عاجل
رسميا: تبون رئيسا للجمهورية

المؤمن يستر وينصح.. والفاجر يهتك ويفضح

اسلاميات
6 ابريل 2019 () - الشيخ عبد المالك واضح
0 قراءة
+ -

ورد في صحيح الإمام البخاري قوله عليه الصّلاة والسّلام: ”كلّ أمّتي مُعافى إلّا المُجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملًا، ثمّ يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يسترُه ربّه، ويصبح يكشف ستر الله عليه”.
ما أعظم السِّتر وما أجمله بركته، فهو خُلُق الأنبياء، وديدن الصّالحين، يورث المحبّة، ويثمر حسن الظنّ، ويطفئ نار الفساد، السِّتر جوهر نفيس، وعملة ثمينة، وسلوك راق، وطاعة وقربان، ودين وإحسان، وصف الرّحمن به نفسه: ”إنّ الله حَيِيٌّ سِتٍّيرٌ، يُحِبّ الحياء والسِّتر”.
لأجل السّتر شرع الإسلام حدّ القذف حتّى لا تتحوّل الأعراض إلى كلأ مباح: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، ولأجل السّتر توعّد الجبّار أهل السّوء، الّذين يحبّون إشاعة الفاحشة بالعذاب الأليم: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ}، ومن أجل السّتر نهى ديننا عن التجسّس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا}.
لقد أدّب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أمّته، فأحسن تأديبها يوم أن خطب بالنّاس، فقال: ”يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه مَن يتّبع عوراتهم، يتّبع الله عورته، ومَن يتّبع الله عورته، يفضحه في بيته”.
فهذا صديق الأمّة رضي الله عنه يقول: لو لم أجد للسّارق والزّاني وشارب الخمر إلّا ثوبي لأحببتُ أن أستره به، وهذا الفاروق رضي الله عنه يسمع رجلًا يقول للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّي عالجت امرأة فأصبت منها دون أن أمسها، فبادره عمر قائلًا: لقد سترك الله، فهلا سترتَ على نفسك، وهذه أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها جاءتها امرأة، فأخبرتها أنّ رجلًا قد أخذ بساقها وهي محرمة فقاطعتها عائشة وأعرضت بوجهها وقالت: يا نساء المؤمنين، إذا أذنبت إحداكن ذنبًا، فلا تخبرن به النّاس، ولتستغفر الله، ولتتب إليه، فإنّ العباد يعيرون ولا يغيرون، والله يغير ولا يعير.
فهذا ماعزّ بن مالك الأسلمي، أحد الأصحاب الأخيار، عاش في مدينة رسول الله يحمل بين جنبيه نور الإيمان، وضياء التّقوى، بيد أنّه لم ينفك عن بشريته، فزيّن له الشّيطان فعل الحرام، وأزَّتْه نفسه الأمّارة نحو الفاحشة أزًّا، فعصى ماعز ربّه فغوى، غير أنّ العناية الإلهية أدركته، فاحترق قلبه، وتلوّعَت نفسه ندمًا، فعاش أيّامًا عدّة في بؤس وغمّ، وحسرة وهمّ، عندها قرّر أن يبوح بأمره إلى أحد بني عشيرته، وهو هزَّال بن يزيد الأسلمي، وهذا الأخير أشار إليه أن يعترف بخطيئته إلى المصطفى صلّى الله عليه وسلّم. مشى رضي الله عنه نحو الرّحمة المُهداة، ونطق بما اقترف، فأعرض عنه عليه الصّلاة والسّلام في محاولة للسّتر عليه، غير أنّ ماعزًا كرّر اعترافه، وألحّ على أن يقام عليه حدّ الله، وهكذا كان، ثمّ بلغ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أنّ هزالًا الأسلمي هو الّذي أشار عليه بالاعتراف، فدعاه وقال له: ”يا هزال، لو سترته بثوبك، كان خيرًا لك ممّا صنعتَ به”.
إنّ السّتر على النّفس عمل فاضل مطلوب، يرجى لصاحبه أن يكرمه ربّه بالسّتر عليه في الآخرة، ففي الصّحيح: ”يدني المؤمن يوم القيامة من ربّه عزّ وجلّ حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربّ أعرف، قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته”، وأحقّ النّاس بالسّتر وكتم العيب ذوو الهيئات وأهل المروءة، الّذين ليس من عادتهم المجاهرة بالمعاصي، فالسّتر على هؤلاء مطلوب: ”أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلّا في الحدود”.
وإذا كان نشر فضائح العباد قد ذمّ الشّرع فاعله وتوعّده، فكيف بمَن يتّهمون الآخرين بالظنّ، ويشيعون التّهم بالوهم، يفترون على الأبرياء، ويشوّهون صورة الفضلاء بالإفك والبهتان: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ}، وللأسف فإنّ مِن النّاس مَن طبعه طبع خنزير، يمرّ بالطيّبات فلا يقف عليها، يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف المساوئ، فلا يحفظها ولا ينقلها، فإذا رأى سقطة وجد بغيته، وجعلها فاكهته وروّجها، فهذا لعمر الله خلق دنيء، وسلوك لئيم: ”لا تظهر الشّماتة لأخيك، فيعافيه الله ويبتليك”.
فيا مَن ترجو الله واليوم الآخر، لسانك لسانك، صنه عن أعراض المسلمين، وسمعك سمعك، صنه عن التحسّس والتجسّس، وتذكر كما أنّ للنّاس عيوبًا، لك عيوب أيضًا، وكما لهم حرمات ومحارم، لك أيضًا مثل ذلك، وتذكر أنّ الجزاء من جنس العمل، جزاء وفاقًا، فمَن فضح إخوانه، سُلِّطت عليه ألسنةٌ حِداد تهتِك سِتره، وتفضح أمرَه.

إمام مسجد عمر بن الخطاب
بن غازي ـ براقي

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول