الاعتداءات المتكرّرة على المسلمين في العالم وكيفية مواجهتها

اسلاميات
24 مارس 2019 () - د.عبد الحق حميش
0 قراءة
+ -

يواجه المسلمون، في السنوات الأخيرة، بدافع الكراهية (الإسلاموفوبيا)، اعتداءات ومضايقات كثيرة، لا لشيء سوى أنّهم ينتمون إلى هذا الدّين الحنيف.
يلاقي المسلمون شتى أنواع المضايقات؛ فالمرأة المسلمة المتميّزة بحجابها يعتدى عليها في وسائل النقل وفي الطرقات، ويرفض توظيفها، ويتّهم المسلم الملتزم بشعائر دينه أحيانًا كثيرة بالتطرّف والإرهاب، والأخطر من هذا وذاك الهجوم على المسلمين في المساجد ودور عبادتهم دهسًا بالسيارات، كما حدث في كندا أو بريطانيا، أو بالهجوم داخل المساجد على المصلّين الآمنين بالأسلحة النارية قتلًا بدم بارد منقول على الهواء مباشرة عبر الفايسبوك، كما حدث لإخواننا المسلمين بنيوزيلندا الأسبوع الماضي.. وقد أعلنت رئيسة وزراء نيوزيلندا مقتل 49 شخصًا على الأقل وإصابة العشرات بجروح بالغة، في الهجومين المسلحين على مسجدين خلال صلاة الجمعة في كرايست تشيرش.
حالات وصور كثيرة يتعرّض فيها المسلمون للاعتداء والكراهية، دون ذنب اقترفوه سوى أنّهم يحملون في قلوبهم هذه العقيدة وهذا الإيمان بهذا الدّين العظيم، الدّين الإسلامي الدّين الخاتم.. إنّها حالات وأمثلة جديدة تدلّل على تصاعد العنصرية والعداء للإسلام في العالم الغربي.
ربّما تكون ظاهرة كراهية الإسلام والمسلمين في الغرب ليست جديدة، ولكن الجديد فعلًا هو الأرقام الضخمة لحوادث الكراهية في بلاد المهجر، والّتي تضاعفت في الأعوام القليلة الماضية بشكل مخيف. إذ أوضح تقرير حقوقي تزايد معدل حوادث الكراهية والاعتداء على المسلمين في بريطانيا أربعة أضعاف، وأوردت صحيفة “نويه أوسنابروكر” الألمانية بيانات أظهرت وقوع 950 هجومًا -على الأقل- ضدّ المسلمين والمنشآت الإسلامية في عام 2017.
ولقد ظهر مصطلح “إسلاموفوبيا” في المجتمعات الغربية ومعناه: التّحامل والكراهية تجاه المسلمين، أو الخوف منهم؛ كذلك يشير المصطلح إلى الممارسات العنصرية ضدّ المسلمين في الغرب، ويُعَرفه البعض على أنّه تحيّز ضدّ المسلمين أو شيطنة للمسلمين.
وترتبط الظاهرة بنظرة اختزالية للإسلام كدين في مجموعة محدودة وجامدة من الأفكار الّتي تحض على العنف والنّظرة السّلبية للآخر، وترفض العقلانية والمنطق وحقوق الإنسان.
وانطلاقًا ممّا سبق، يرى المصابون بالإسلاموفوبيا أنّ العداء للإسلام والمسلمين والتحيّز ضدّهم أمر طبيعي ورد فعل تلقائي على طبيعة المسلمين الشّريرة، لذا فهم يساندون التّمييز ضدّ المسلمين وحشد قوى الغرب في حرب ضدّ الإسلام وأتباعه.
وإنّ لظاهرة (الإسلاموفوبيا) أسبابا متعدّدة تتفاوت في أهمّيتها وقوّتها، بيد أنّها تتضافر فيما بينها لتشكيل الظّاهرة على النّحو الّذي تتراءى به. وأنّ هذه الأسباب بعضها خارجي تحرّكه دوائر تكره الإسلام وتعاديه، والبعض الآخر داخلي نابع من المسلمين أنفسهم، نتيجة تشويههم للمظهر الحضاري الرّاقي للإسلام.
ولا شكّ أنّه إذا كان تشويه صورة الإسلام والتّخويف منه يؤثّران سلبًا على ثقافتنا وحضارتنا، فإنّ السّعي الحثيث نحو التّصدّي لظاهرة الإسلاموفوبيا ومواجهتها والعمل على تحسين الصورة وتصحيحها يعدّ واجبًا دينيًا وضرورة ثقافية، فضلًا عن كونه مطلبًا واقعيًا تمليه مسؤولية تبليغ حقائق الإسلام إلى من يجهلها أو يعاند في معرفتها والاقتناع بها. وقد يكون من أفضل السّبل لمواجهة ظاهرة الخوف من الإسلام بعث الحياة في الجوانب الحضارية لذلك الدّين، عبر إبراز أبعاده المشرقة وتجليتها للعالم.
إنّ هناك حاجة ملحة للتعرّف إلى الإسلام، من جانب أبنائه أوّلًا، تمهيدًا لتعريف العالم به، وهذا يتطلّب جهودًا صادقة لتعريف النّاس بجوهر دينهم وتعاليمه الحقيقية، مع ما يرتبط بذلك من وجوب وضع تلك المفاهيم موضع التطبيق الفعلي، سعيًا إلى تجاوز حالة الذّوبان والتذبذب والتّنافر المعرفي والشّعور الدّائم بعقدة النّقص تجاه كلّ ما هو غربي. وكذلك يجب علينا الحوار والانفتاح والتّواصل مع الآخر، لتجلية هذا الضّباب وإذابة جبال الجليد بين المجتمعات الّتي يعيش فيها المسلمون أينما كانوا؛ لأنّ الاحتقان والتّربص والتّصادم ليس جوًّا للتّفاهم أو التّعايش؛ وذلك من خلال استثمار وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال الحديثة في معالجة ظاهرة الخوف من الإسلام، وتصحيح المفاهيم الخاطئة من خلال تعزيز وتفعيل سبل الحوار الحضاري مع الغرب.
يتحمّل العالم الإسلامي وبخاصة الحكومات مسؤولية تجاه نفسه وتجاه تقدّمه وتعزيز قوّته في العالم المعاصر، ولتصحيح الفكرة لدى الغرب عن الإسلام والمسلمين، والاستماتة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين وليس تحذير الغرب من الجالية المسلمة ومن المساجد الموجودة في بلاد الغرب، كما صرّح به بعض حكام العرب مع كلّ أسف.
يجب أن نوجّه طاقاتنا نحو نشر المنهج الصّحيح والتّعاليم السّمحة للإسلام في البلدان الغربية، باستخدام كلّ الوسائل المتاحة لدينا، كما يجب أن نعلم تمامًا أنّ هذه الظّاهرة ممتدة عبر القرون وليست وليدة أحداث ربع القرن الأخير. ولعلّ المفكر العربي الفلسطيني، إدوارد سعيد، كان من أفضل الّذين شخّصوا هذه الظّاهرة في كتابه المهم “الاستشراق”، وهو الّذي يُعرِّي بموضوعية ومنهج علمي أساليب الاستعمار في رسم الصّورة المشوّهة للعربي والمسلم بشكل نمطي، مبرمج في الكتب المدرسية وأفلام السينما وكلّ وسائل الإعلام.
كما يتحتّم على الإعلام العربي والإسلامي أن يخرج من سباته العميق، ويضع استراتيجية لمخاطبة الآخر، تقدّم الصّورة الحقّة للحضارة الإسلامية الّتي كانت دائمًا ولا تزال تؤمن بالتّسامح وبالأديان الأخرى، وتعترف بالآخر، ولا تمارس القمع والقتل والإبادة كما يصوّره الإعلام الغربي مع الأسف. مع ضرورة الاتفاق إسلاميًا على تجديد الخطاب الدّيني بشكل عام يُراعى فيه التّباين الثقافي بين الشّرق والغرب، ويتجاوز الخلافات الثانوية فيما بين المذاهب المختلفة، ويستند في إقراره والمصادقة عليه إلى مرجعية دينية أو مجمع إسلامي رصين.
[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول