التّحذير من التّهاون وإخلاف الوعد

اسلاميات
1 مارس 2019 () - عبد الحكيم قماز
0 قراءة
+ -

مدح الله عزّ وجلّ سيّدنا إسماعيل عليه السّلام بالصِّدق في الوعد والالتزام به، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا} مريم:54، قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره هذه الآية الكريمة: ”صدق الوعد من خُلق النّبيّين والمرسلين، وضدّه وهو الخلف مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين”.
وحثّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على الوفاء بالوعد، وجعل مَن يخلف الوعد قد اتّصف بصفة المنافق، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: ”آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف”، قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى في قول النّبيّعليه الصّلاة والسّلام ”إذا وعد أخلف”: ”إنه محمول على مَن وعد وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر، فأمّا مَن عزم على الوفاء ومَن له عُذر منعه من الوفاء لم يكن منافقًا وإن جرى عليه ما هو صورة النّفاق، ولكن يحترز من صورة النّفاق كما يحترز من حقيقته.. ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورًا من غير ضرورة”.
وكان سلفنا الصّالح رضوان الله عليهم يحرصون كلّ الحرص على إنجاز ما يوعدون به، فهذا سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان يقول أصحابه إنه إذا وعد فقال: إن شاء الله، لم يخلف. وهذا محمد بن سيرين رضي الله عنه يواعده ابن عبد ربّه القَصَّاب فيقول: ”واعدت محمد بن سيرين أن أشتري له أضاحي فنسيتُ موعده لشغل ثمّ ذكرت بعدُ، فأتيته قريبًا من نصف النهار، وإذا محمد ينتظرني، فسلّمتُ عليه فرفع رأسه فقال: أما أنه قد يقبل أهون ذنب منك، فقلت: شُغِلتُ، وعنّفني أصحابي في المجيء إليك وقالوا: قد ذهب ولم يقعد إلى الساعة، فقال: لو لم تجئ حتّى تغرب الشّمس ما قمتُ من مقعدي هذا إلّا للصّلاة أو الحاجة لا بدّ منها”.
لقد انتشرت ظاهرة عدم الوفاء أو الإخلاف بالوعد في مجتمعاتنا المعاصرة رغم أهمية الوفاء بالوعد والصّدق فيه والّذي حرصت أحاديث النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحثّ عليه، وخاصة حديث هرقل المشهور لمّا قال لأبي سفيان: ”سألتُك ماذا يأمركم؟ فزعمتَ أنّه أمركم بالصّلاة، والصِّدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبيّ”. فالوفاء بالوعد والعهد من صفة الأنبياء، ومن صفة أتباعهم ومن جرى على سُنّتهم.
وإنّ الالتزام بالمواعيد المضروبة، صفة من صفات الأنبياء والمرسلين، وخُلُق من أخلاق العلماء والصّالحين، وأدب من آداب الرجال الصّادقين، فبه يحفظ الأوقات من الضّياع، فتحصل المصالح، وتعُمّ الفائدة، ويتّصف صاحب الوفاء بصفة حميدة يحبّه عليها الله والنّاس، قال عبدالرّحمن بن أَبْزى رضي الله عنه: كان داود عليه السّلام يقول: ”لا تَعِدنَّ أخاك شيئًا لا تنجزه له، فإنّ ذلك يورث بينك وبينه عداوة”.
وقد يواعد المؤمن أخاه ويخلف وعده، فإن كان معذورًا فلا إثم عليه، وإن لم يكن كذلك كان آثِمًا، أمّا الحالات الّتي يُعذَر فيها المؤمن الّذي يُخلِف وعده، فقد حصرها العلماء في: النِّسيان، لأنّ الله سبحانه وتعالى عفَا عن النّسيان في ترك واجب أو فعل محرَّم، قال تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. والإكراه على إخلاف الوعد، عن بعدالله بن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه” رواه ابن ماجه. والوعد على فعل محرَّم أو ترك واجب. وحصول طارئ مع صاحب الموعد من مرض أو وفاة قريب أو تعطّل وسيلة النقل وغير ذلك...، وهي أعذار كثيرة، تدخل في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والله أعلم.
وقد شخّص العلماء لعلاج هذه الظاهرة الّذي يتفشّت في أوساط مجتمعاتنا المعاصرة بمختلف شرائحها وتوجّهاتها حتّى الملتزمين منها، في التّركيز على التّربية الإيمانية أجل القضاء عليها كليًّا أو التّخفيف من آثارها، مع تكريم وتشجيع للملتزم بالوعد تكريمًا معنويًا أو ماديًا مناسبًا وخاصة لدى الشّباب والنّاشئة، وهذا يغري الكبار ويشجّعهم على الوفاء بالوعد، وكذا إشعار المتأخّر أنّهم ليسوا في حاجة إليه أو أن ينصرفوا دون انتظار حضوره، وغيرها.
وإنّه لجدير بأمّة القرآن وأمّة الإسلام أن تسترد عزيمتها وتقوّم سلوكها وتغيّر منهجها وفق منهج الحقّ والصّلاح والاستقامة، وأن تنشئ الجيل القادم على الفضيلة والصِّدق والوفاء، لأنّه من المؤسف أن يتّسم غير المسلمين ببعض صفات الخُلُق القويم كالوفاء بالوعد، ويتسم المسلمين بعكس هذا الخُلُل النّبيل.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول