اصطفاء القادة

اسلاميات
5 مايو 2019 () - الدكتور خميسي بزاز
0 قراءة
+ -

تذكر كتب السّيرة النّبويّة أنّه لمّا نزل الوحي على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يُبشّره بالنّبوة ويضع على كاهله أمرها الجلل، ويأمره بالتهيؤ لرحلة الدّعوة الشّاقة وطريقها الوعر الطويل، وما يتطلّبه من زاد خاص وعلوّ همّة وزكاة نفس وطهرة بدن امتثالًا لأمر السّماء: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}.
وقد امتثل الرجل الكبير عليه الصّلاة والسّلام لأمر ربّه، وراح ينشر رسالة السّماء في مجتمع جثى الكفر والجهالة على أهله، فلا تكاد ترى إلّا صنمًا قد هام في صنم.
والّذي يجب الالتفات إليه في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الإسلام هي ذلك المنهج الفريد في إحاطة الدّعوة الناشئة بالرعاية الفائقة، والسّير بها آمنة في محيط كلّه عداء للدّعوة وصاحبها. فاختار تلهمه السّماء عليه الصّلاة والسّلام وتهدبه الحكمة والبصيرة، أن تكون دعوته أوّل الأمر سرية لا جهرية، ثمّ راح يصطفي في هذا التّوقيت الحسّاس بعناية رعيل الاستجابة الأوّل، فكان أن أسلمت زوجته خديجة، وابن عمّه علي، ومولاه زيد، وصديقه الحميم أبو بكر.
وقد كانت هذه الدائرة القريبة هي النّواة الصّلبة الّتي مثلت حضن الدّعوة الجديدة ومنطلقها الّذي تفتح على نفيس معادن الرّجال والنّساء والعبيد، فالتفت نخبة من الأتباع الصّادقين الأتقياء الأوفياء ممّن كانوا للدّعوة وصاحبها أفضل سند وعون، فبذلوا نفيس أموالهم وأوقاتهم لنصرة الدّين، وهم في ذلك يعرّضون حياتهم وتجارتهم وكلّ ما يملكون لخطر داهم ووعد غشوم.
ولم يسجّل التّاريخ أنّ أحد هؤلاء –وقد كانوا عصبة معتبرة- خان دعوته أو أفشى سرّها، يستوي في ذلك منهم الرجل والمرأة، الصغير والكبير، الحرّ النّسيب والعبد السليب، بل على العكس من ذلك مثّلوا حصتها القوية، وحينها الأبي، ولسانها الشجي، وسألها العتي.
وحين امتحن صدق تديّنهم الموت البشرية أروع أمثلة الشجاعة والصّدق والوفاء والبذل والعطاء، جادوا بأموالهم وأرواحهم، واسترخصوا كلّ شيء لتحيى عقيدتهم وينتصر مبدؤهم.
وما أحوجنا اليوم أن نتعلّم من هذه الوقفة درسًا بليغًا وعظة كبيرة، وهي أنّ الدّين والمبادئ والأوطان بقدر ما تحتاج إلى وهج الفكرة ونور الحقائق ودواعي المحبّة، تحتاج إلى الصّادقين من الرّجال والنّساء، ممّن طهرت قلوبهم وصحّت عزائمهم، فعلوا لمبادئهم وقضاياهم وأوطانهم يملؤهم اليقين ويحرّكهم الوفاء، وتستعصي نفوسهم عن الإغراء مهما عظم، فلا تقعد بهم عقبة ولا يثنيهم خطب.
إنّ الاختيار السيء للرّجال والنّساء ثلمة لا تسد وخطيئة لا تجبر، فكم من جماعات وحواضر أصبحت أثرًا بعد عين بسبب قادة سفهاء وزعماء فاشلين، نكثوا عهودهم وخانوا أوطانهم.
تلك عبقرية من عبقريات النّبيّ المجتبى، يغفل النّاس عنها ولا يحسّون خطرها حتّى ينكبّوا بمن تسترقه اللّذّة العابرة، وتشترى ذمّته كما يشترى المتاع.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول