الإصلاح يبدأ من الإنسان

اسلاميات
17 ابريل 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

من أصعب الأمور توضيح الواضحات وإقامة الأدلة على البديهيات!، إلّا أنّ الوضوح أمرٌ نسبيّ، فما يكون واضحًا أشدّ الوضوح عند شخص قد يكون غامضًا أشدّ الغموض عند شخص آخر!، خاصة إذا عرضت ظروف تشوّش على الرؤى والأفكار. ولا يخفى أنّ ثوران العواطف واشتعال نار الحماسة من أهم العوامل تشويشًا على الرّأي
والتّفكير، وهكذا الآمال العريضة، وخيبات الآمال الكبيرة...

أمام ما نشهده من تطلّع كبير للتغيّر والإصلاح في الوقت الرّاهن، لا بدّ أن نذكّر أنفسنا ببعض الأسس، وببعض الواضحات، وببعض البديهيات. والّذي أوحى لي بوجوب هذا التّذكير أنّي في خضم النقاش مع بعض الأساتذة المتحمّسين هالني القفز الغريب على منطق الواقع، وعلى سنن الله في الكون والحياة، وعلى مسارات التاريخ، وتعلّقهم العجائبي بالأوهام، وكأنّهم ليسوا من النّخبة بل من عامة النّاس. والأصل أن تقود النّخبة الجماهير، لا أن تتّبع النّخبة الجمّ الغفير، والرّائد لا يكذب أهله!.
إنّ ما يجب استحضاره دائمًا في منعطفات التاريخ الكبيرة هو القانون القرآني الرّباني الإنساني الّذي لا يختلف عليه اثنان من البشر، والّذي عبّر عنه مالك بن نبي رحمه الله بتعبير جميل في مرّتين، فقال: “وإنّها لشرعة السّماء: غيّر نفسك، تغيّر التاريخ!” [شروط النّهضة، ص53]. “إنّه لقانون سامٍ!... غيِّرْ نفسكَ فأنت تغيّر التاريخ” [مشكلة الأفكار، ص100]. وهو قانون مستقى من قول الله جلّ في علاه: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، فهذه الآية في الحقيقة يؤمن بفحواها كلّ النّاس حتّى اليهود والنّصارى والملحدين!، ولكن قد يغفل أو يتغافل عنها بعض النّاس حتّى المسلمين منهم!.
إنّ معركة الإصلاح الكبيرة هي النّفس البشرية، هي الإنسان في تربيته وتكوينه وبناء ثقافته، وما لم يتغيّر الإنسان لن يتغيّر واقعه، نعم قد تحدث تغيّرات ظاهرية ليست ذات بال، قد نرى إصلاحًا (ديكوريّا) لا يمسّ عمق الواقع، أمّا التغيير العميق والدّائم فلن يحصل إلّا بتغيير الإنسان نحو الأحسن طبعًا. فالإصلاح يبدأ من الإنسان وينتهي عند الإنسان. هذا ما يجب أن لا نغفل عنه مهما كان وضعنا ومهما كان ظرفنا.
سأبقى مع مالك بن نبي رحمه الله، فلا شكّ أنّ كلامه في مثل هذا الموضوع أولى من كلامي، فهو يقول في كلمة هامة ربّما نحتاجها في هذا الوقت أكثر من غيره: “الثّورة [يمكن وضع كلمة حَراك هنا بدلها] لا تستطيع الوصول إلى أهدافها، إذا هي لم تغيّر الإنسان بطريقة لا رجعة فيها من حيث سلوكُه وأفكارُه وكلماتُه” [بين الرّشاد والتّيه، ص54]. فالقضية إذا هي تغيير الإنسان، هي الأساس، وهي المنطلق، وهي الركن الرّكين في عملية الإصلاح، والثّورة مهما كانت عظيمة أو غير عظيمة، كبيرة أو غير كبيرة، نبيلة أو غير نبيلة لا يمكنها تحقيق شيء ما لم يكن أثرها في الإنسان، في نفسه، في تفكيره، في عواطفه.. فليس كلّ ثورة تؤدّي إلى التغيير أو الإصلاح، “إنّ ثورة ما، لن تستطيع تغيير الإنسان إنْ لم تكن لها قاعدة أخلاقية قويّة” [بين الرّشاد والتّيه، ص25]، وهذا ما يغفل عنه كثيرون حين يركبون سيول ثورة معيّنة وهم يعادون أخلاق وهوية أغلب القائمين بها المناضلين في سبيل تحقيق أهدافها!.
إنّ الإنسان هو سبب الفساد، وهو المتسبّب في الفساد، ولن يكون أساس التّغيير وعماد الإصلاح إلّا بإصلاح هذا الإنسان، ذلك أنّ محور التّدافع يدور حول النّفس البشرية، حول كينونة الإنسان، فصلاح الواقع هو نتيجة ومظهر لإصلاح الإنسان، فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم من أحوال سيّئة وظروف أسيفة حتّى يغيّروا ما بأنفسهم من مفاهيم وأفكار، ومن ذهنيات وطرائق تفكير، ومن اتجاهات ومعايير، ومن مبادئ وقيم، ومن سلوكيات وأخلاق.. وتجسيد هذا في برامج جادة، وخاصة البرامج التربوية بما فيها المنظومة التربوية التعليمية. وطبعًا هذا يتطلّب عملًا كبيرًا، وتضحيات كبيرة، وتكاليف الكثيرة؛ لأنّ من نافلة القول أن نقول بأنّ الأهداف الكبيرة تحتاج إلى أعمال كبيرة وجهود كبيرة وتضحيات كبيرة.. عكس أوهام بعض النّخبة الّذي يظنّون أو يتوهّمون ويوهمون في الوقت ذاته عامة النّاس بأنّه يمكن بجهد قليل في زمن قصير يمكن إحداث المعجزات!.
على كلّ الغفلة عن هذه الحقيقة الجليّة: قد تؤدّي إلى عكس المرتجى من التّغيير والإصلاح، فإنّ تجارب التاريخ تبيّن أنّ التغييرات الظاهرية سرعان ما انهزمت أمام ردود الفعل الّتي تقاوم الإصلاح. يقول مالك بن نبي رحمه الله: “إنّ لكلّ ثورة ما بعدها، فإمّا أن يكون مواصلة للثورة، وإمّا أن يكون في اتجاه معاكس يتنكّر لها ويمسخها” [بين الرّشاد والتّيه، ص113]. “وإنّه ليجب بادئ الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا، وإطارنا الخلقيّ والاجتماعيّ، ممّا فيه من عوامل قتّالة، ورمم لا فائدة منها، حتّى يصفو الجوّ للعوامل الحيّة والدّاعية إلى الحياة” [شروط النّهضة، ص86].
* إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول