الحكم الراشد ودوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية

اسلاميات
24 فبراير 2019 () - الدكتور عبد الحق حميش*
0 قراءة
+ -

لن تنهض أمة أو دولة إلا إذا امتلكت حكومة رشيدة تحكم بالعدل والشفافية التامة، تسعى لرفاهية مواطنيها، تحقق آمالهم وأمانيهم وتوفر لهم الكرامة الإنسانية
والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية، ولن تتمكن أي حكومة من تحقيق
تطلعات شعوبها إلا إذا طبقت مبادئ الحكم الرشيد.

وفقا لتقرير التنمية الإنسانية العربية 2002، فإن الحكم الراشد هو “الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويسعى إلى تمثيل كافة فئات الشعب تمثيلاً كاملاً وتكون مسؤولة أمامه لضمان مصالح جميع أفراد الشعب”.
وتعرف منظمة الشفافية الدولية الحكم الرشيد بأنه هو الغاية الحاصلة من تكاتف جهود كل من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومختلف المواطنين في مكافحة ظاهرة الفساد، بداية من جمع المعلومات وتحليلها ونشرها لزيادة الوعي العام حول الظاهرة وخلق آليات تمكن هذه الأطراف من القضاء على الظاهرة أو على الأقل التقليص منها.
يتضمن الحكم الراشد في طياته مقومات الديمقراطية الحقيقية التي تقوم على مبدأ تفعيل المشاركة السياسية للمواطنين جميعًا، عبر عملية اختيار القائمين على السلطة ورصدهم واستبدالهم في إدارة وتسيير شؤون الدولة، ويكفل لهم مجموعة من الآليات التي تمنحهم الحق في متابعة اختياراتهم وقرارات المسؤولين وفق مبدأ المساءلة وكذلك الشفافية وغيرها من مبادئ الحكم الرشيد. ويقابل الحكم الراشد الحكم السيئ الذي يتصف بغياب الإطار القانوني أو عدم تطبيق القانون مع وجود مثل هذا الإطار، وعدم كونه عادلًا مع الجميع في حال تطبيقه، وعدم شفافية المعلومات، والفشل في الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، خاصة بين المال العام والخاص، وضعف ثقة المواطنين بالقوانين، ووجود أولويات تتعارض مع التنمية وإساءة استخدام الموارد. وأهم ركيزة يقوم عليها الحكم الراشد هي سيادة القانون، مبدأً للحوكمة يكون فيه جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات، العامة والخاصة، بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام قوانين صادرة علنًا وتطبق على الجميع بالتساوي ويحتكم في إطارها إلى قضاء مستقل وتتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويقتضي هذا المبدأ كذلك اتخاذ تدابير لكفالة الالتزام بمبادئ سيادة القانون والمساواة أمام القانون والمساءلة أمام القانون والعدل في تطبيقه والفصل بين السلطات والمشاركة في صنع القرار واليقين القانوني وتجنب التعسف والشفافية الإجرائية والقانونية.
إن الحكم الرشيد وسيادة القانون وأثرهما على التنمية سيساعد إلى حد كبير في تحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز المساواة بين جميع أفراد المجتمع والارتقاء بالرعاية الصحية والشؤون التعليمية وتنوع الخدمات وغيرها ومساعدة الفئات المهمشة والمشاركة في شؤون الحياة العامة والمحافظة على حقوق الإنسان واحترام الآخرين وتعزيز نظام دولة القانون ومؤسساتها المبنية على المحافظة على موارد الدولة وطريقة استثمارها وتوزيعها بصورة شفافة وواضحة، تخضع لمفهوم المحاسبة والمسؤولية ولأي تقصير تجاه الوطن والمواطن.
ويمكننا قياس الحكم الراشد من خلال تحقيق حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ومن توافر الحق في الحياة والصحة والمسكن والطعام، والمساواة في التعليم، والأمن الشخصي والجماعي، وتعزيز مفهوم المشاركة، وتطبيق النظام الديمقراطي، وكذلك مكافحة الفساد، وهذه كلها تعتبر مكونات أساسية للتنمية المستدامة للمجتمع، بالإضافة إلى فرص بناء إعلام حر يضمن استقلال المؤسسات والمنابر الإعلامية وتعطي الحق لكل إعلامي في ممارسة دوره المهني دون مراقبة مسبقة أو ضغط سياسي أو أمني أو مالي ودون ضغط وإكراه مجتمعي، وكل هذه السبل الرامية لتعزيز مبدأ الحكم الراشد تعمل على إدخال الإصلاح كتطلع منشود للمجتمعات العربية والإسلامية.
إن السلطة ضرورة اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة عدل الإسلام، ولأن الإسلام دين لكل العصور ولكل البشر، فقد اكتفى بما من شأنه التطور بتأسيس القواعد العامة كما هو حاصل في مسألة شؤون الحكم، حيث اكتفى بالأمر بالشورى والعدل واحترام رأي الجماعة والتشنيع على حكم الانفراد والاستبداد، تاركا لاجتهاد المسلمين وتجارب الزمن استنباط وتطوير الآليات القمينة بترجمة قاعدة الشورى وسلطان الأمة في نظام سياسي يمنع الاستبداد ويحقق الكرامة الإنسانية، وهو ما كان إسهام التجربة الغربية في تطويره معتبرًا.
إن الشريعة الإسلامية قد نهجت في تحقيقها للمقاصد العامة في التشريع الإسلامي إلى تحقيق العدالة والرحمة ومصالح الناس، فالسلطة في الإسلام تمارس أعمالها لتحقيق العدل، باتخاذها الأدوات والوسائل المشروعة التي تتطابق مع الشريعة ولا تتعارض معها. وسِيَر الخلفاء الراشدين تبين الكثير من المواقف التي يستدل منها على مدى حرص الصحابة رضوان الله عليهم، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، على تطبيق العدالة في خلافتهم التي بدأت منذ تولى الخليفة الراشد أبوبكر الصديق رضي الله عنه إعلانه دستور حكمه العادل.
إن الحكم الرشيد الذي تنشده جميع الشعوب العربية والإسلامية هو حكم يهدف إلى إقامة العدل الذي لا استثناء معه، والحرية التي لا ازدواجية فيها، والكرامة الإنسانية التي لا انتقاص فيها لأحد مهما كان ضعيفًا. فهل نبدأ جميعًا كدول وحكومات ومؤسسات وهيئات وجمعيات وجماعات بتطبيق الحكم الرشيد؟
[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول