حالنا بين أقوالنا وأفعالنا

اسلاميات
13 فبراير 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

ظاهرة لا تخفى على أحد، هي ظاهرة البون الشّاسع بين ما نقول وما نفعل، بين ما ندّعيه وما نمارسه، بين ما نؤمن به وما نعيشه؟ وهي ظاهرة نبّهنا القرآن الكريم إليها وإلى خطورة آثارها، فقال عزّ من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ
مَا لاَ تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.

قال الصّحابي الجليل ابن عبّاس وغيره: نزلتْ بسببِ قَوْمٍ قالوا: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ العَمَلِ إلى اللهِ تعالى لسَارَعْنَا إليه، ففرضَ اللهُ الجهادَ وأعلَمَهُمْ بفَضْلِه؛ وأَنَّهُ يُحِبُّ المقَاتِلينَ في سبيله كالبنيانِ المَرْصُوصِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ منهم، وفَرُّوا يومَ الغزوِ فَعَاتَبَهُمُ اللهُ تعالى بهذه الآية، وقال قتادة والضحاك: نزلتْ بسببِ جماعةٍ من شبابِ المسلمينَ كانوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنفسِهم في الغزو بما لم يفعلوا. وأيًّا كان سبب نزول هذه الآية فلا ريب أنّ حكمها عام، أو كما قال سيّدي عبدالرّحمن الثعالبي في تفسيره: ‘’وحُكْمُ هذهِ الآيةِ بَاقٍ غَابِرَ الدهرِ، وكلَّ مَنْ يقولُ ما لا يفعلُ فهو مَمْقُوتُ’’. والمقت هو1 البغض بل أشدّ البغض وأبلغه وأفحشه، ومن استوجب مقت الله لزمه العذاب؛ فالآيتان تتضمنان العقاب من الله سبحانه والاستنكار لأَنْ يقول الذين آمنوا ما لا يفعلون.
إنّ الإسلام يريد من معتنقه أن يعيش في وئام مع نفسه، يطابق باطنُه ظاهره، ويوافق قولُه فعله، ويصدّق حالُ واقعه مقتضى إيمانه، من أكبر القضايا كالجهاد والإيمان كما تشير إليه الآيتان السابقتان، والآيات الّتي توافقها في المنحى والمقصد من مثل قوله تعالى مندّدًا باليهود: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وقوله تعالى مندّدًا بالمنافقين: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول} وقوله فيهم أيضًا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبّ الْفَسَادَ}. إلى أبسط القضايا اليومية الّتي لا يلقي أغلب النّاس إليها بالَه، كملاعبة الطفل الصغير الّذي لا يميّز، كما يشير إلى ذلك حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: ‘’أتانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب؛ فقالت أمي: يا عبد الله تعالى أعطك؛ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ‘’وما أردت أن تعطيه’’، فقالت: تمرًا؛ فقال: ‘’أما إنّك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة’’ رواه أحمد وأبو داود. نعم إلى هذه الدرجة يريد الإسلام من معتنقه أن يصدق في ما يقول وأن يطابق واقعه مُدَّعاه.
إنّ هذه الآفة، نقول ما لا نفعل، داءٌ عياء، وبلاءٌ أي بلاء؟! ولمّا أصبنا بها فقدنا الكثير من تميّزنا وفعاليتنا، وآثارها السّلبية لا يُخطئها النّاظر أينما أشاح بناظره، ولن تستقيم حياتنا، ولن يُصلِح حالنا، إلاّ إذا صارت أفعالنا ترجمة لأقوالنا تفهمها الأقوامُ على اختلاف لغاتها!
ولقد سمعت مرّة العلامة مصطفى ديب البُغَا يتكلّم عن خطبة الجمعة (عدد خطب الجمعة الّتي تلقى كلّ جمعة في العالم أجمع عدد مهول!) وأهمّيتها وخطورتها، والأثر المفترض أن تتركه في الأمّة، فوضع نظريةً طريفة سمّاها النّظرية الرُبعية فقال: لو أن رُبُع مَن يحضر الجمعة يفهَم ربع ما يقول الإمام، ويَعمَل بربع ما يفهم، ويخلص في ربع ما يعمل، ويداوم على ربع ما يخلص؛ لكان حالنا غير هذه الحال.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول