فأرسل حكيمًا ولا توصه...

اسلاميات
20 مارس 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

قال الشّاعر العربي: (إذا كنْتَ في حاجةٍ مُرسِلاً ... فأرْسِلْ حكيمًا ولا تُوصِهِ)، (وإنْ بابُ أمرٍ عليك الْتَوى ... فشاور حكيمًا ولا تعصِهِ).. إنّ نجاح المهمّات إذًا متوقّف على القائم بها، فإن كان ذا عقل، وفهم، وحكمة فهو أحرى أن ينجح في عمله ويصل المطلوب من أمله. وإن فقد العقل والفهم والحكمة فسيكون
هو سبب الفشل، ومفتاح خيبة الأمل.

 إذا كان الإنسان في حاجة إلى الحكمة في جميع شؤونه وفي كلّ الأزمان، فهو إليها أحوج في الأمور العظيمات وفي أوقات الأزمات. حيث يحتاج النّاس إلى حكمةٍ في فهم الموقف، وإلى حكمةٍ في التّعامل مع الوضع، وإلى حكمةٍ في إدراك مآلاته.

فكم من مُريدٍ للخير لن يصيبه!، كما قال الصّحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه. ليس لغَبَشٍ في نيته وإخلاصه، وليس لقلّة علمه ومعارفه، ولكن لافتقاده الحكمة، الّتي هي فوق العلم والمعرفة!. ذلك أنّ الحكمة هي علم صحيح متمكّن في نفس صاحبه (القوّة العلمية)، يضاف لها الإرادة الحاملة على العمل وفق ما يقتضيه العلم دون تأثّر بالأهواء المتحكّمة ولا الأوضاع السّائدة، واتخاذ الموقف السّليم في خضم ذلك (القوّة العملية)، قال الإمام الأستاذ محمد عبده طيّب الله ذكره: “الحكمة العلم الصّحيح يكون صفة محكمة في النّفس حاكمة على الإرادة توجّهها إلى العمل، ومتَى كان العمل صادرًا عن العلم الصّحيح كان هو العمل الصّالح النّافع المؤدّي إلى السّعادة. وكم من محصّلٍ لصور كثيرة من المعلومات خازنٍ لها في دماغه ليعرضها في أوقات معلومة، لا تُفيده هذه الصّور الّتي تُسمّى علمًا في التّمييز بين الحقائق والأوهام، ولا في التّزييل بين الوسوسة والإلهام؛ لأنّها لم تتمكّن في النّفس تمكّنًا يجعل لها سلطانًا على الإرادة، وإنّما هي تصوّرات وخيالات تغيب عند العمل، وتحضر عند المراء والجدل”.
ومن هنا نفهم لماذا نجد بعض أصحاب الشّهادات العليا وحتّى بعض العلماء يبدعون إن تكلّموا في قضايا نظرية، ويخطؤون في اتّخاذ المواقف العملية؟. ونتبيّن أيضًا غلط من يجعل مواقف هؤلاء أمارات يستهدي بها في معرفة الصّواب، وقد يكونون هم مجانبين للصّواب!. تأكيدًا لهذا المعنى، يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: “والحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم، فلذلك قيل: نزلت الحكمة على ألسنة العرب، وعقول اليونان، وأيدي الصّينيين. وهي مشتقة من الحُكم -وهو المنع- لأنّها تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضّلال... ومن يشاء الله تعالى إيتاءه الحكمة هو الّذي يخلقه مستعدًا إلى ذلك، من سلامة عقله واعتدال قواه، حتّى يكون قابلًا لفهم الحقائق منقادًا إلى الحقّ إذا لاح له، لا يصدّه عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة، ثمّ يُيَسِّر له أسباب ذلك من حضور الدّعاة وسلامة البقعة من العتاة، فإذا انضمّ إلى ذلك توجّهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيرًا، ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير”.
وهذا الملمح الجليل هو سرّ من أسرار قول الله عزّ شأنه: {يُؤْتِي الحِكْمةَ مَنْ يشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فقد أُوتِيَ خَيْرًا كثيرًا وما يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُو الأَلبابِ}، قال الإمام الطبريّ رحمه الله تعالى: “يعني بذلك جلّ ثناؤه: يؤتي الله الإصابة في القول والفعل من يشاء من عباده، ومن يؤتَ الإصابة في ذلك منهم، فقد أُوتي خيرًا كثيرًا”. وقال العلامة عبد الرّحمن بن ناصر السّعديّ رحمه الله تعالى: “فكمال العبد متوقّف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية فتكميل قوّته العلمية بمعرفة الحقّ ومعرفة المقصود به، وتكميل قوته العملية بالعمل بالخير وترك الشّر، وبذلك يتمكّن من الإصابة بالقول والعمل، وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك”.
ولا بأس أن أنوّه إلى أنّ السّادة المفسّرين ذكروا في معنى الحكمة في الآية السابقة أقوالًا عدّة متقاربة المعاني مختلفة المباني. منها ما قاله التّابعيّ الجليل إبراهيم النّخعي رحمه الله: الحكمة: الفهم. وقاله التّابعيُّ الآخر زيد بن أسلم رحمه الله: الحكمة: العقل. ومؤدّاها أنّ الحكمة: هي الحكم الدّقيق، والنّظر الصّائب في الأمور، والبصيرة النّافذة، الّتي تغوص وراء إدراك العلل والغايات، وتتعامل مع جواهر الأشياء وحقائقها ولا تغترّ بالظّواهر والشّائعات، وتقدّر الأمور قدرها، وتضع كلّ شيء موضعه؛ فتهدي من أوتيها للصّالح الصّائب من الحركات والأعمال والقرارات والمواقف. ولمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه طاقته، بحيث لا تلتبّس عليه الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض، ولا يغلط في العلل والأسباب، ولا في العلم والعمل، ولا في القرار والموقف.
وتأكيدًا على أهمية الحكمة وفضل من أوتيها ختمت الآية الكريمة بقوله جلّت حكمته: {ومَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، وما أعظمه من تذييل في هذا المقام؟!، ذلك أنّ أكثر النّاس -إلاّ من رحم ربّك وقليلٌ ما هم- يظنّ من نفسه الفهم والفقه، وخاصة إذا كان صاحب شهادة عليا أو مقام علميّ، ويرى أنّ ما يعتقده ويتبناه من رُؤى، ويختاره من أفكار، ويتّخذه من مواقف، هي الحقّ الّذي لا حقّ سواه، والصّواب الّذي لا صواب غيره!، وهذا يجعل بينه وبين سماع الرأي الآخر وتفهّم الموقف المخالف سدًّا منيعًا وحاجزًا غليظًا!، ويغفل عن أنّ الحقائق قد تلتبس، وقد تغطّيها الشّائعات، وقد تظهر الأوهام في صورتها!، والحكيم العاقل هو من يفتّح عقله، ويقلّب نظره في كلّ الآراء، ويغوص إلى الأعماق غير مغتر بالطّافي فوق السّطح!. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: “وقوله: {ومَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} أي: وما ينتفع بالموعظة والتّذكّار إلّا من له لبٌّ وعقلٌ يعي به الخطاب ومعنى الكلام”.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول