رجال تسببوا في سقوط بوتفليقة

أخبار الوطن
18 مارس 2019 () - جلال بوعاتي
0 قراءة
+ -

هل كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يتوقع أن الذين تربوا في "حجره" وتمرغوا في "خيره" لسنوات عديدة، سيكونون المعاول التي تهدم حكمه، لبنة لبنة، وتشوّه صورته وهو على قيد الحياة بعد مسيرة "مفعمة" بإنجازات لطالما رافعت لأجلها "الموالاة".

بعد فوز بوتفليقة بالعهدة الرابعة في 2014، زاد عدد المتهافتين على مساندته والدفاع عنه في السراء والضراء، بل وشتم الجزائريين من أجله، بل وهناك من أخرج نفسه من الملة الجزائرية التي عرفت بالعنفوان والأنفة والشموخ. كانت البداية مع الحليف الاستراتيجي، أحمد أويحيى، الذي بذل النفس والنفيس من أجل الإيقاع بالمعارضة بخرجاته المدوية الإعلامية، والتي كثيرا ما نجح في زرع الشقاق بها في صفوفها، بالعزف على وتر الثقة "المتهلهلة" بين مكونات دعاة الانتقال الديمقراطي.

وكان أويحيى يتحدث في ندواته الصحفية باسم الأرندي أو باسم الوزير الأول، بنبرة الواثقة من أن ما حدث في دول الجوار لن يكون له أي تكرار في الجزائر، وأن الجزائريين جربوا الفوضى والدمار والعنف والعنف المضاد خلال التسعينيات، في حال تجرأ أي طيف من الأطياف الحزبية والسياسية على المطالبة بالتغيير. ولم يكن واردا في ذهن أي جزائري (والسلطة أيضا)، أن 22 فبراير الماضي سيكون بمثابة الشرارة الأولى نحو تغيير طال انتظاره، ومع ذلك ظل الذين يوصفون بـ"صناع القرار" مترددين في تصديق مشاهد المسيرات المليونية.

كما لم يكن "الموالون" للرئيس، يتوقعون بأنهم بـ "ولائهم المغشوش" سيسّرعون السقوط "المذل" لرمز من رموز الحكم، جاء لقيادة السفينة في 1999، ليجسد في الميدان ما رفضه الرئيس السابق ليامين زروال، وإعادة إطلاق مشاريع ظلت حبيسة الأدراج بسبب أزمة التسعينات، مثل المطار الدولي والطريق السيار شرق غرب (الذي خطط له في حقبة حكم الراحل الشاذلي بن جديد)!

كان الرئيس بمثابة المنقذ الذي طال انتظاره، من أجل استعادة الأمن والاستقرار وإنعاش الاقتصاد الجزائري المنهار بسبب كثرة "الحلابة والمصاصين"، واستعادة المكانة في المحافل الدولية، مستغلا في ذلك مفاتيح كان يمسك بها، أهمها مفتاح بوابة قصر الإليزي بباريس، التي ما تزال تعتبر الجزائر امتدادا جغرافيا واقتصاديا لها إلى غاية اليوم!

وفجأة انقلب الرمز إلى عامل للفوضى في البلاد؟ كيف يحدث ذلك، وهو (مثلما تفيد حصيلة أويحيى أمام البرلمان) الذي أعاد الأمن وأحيا الاقتصاد، وأرجع الجزائر إلى مفكرة العواصم الكبرى في الشرق والغرب؟

الجواب: إنهم أفراد الزمرة التي تحيط بالرئيس الذي كان على دراية بذلك، فقد دأبوا على مدار العشرين سنة الماضية، على تشجيعه ومباركة كل قرار يبعد به كل من تسوّل له نفسه مناقشته في أبسط القرارات، ويعاقب بالإقصاء مدى الحياة من المسؤولية الحكومية بسبب تصريح لم يرق للمحيط الرئاسي وجرى تحريفه بتقارير مغلوطة، ليكون القرار في مصلحة فلان وضد علان، وهو ما تم، بدون الاسترسال في الشرح، مع رفيق دربه وزير الداخلية الأسبق يزيد زرهوني الذي كان الوحيد من رفض علانية قانون شكيب خليل المتعلق بالمحروقات.

ومن هؤلاء، عبد العزيز بلخادم، الذي لفّق له رفقاؤه في الحزب، تهمة التآمر على الرئيس بوتفليقة بالإعراب عن طموحه في الترشح للرئاسة إذا ما زهد فيها، فكان مصيره "الإقامة الجبرية" ببرقية بثتها وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن "مصدر مسؤول برئاسة الجمهورية". وعلى نفس المنوال، كان مصير وزير الداخلية الأسبق دحو ولد قابلية الذي يقال إنه عارض العهدة الرابعة.

مدح بنكهة انتهازية مقيتة

واستمرت القافلة في السير، ومعها فيلق من المساندين باسم "الموالاة". فهذا عمار غول رئيس تجمع أمل الجزائر، خرج عن القافلة من دون الاعتبار لشعور الجزائريين بالقول: "أنا مع الرئيس بوتفليقة حيا وميتا" !

وكان هذا "أقوى مدح" سمعه الجزائريون من رجل سياسي، إلى غاية إطلالة وزير الثقافة السابق حمراوي حبيب شوقي وعضو مداومة حملة الرئيس بوتفليقة، أنه "يتمنى على الله أن يقبض روحه في نفس اليوم الذي يموت فيه بوتفليقة". ولكن ما فعله جمال ولد عباس المطرود من أمانة الأفالان بشهادة طبية شككت في سلامته البدنية (وربما العقلية)، محطما الرقم القياسي في "الشيتة" (الكلمة التي استعملها الرئيس الراحل أحمد بن بلة مطلع التسعينيات)، عندما أعلن ولد عباس "مساندة العهدة الخامسة لبوتفليقة بل وإلى الأبد"، وهي عبارة تعني أن الرئيس سيبقى في الحكم إلى الممات، ناهيك عن خرجات كثيرا ما أساءت إلى الرئيس والدولة والشعب الجزائري، وكانت كفيلة بإشعال نيران السخرية وطنيا ودوليا.

ولعل ما زاد في تعجيل سقوط الرئيس من "عيون الجزائريين" ما كان يثيره ولد عباس وبعض المحسوبين عليه من "الموالاة"، أمثال عمارة بن يونس الذي التحق بالعهدة الخامسة متأخرا، وشكك في استمراريته بعد أن طلب من سلال إعفاءه من تجمع بولاية الشلف (حسب التسجيل الصوتي المسرب للحديث بين سلال وعلي حداد)، إذ كتب التاريخ ما قاله من أن "الجزائر تحتاج إلى عقل الرئيس بوتفليقة وليس إلى رجليه"، وهو كلام يشبه لحد كبير ما قاله الأخضر الابراهيمي مؤخرا، من أن "عقل الرئيس سليم مائة بالمائة لكنه لا يستطيع الكلام"، وهو ما يؤكد كذب ولد عباس على الجزائريين عندما قال بمناسبة زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للبلاد قبل أشهر: "هل رأيتم كيف كانت ميركل تهز رأسها وهي تستمع إلى الرئيس بوتفليقة، الجميع ينصت له، لدينا رئيس عملاق"، متجاهلا الصور التي بثت في التلفزيون الحكومي وظهر فيها الرئيس بوتفليقة في حالة إعياء وتحدّثه إلى مترجمه بصعوبة. ومع ذلك، ابتلع الجزائريون "بغصّة كبيرة" المؤشرات التي تدل على "هوان الدولة" عند الذين يقتاتون من خيراتها "باسم انتهازية بشعة"، إلى غاية خروج رئيس المجلس الشعبي الوطني منسق هيئة تسيير الأفالان، معاذ بوشارب، معلنا من وهران، أن "الرئيس بوتفليقة مرسول من الله" إلى الجزائريين، مستشهدا بالحديث النبوي الذي يقول إن "الله يرسل على رأس قرن رجلا يصلح للأمة أحوالها".

وجميع من سبق ذكره، تسابقوا في تكريم الرئيس بوتفليقة بطريقة مشينة، بواسطة "الكادر" إلى أن وصلت بهم "الشيتة" إلى حد تكريم "الكادر" بـ"كادر آخر" في القاعة البيضاوية بالعاصمة بمناسبة "موقعة الكاشير" التي دخلت التاريخ الجزائري من أبوابه الضيقة، والتي أكدها عبد المالك سلال بقوله متأخرا (في التسريب المشهور) "حبسوا علينا التبهليل والتبهديل".

في نفس السياق

قوى من المعارضة ترحب بدعوة الجيش
بيان للنيابة العامة لمجلس قضاء الجزائر
تفعيل رفع الحصانة عن ولد عباس وبركات
احتجاجات ضد زيارة وزير السياحة لولاية سعيدة
كلمات دلالية:
الرئاسيات

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول