متى نصل إلى الدّرجة الدّنيا؟

اسلاميات
6 مارس 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

عن الحافظ الصّادق الصّحابيّ الجليل أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المشهور: “الإِيمَانُ بِضْعٌ وسبعون -أو بِضْعٌ وستُونَ- شُعْبةً؛ فأفضلُها قولُ لا إلهَ إلاّ اللهُ، وأدْناها إماطةُ الأذى عن الطّريقِ، والحياءُ شُعْبةٌ من الإيمان” رواه مسلم، هذا حديث شريف من الأحاديث النّبويّة ذات الدّلالات العميقة والمعاني الرّائقة.
قد سبقت لي وقفة مع هذا الحديث الجليل، قلتُ فيها تعليقًا على قوله عليه السّلام: «وأَدْناها إماطةُ الأَذَى عن الطّريقِ»: وإنّي أرى -والعلم عند الله- أنّ هذا التّمثيل النّبويّ الشّريف كما هو مكتنز بالمعاني الإيمانية هو مكتنز بالمعاني الحضارية. وعلى هذا قد يكون من أسرار ذلك أنّ الإيمان ليس مجرّد ادّعاء بل هو حقيقة تظهر بتحرّك من اكتسبها نحو العمل الصّالح ونفع النّاس، ولو بالشّيء اليسير، وهذا قد نفهمه من معنى (أدناها)، حيث قال بعض شراح الحديث: معنى “أدناها” أقرَبُها تَناولًا وأسهلُها تواصُلًا، فهي لا تتطلّب جهدًا كبيرًا وعملًا ثقيلًا، فلا يعقل أن يعجز عن القيام بها مدّعي الإيمان مع خفّتها و(بساطتها). وقد يكون من أسرار ذلك أنّ الإيمان يحثّ على احترام حقوق النّاس والامتناع من أذيتهم، ومن أعظم أذية النّاس مضايقتهم في طرقاتهم وإلقاء الأذى فيها. وقد يكون من أسرار ذلك أنّ الإيمان يؤسّس رابطة تضمّ شمل المؤمنين، وعاطفة تجعل بعضهم يهتم بالآخرين، ولو في الشّيء (البسيط) الحقير من الأعمال والأقوال. وقد يكون من أسرار ذلك أنّ المقصود بالأذى المعنويّ والحسّي، فالأذى المعنوي الّذي فيه مخالفة للآداب العامة ومجاهرة بالمعاصي له أثر سلبيّ على حياة النّاس ونظام عيشهم وتماسك مجتمعهم أكثر من الأذى الحسّي، فالحديث حثّ على تنظيف الطرقات معنويّا من المعاصي ومن السّلوكيات البذيئة والمنحرفة والشّاذة. وقد يكون من أسرار ذلك التّنبيه على أهمية الإيمان في وجود المواطن الصّالح حيث جعل صلّى الله عليه وسلّم الحرص على نظافة الطرقات من شعب الإيمان، وفي هذا تحريكٌ للوجدان والعاطفة الإيمانية، الّتي تجعل الاستجابة للقوانين والقواعد الأخلاقية سريعة وفعّالة، والانفعال بها صادقًا؛ فتحرّك الإنسان للعمل بإخلاص ضمير وصدق نية بعيدًا عن الرّقابة والعقوبة.
وقد يكون من أسرار ذلك التّنبيه على أنّ نظافة الطرقات حسيّا ومعنويّا مظهر من مظاهر الحضارة، فكلّما ارتقت أمّة في مدارج الحضارة رأيت طرقَها نظيمة نظيفة، وكلّما ارتكست أمّة في مدارك التّخلّف رأيت طرقها تعمّها الفوضى وتجلّلها الأوساخ والفضلات. وأقف اليوم معه وقفة جديدة، فيها محاكمة لواقعنا في ضوء دلالاته ومعانيه. ومفادها أنّ الحديث يصرّح أنّ الإيمان يدفع صاحبه للتّرقّي في مدارج شُعب الإيمان، هذا التّرقّي الّذي يتمظهر في العلوّ في درجات الكمال في السّلوك الحضاري. وبمفهوم المخالفة -كما يقول الأصوليون- أي بعكس الحكم المنطوق به، فإنّ الحديث يصرّح أنّ ضعف الإيمان يؤدّي بصاحبه إلى التّدلّي في درجات شعب الإيمان وصولًا إلى أدناها، هذا التّدلّي الّذي يتمظهر في النّزول في دركات اللاتحضر إلى مرحلة التّعايش مع الأذى والأوساخ في الطرقات والساحات العامة!.
إنّ التّديُّن الصّحيح له أمارات وعلامات، وليس كلّ تديّن -ولو كان صاحبه مخلصًا- يكون تديّنًا صحيحًا، فقد يوجد الإخلاص عند مَن يسيء الفهم، ويسيء التّصرّف، ويسيء الفعل، ويسيء الحكم.. ومعلوم من أحكام الشّرع الحنيف أنّ عمل العامل لا يقبل إلاّ إذا كان مخلصًا صوابًا، وكذلك تديّن المرء لا يصحّ حتّى يكون مخلصًا صوابًا. ومن هنا نعلم أنّه قد يوجد متديّن مخلص في تديّنه، ولكنّ تديّنه غير صواب، وفهمه للدّين غير صحيح. فقد يحرص على أعمال ويحسبها من لبّ التديّن وأساسه، وهي ليست كذلك. وقد يتحرّز من أعمال ويتساهل في أخرى ويحسب ذلك من مقتضى تديّنه، ويكون قد قلّب الأوضاع بأنّ تحرز من صغائر وتساهل مع كبائر... إلى غير ذلك من صور الفهم المغلوط أو المقلوب لأوضاع الدّين الكريم.
وهذا الحديث الشّريف الّذي ذكرناه ينبّهنا إلى أمر خطير يحدث في المجتمعات الإسلامية بما فيها المجتمع الجزائري، ذلك أنّ مظاهر التّديّن متوافرة في مجتمعاتنا -وفي تزايد والحمد لله- رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين ورغم أنف المتغرّبين، إلّا أنّ خللًا ما موجود، وانحرافًا ما واقع، ينذر بانتشار صور التديّن المغشوش الّتي تكتفي بالشكلية والمظهرية ولا تهتم بالجوهر واللبّ والحقيقة، بل إنّ هذا الحديث الشّريف يعرّي واقع مجتمعاتنا؛ لأنّ مقتضاه يجعلنا في مرتبة أقلّ من أدنى مرتبة من شُعب الإيمان!. أليس النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرّر فيه أنّ أدنى شعب الإيمان هي إماطة الأذى عن الطريق؟. فأيّ مرتبة تحتلّها مجتمعاتنا وطرقها مليئة بالأذى المعنويّ والحسيّ؟!. وأيّ مرتبة تحتلها مجتمعاتنا وأفرادُها -إلاّ من رحم الله- لا يميطون الأذى من الطريق ولا يهتمون لذلك؟!. وبالأحرى: في أيّ مرتبة نضع مجتمعاتنا وأفرادُها -إلاّ من رحم الله- يتفنّنون في نشر الأذى في الطرقات، معنويّا: قلّة حياء، وفحشًّا وتفحّشًا، ومجاهرة بالمعاصي... وحسّيا: قذورات في كلّ مكان، ورميًّا للفضلات والمخلّفات من نوافذ البيوت، ومن السيارات، وحال المشي، وفي الحدائق العامة.
وفي كلّ الأحوال... ألسنا في مرتبة أدنى من أدنى مرتبةٍ من شُعب الإيمان؟!، أليس هذا أمر عجاب؟!، فمتى نستطيع أن نرتفع إلى درجةِ أدنى مرتبةٍ من مراتب الإيمان؟!.
وحتّى ذلك الحين لا بدّ أن نعلم أنّ التّغيير والإصلاح يبدأ من القيام بمثل هذه الواجبات اليومية الّتي لا يؤبه لها، كما يقول مالك بن نبي رحمه الله: “.. إنّ التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى للكلمة، الواجبات الخاصة بكلّ يوم، بكلّ ساعة، بكلّ دقيقة، لا في معناها المعقّد، كما يعقّده عن قصد أولئك الّذين يعطّلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء، وشعارات كاذبة يعطّلون بها التاريخ، بدعوى أنّهم ينتظرون السّاعات الخطيرة والمعجزات الكبيرة”.
ولو لم تكن إماطة الأذى من الطريق معيارًا مهمًا في قياس تحضّر النّاس وقبولهم للإصلاح واستعدادهم للترقّي لَما احتفل النّبيّ الكريم عليه السّلام بضربه مثلًا... فتأمّلوا.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول