّو في الأجل.


فها نحن نودِّع عامًا ميلاديًا قد مضى، ونستقبل عامًا ميلاديًا جديدًا، لقد عَفَتْ سَنَةٌ من عمرِ كلِّ واحد منّا، ودنَونا من آجالنا الّتي كتبها الله لنا، أفلا يَجدُر بكلّ منّا أن يقف وقفةَ تأمُّلٍ، نحاسب فيها أنفسنا ونراجع رصيدنا كما نفعل في الأمور الاقتصادية، ونخطّط لأنفسنا برنامجًا نافعًا مفيدًا لنا ولأسرتنا ومجتمعنا وأمّتنا..


مَضَتْ سَنَة، وهي عدَّة غير قليلة تتّسع لجليل العمل عند المُجد، فهلا سألنا أنفسَنا: هل أدَّينا ما علينا من واجباتٍ أوجَبَها الله علينا؟، هل كانت حسناتنا أكثر أم السيّئات؟، هل نجحنا في العمل على تقدم أنفسنا بتخلِّينا عن كثيرٍ من النّقائض الّتي فينا؟، هل شعرنا بمسؤولياتنا نحو أُسرنا من أولاد وزوجات، وإخوة وأخوات، وغيرهم من الأقرباء والأصدقاء والجيران، ونحو مجتمعنا وبلدنا؟، هل قدّمنا ما ينفع لأمّتنا؟ هل ساهمنا في بناء مجتمعاتنا ولو بشيء يسير...؟، ثمّ هل لدينا العزمُ على أن نغيِّر واقعَنا إلى الأفضل في هذا العام الجديد؟
إنّ هذه المُسَاءلة والمحاسبة الموضوعيةَ هي الخطوة المتقدِّمة في طريق الصّلاح والفلاح.


ولْنعلَمْ أنّنا الآن في فسحة من أمرنا، وأنّنا قادرون على تلافِي النّقص الّذي كان فيما مضى إن أرَدْنا، والعاقل مَن يستغلّ الفسحة فيغتنم صحّتَه وفراغه وحياته، قبل مرضِه وشغله وموته، فيَعمل لله العمل الصّالح، ويستدرك ما فاته من نقص وإهمال، قال عليه الصّلاة والسّلام: ”اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.


إنّ العمر يمضي -والوقت هو رأسُ مالِ المسلم- وهو يمضي بسرعة ولا يتوقّف ولا يعود، فمَن ضيَّعه كان من الأشقياء المُفْلِسين الخاسرين، ومَن ملأه بالعمل الصّالح كان من السُّعداء المُفْلِحين. وإنّ المؤمن الواعي الصّالح يغرف ويدّخِر إحسانًا كثيرًا من مجرى الوقت، فلا يترك الوقت أو الزّمن يذهب فراغًا أو سدىً وجفاءً أو استهتارًا.


وإنَّ المطلوب الآن من الجميع هو المُصالحة مع النّفس، ومع المجتمع، وتجديد عهد جديد كلّه عزم وإصرار على العمل الصّالح والمشاركة البنّاءة النّافعة. ولتكن نظرتنا للعام القادم أنّنا نستقبل سنةً جديدة تحمل معها أملًا جديدًا بمستقبلٍ يملؤه النّجاح والتقدّم، وأيّام آتية ترفرف بتفاؤل وإصرار، تطوي كلّ ما خلفها من آلامٍ وفشل، فننظر لها بعينٍ مشرقة متلألئة بأنّ الآتي أجمل.
ما أجمل ونحن في بداية هذا العام أن نتفاءل بالخير، ونستبشر بأنّ قادم الأيّام أفضل، وأن ننطلق بروحٍ جديدة، روح التّفاؤل والتحدي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ”كان يعجبه عليه الصّلاة والسّلام الفأل الحسن ويكره الطيرة”، بل ذهب عليه الصّلاة والسّلام إلى أبعد من ذلك فقال كما في حديث أبي هريرة: ”إذا قال هلك النّاس فهو أهلَكُهُم”. فكانت نظرته عليه الصّلاة والسّلام للمستقبل نظرة تفاؤل، نظرة تبعث الأمل في النّفوس، مع أنه مّر به من المحن والمصائب والنّكبات والآلام الشّيء الكثير.


وعلى المسلم أن يخطّط لنفسه ما سيقوم به في سنته القادمة، إنّ غياب عنصر التّخطيط عن حياتنا في جميع اتّجاهاتها هو من أبرز عناصر الفشل فيها، إنّ التّخطيط أمر حتمي في الحياة لا غنى عنه، فالشّخص الّذي نجح في وضع رسالته ورؤيته في الحياة لا بدّ وأن يحوّل هذه الرُّؤية إلى أهداف واضحة ثمّ يضع خطّة محكمة لتنفيذ هذه الأهداف؛ وذلك لأنّه يريد أن يتوجّه بكلّ قوّته نحو هدفه مباشرة ويريد الوصول بأسرع وقت ممكن ولا يكون ذلك إلّا بالتّخطيط لهذه الجهود قبل عملها، إنّ المسلم يخطّط تخطيطًا بعيدًا يتجاوز الحياة الدّنيا، إنّه التّخطيط لآخرته ومصيره بعد موته ومنقلبه عند قدومه على ربّه، بل لأجل ذلك ينبغي أن يتعلّم التّخطيط لحياته الدّنيا ليكتمل النظام في كافة جوانب حياته.


ولا بدّ من العزيمة الصّادقة على استغلال أيّام هذا العام ولياليه في فعل الخير ونفع النّاس، وإنّ اتّصاف المرء بالعزيمة والطموح والتّخطيط في ضوء نور معرفته لهدفه وسبيله، هو أقوى ما يمكن أن يتّصف به الشّخص الفاعل والمؤثّر، فالعزيمة تدفع وتقوّي، والطموح يُبشّر ويجذب نحو الهدف المخطط المرسوم.


ومن هنا كان صلّى الله عليه وسلّم يركّز في توجيهه لأصحابه نحو بناء العزيمة في نفوسهم، وأنّه لابدّ من همّة القلب قبل همّة الأعضاء. إنّه في مواقف كثيرة، يخبرهم أنّ المرء قد يبلغ الدّرجات العُلى بهمّة قلبه، حتّى قبل أن تصل إليها جوارحه وأعضاء جسده، يقول في الحديث عليه الصّلاة والسّلام: ”من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة”.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول