الإعجاب بالرّأي.. عقولٌ ضئيلة ونفوسٌ صغيرة

اسلاميات
10 يوليو 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

تستمع إلى حواراتنا الّتي لا تنتهي، والّتي تغطّي جوانب الحياة كلّها من أتفه الأمور كأخبار الفنانين وأخبار الرياضيين إلى أخطر الأمور وأهمّها كأمور السّياسة وقضايا الدِّين، فتلحظ تباين النّاس في ثقافتهم ومستواهم، وفي علمهم ومعرفتهم، وفي عقولهم ونفوسهم، وهذا حال طبيعيّ، فالحوار بين النّاس أمر طبيعيّ بل ضروريّ. واختلاف النّاس أمر طبيعيّ بل فطريّ.
لكنّ آفةً خطِرَةً لا تخطئها عين الملاحظ لا يخلو منها مجلس من مجالسنا، ولا يسلَم منها حوار من حواراتنا، ولو كان قصيرًا في وقته، تافهًا في موضوعه، سطحيًّا في مضمونه، هذه الآفة هي الإعجاب بالرّأي. والأعجب أنّ هذه الآفة لا يكاد يخلو أيٌّ من المتناقشين منها، ولو بلغ عددهم عشرات إلّا قليلًا قليلًا!.
إنّ إعجاب الإنسان برأيه وفكره وعلمه داء وبيل ينتج عنه آثار سيّئة على المصاب به وعلى المجتمع، ولهذا تكرّر التّحذير النّبويّ منه ومن مغبّاته، فعن أبي أمية الشّعبانيّ قال: أتيتُ أبا ثعلبة الـخُشنيَّ رضي الله عنه، فقلت: كيف تصنع بهذه الآية؟، قال: أَيةُ آيةٍ؟، قلتُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} المائدة:105. قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتّبَعًا، ودُنْيَا مؤثِّرَة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يدان لك به فعليك نفسك، ودَعْ عنك أمر العوام فإنّ من وراءك أيّام الصّبر، الصّبر فيهم مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله»، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم» رواه ابن حبّان وغيره.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أخوف ما أخاف على أمّتي ثلاث مهلكات: شُحّ مُطاع، وهوى مُتّبع، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه» رواه أبو نعيم وغيره. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاث مهلكات: شُحّ مُطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات خشية الله في السّرّ والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة الحقّ في الرّضا والغضب» رواه الطبرانيّ وغيره. بل إنّ كثيرًا من الآيات القرآنية الّتي تشرّح نفسيات الكافرين المعاندين ومواقفهم تومئ إلى أنّ سبب كفرهم راجع إلى هذا الدّاء الخبيث، كقول الحقّ تقدّست أسماؤه: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، وقوله جلّت صفاته: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء}، وقوله عزّت قدرته: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْم..}.
إنّ المعجب برأيه لا يمكنه الاستفادة من الآخرين، وتطوير أفكاره. ولا يمكنه القيام بالنّقد الذّاتي وتصحيح أخطائه. ولا يمكنه مراجعة نفسه وتطويرها. كيف؟!، وهو صاحب الرّأي الثّاقب، والفكر العميق، والذّكاء والوقّاد، والاطلاع الواسع، والتّحليل العميق...
وإنّ الإعجاب بالرّأي يتسبّب في الضّلال والانحراف عن الصّواب، ورفض الحقّ وردّه. ويغرس في المصاب به الغرور واحتقار الآخرين والتّشنيع عليهم بغير وجه حقّ ولا عدل. ويثير النّزاع ويغذّي الخلاف بين النّاس. ويؤدّي إلى التّحاسد والتباغض والتّدابر والتقاطع وكلّ هذه السيئات المكروهة الّتي حذّرنا الشّرع منها.
والحقيقة أنّ هذا الدّاء كما يصيب النّخبة من المجتمع يصيب عامة النّاس، ولكنّ لا ريب أنّ سطوته على النّخبة من ذوي التّعليم العالي، والشّهادات، والمناصب، والشّهرة، والمسؤوليات، أقوى وأشرس؛ لأنّ الإنسان العادي لا يرى عند نفسه ما يبعثها على الإعجاب برأيه -هذا إن رأى أنّ عنده عندُ- إلّا نادرًا. أمّا الفرد من أفراد النّخبة -وكم من نخبة حقيقتها نكبة!- فإنّ الوصف الّذي رشّحه للانتظام في صفوفها: شهادة جامعية، أو منصب محترم، أو مسؤولية كبيرة، أو شُهرة يغرّه في نفسه، فيرى بأنّه ما حقّق ما حقّق وما بلغ ما بلغ إلّا لتميّزه، وإحاطته بما لم يحط به الآخرون فهمًا ولا عِلمًا؛ ولذلك فرأيه في أيّ قضية من القضايا -ولو كانت بعيدة عن مجال تخصّصه بعد السّماء عن الأرض- لا بدّ أن يقف النّاس عنده ولا يتجاوزوه، ويستمعوا إليه بالتّسليم والخضوع، بل بالإعجاب والانبهار!. وجرّب فقط أن تذهب لرئيس حزب سياسيّ وقُل له: أخطأت في موقفك أو تصريحك!. أو قُل لأستاذ جامعي: أخطأتَ في رأيك أو نتيجتك!. أو قُل لصحافيّ: أخطأت في استنتاجك أو تحليلك!... وقِسْ مَن لم يذكر على من ذكر!.
إنّ الإعجاب بالرّأي هو نتيجة عاهات نفسية وإعاقات عقلية، فلا يعجب برأيه ويصمّ أذنيه عن سماع الرّأي الآخر أو بالأحرى الآراء الأخرى إلّا مَن كان صاحب عقل ضئيل ونفس صغيرة!، ويتمتّع بذكاء قليل وأفق محدود!. إلّا أنّ نتائجه السّلبية كبيرة على المصاب به في كلّ المستويات الحياتية، وخاصة علاقاته الاجتماعية المختلفة، وعلى من حوله من النّاس الّذين يتعايشون معه أو يتعاملون معه، وعلى المجتمع الّذي يستشري فيه وينتشر.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول