أهمية تربية النشء على القيم الدّينية

اسلاميات
10 فبراير 2019 () - الدكتور عبد الحق حميش*
0 قراءة
+ -

الأبناء غِراس حياة، وقطوفُ أمل، وقُرّة عين الإنسان، هم بُناة الغد، وهم رجاله: مفكِّروه وسواعده، ودروع أمَّته، وحُماة استقراره، وهم في الإسلام مستودَع أمانات الآباء، يحفظون الدِّين، وينقادون لربّ العالمين؛ من أجل ذلك وجَّه الإسلام عنايته إلى تربيتهم؛ حتّى يسعد بهم المجتمعُ، ويصعدوا هم بالمجتمع.

لقد شمِلتْ عناية الإسلام جميعَ جوانب حياة الفرد؛ لينمو نموًّا متكاملاً، نموًّا يشمل: جسمه وروحه، وخلقه وعقله، وبالمحافظة على هذا النّمط العالي من التّربية الراقية، يربَّى المواطن الصّالح، الّذي يعرف حقوقه وواجباته، ويبني الفرد المسلم القويّ الّذي يعيش بعقيدته الصّحيحة وعقله الواعي وخلقه القويّ.
ولقد حثَّ الإسلامُ على تربيةِ الأولاد، ومحاولة وقايتهم من النّارِ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، وقال عزّ وجلّ: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ}.
إنّ تربية الأبناء من أفضل الأعمال وأقرب القربات، فهي دعوةٌ، وتعليمٌ، ونصحٌ، وإرشادٌ، وعملٌ، وقدوةٌ، ونفعٌ للفرد والمجتمع، وكيف لا تكون من أعظم الأعمال وأجلِّها وهي مهمّة الأنبياء والرّسل، وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وإنّ من أعظم ما افترضه الله علينا تجاه نعمة الذرية أن نقوم على أمر تربيتهم وتعاهدهم بما يصلح لهم أمور دنياهم وآخرتهم، لأنّ الأبناء أمانة ومسئولية، يقول عليه الصّلاة والسّلام: ”كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”.
ولا شكَّ أنَّ للتّربيةِ أثرٌ كبيرٌ في صلاحِ الأولاد؛ فالأولادُ يُولدون على الفطرةِ، ثَّمّ يأتي دورُ التّربيةِ في المحافظةِ على هذهِ الفطرة أو حرفها ”كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانِه، أو يُنَصِّرَانِه، أو يُمَجِّسَانِه”، والولدُ على ما عوَّدهُ والده.
وينشأُ ناشئُ الفتيـانِ منَّا على ما كان عوَّدهُ أبوه
فالطفل هو اللّبنة الأولى في المجتمع، إن أُحسن وضعها بشكل سليم، كان البناء العام مستقيمًا مهما ارتفع وتعاظم، وكما أنّ البناء يحتاج إلى هندسة وموازنة، كذلك الطفل فإنّه يحتاج إلى هندسة وموازنة بين ميوله وطاقاته، ويفتقر إلى تربة صالحة ينشأ فيها وتصقل مواهبه، لذا اعتنى الإسلام بالطفل قبل أن يولد وذلك بالبحث عن المكان المناسب الّذي يتكوّن فيه، ويتربّى فيه. فالولد الصّالح هو خير كنز يتركه المسلم من بعده، فهو نافع لأبويه في حياتهما وبعد موتهما. ولذلك يقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ”إذا مات العبد انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يَدعو له”، بل إنّ الذرية الصّالحة يُجمع شملها مع آبائها الصّالحين في الجنّة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}.
وإهمال الطفل وعدم تربيته تربيةً صالحةً منذ نعومة أظفاره لها أثر سيّئ على سلوكه، حيث إنّ الطفل الّذي لم يتلق تربية صالحة فإنّه في الغالب عندما يكبر ويشبّ، يقع في المحرّمات والموبقات، ويعقّ والديه ولا يبرّهما، ويقطع الأرحام ولا يصلها، ويضرّ المجتمع كلّه..
وإنّ أعظم صور تأديب الأبناء تعليمهم الصّلاة وغرس محبّتها في قلوبهم ليقوموا بحقوقها خير قيام، كما قال تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}، يقول ابن عاشور: انتقل من تعليمه أصول العقيدة إلى تعليمه أصول الأعمال الصّالحة فابتدأها بإقامة الصّلاة، والصّلاة التوجّه إلى الله بالخضوع والتّسبيح والدّعاء في أوقات معيّنة في الشّريعة الّتي يدين بها لقمان، والصّلاة عماد الأعمال لاشتمالها على الاعتراف بطاعة الله وطلب الاهتداء للعمل الصّالح، والصّلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام الّتي يقوم عليها بناؤه، وهي عموده وأساس من أعظم وأهمّ أسسه، وهي ألصق شعيرة دينية تُلازم الإنسان المسلم طول حياته ما دام مكلّفًا حاضر العقل.
وقد أوصى الله تعالى عباده المؤمنين بأن يُحافظوا عليها فقال: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}، فهي الشّعيرة العظيمة الّتي سمّاها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم نورًا وجعلها للدِّين عِمادًا وهي الصِّلة الّتي تربط بين العبد وخالقه في اليوم الواحد خمس مرّات، هي محطات للخلوة بالإله العظيم ومُناجاته وذِكره وتعظيمه سبحانه. فيها يقف العبد مُوَلِّيًا وجهه نحو رَبّه، فيقول جلّ من قائل: ”حمدني عبدي، مجّدني عبدي، فلِعَبْدي ما سأل”، وهي مفتاح الجنّة والحصن الحصين من الذّنوب والمعاصي. قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.
وقد نبّه رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم الأبوين إلى ضرورة ربط صلة الأبناء بالله تعالى في سن الطفولة المبكرة –عند سن السابعة־ لأنّ ذلك أدعى أن يشبّ الأولاد على محبّة الله والحرص على الصّلاة وإدراك أسرارها وفضائلها الكثيرة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”مُرُوا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفَرِّقوا بينهم في المضاجع”.
ويأتي دور المدرسة مكمّلًا لدور الأسرة في التَّوعية والتَّربية الدّينيَّة السَّليمة للأطفال بشكل عمليّ محبب إليهم، فعلى المدارس تخصيص المكان الملائم الّذي يتَّسع لصلاة الطُّلاب في المدرسة حتّى يتعوّدوا عليهم ويألفوها فتؤثّر فيهم وتنهاهم عن المنكرات وتُحبّب إليهم الخير والمعروف ودوام الصّلة بالخالق سبحانه.

 

[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول