لماذا تنتشر أحاديث افتراق الأمّة ولا تنتشر الأحاديث الآمرة بوحدتها؟

اسلاميات
17 يوليو 2019 () - الدكتور يوسف نواسة *
0 قراءة
+ -

الحديث الّذي يقول فيه النّبيّ عليه السّلام: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرّقَت النّصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة..»، وله نهايات مختلفة منها: «واحدة في الجنّة وسبعون في النّار»، «كلّها في النّار إلّا واحدة، وهي الجماعة»، «كلّهم في النّار إلّا السّواد الأعظم»، «أضرّها على أمّتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال»، «وإنّ من أضلّها وأخبثها من يتشيّع أو الشّيعة»، «كلّها ضالة إلّا الإسلام وجماعتهم»، كلّهنّ في النّار إلّا واحدة ما أنا عليه اليوم وأصحابي»... إلى غيرها من الرّوايات المختلفة المتعدّدة الّتي تثبت اضطرابًا شديدًا فيه.
هذا الحديث ربّما صار أشهر حديث في وقتنا هذا. فلا تكاد تتكلّم مع أحد في أمر من أمور الدّين سواء في محاضرة أو على قارعة الطريق إلّا جَبَهَك بهذا الحديث أو سألك عنه، والعجيب أنّه شهير معروف حتّى عند مَن لا يُصلّي ولا يقيم لأمر الدّين وزنًا في حياته!. وكأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يَقُل إلّا هذا الحديث!.
ولا يخفاك أنّ مَن يردّدون هذا الحديث لا يعلمون مدى اختلاف العلماء حول هذا الحديث تصحيحًا أو تضعيفًا من جهة، ومعنى ودلالة من جهة أخرى. بل أغلب مَن يذكره ويُورِدُه مُستدلًّا به -حتّى من الوعّاظ وطلبة العلم- لا يشير ولو بإيماء يسير إلى اختلاف العلماء فيه هل هو صحيح أو ضعيف؟، بل كثير منهم يجزم جهلًا أو مجازفة بأنّه صحيح بلا خلاف!. خاصة أنّ أكثر هؤلاء لا علم له بعلم الحديث، ولا أهلية له للبحث في مراجعه للوقوف على ما قاله الحفّاظ من المحدّثين. وغايةُ أمرِ أحسنِهم طريقةً أن ينظر ما قاله العالم الفلاني الّذي يعتقد أنّه أعلم الأمّة بالحديث، ويأخذ قوله كأنّه قرآن مُنَزّل، ولا يهمّه بعد ذلك ما قاله أساطين العلماء وكبار المحدّثين!. وهذا خضوع للأمر الشّائع الذّائع وليس من العلم في شيء، فكم هي الأمور الشّائعة الذّائعة وهي خطأ بيّن وغلط ظاهر؟، ولكن أكثر النّاس لا يعلمون!.
وبخصوص هذا الحديث، فقد صحّحه جمعٌ من العلماء قديمًا وحديثًا، وضعفّه أيضًا جمعٌ من العلماء قديمًا وحديثًا، وقد اشتهر بين أهل العلم قول الإمام المحدّث المحقّق الكبير ابن الوزير اليمني رحمه الله: “حديثُ افتراق الأمَّةِ إلى نَيِّفٍ وسبعين فِرقة، كلُّها في النَّار إلّا فِرْقَة واحدة، وفي سنده أيضًا ناصِبِيٌّ، فلم يَصِحَّ عنه [يقصد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فهو يذكر الأحاديث المروية عنه].... وروى التِّرمذيُّ مثلَه من حديث عبدالله بنِ عمرو بن العاص وقال: حديثٌ غريب.. وروى ابنُ ماجةَ مثله عن عوفِ بنِ مالكٍ، وأنس، وليس فيها شيْءٌ على شرطِ الصَّحيح.. وصحَّح الترمذيُّ منها حديثَ أبي هريرة.. وليس فيه “كلُّها في النَّار إلّا فِرْقَةً واحدةً”، وعن ابن حزمٍ: أنَّ هذه الزِّيادة موضوعة”. وقال الأستاذ سلطان بن عبدالله العميري في بحث له حول هذا الحديث: “وقد اختلف العلماء كثيرًا في حكمه من حيث ثبوته وعدمه، وقد أفردت بحوث خاصة في دراسة رواياته وأسانيده. ويبدو أنّ حسم الخلاف في هذه القضية متعسّر؛ لأنّ الأدلة والبراهين فيه متقاربة جدًّا”. وسبب ذلك أنّ أسانيد هذا الحديث لا يخلو واحد منها من مقال وجدال، ومَن صحّحه قوّى بعضها ببعض. ومعلوم أنّ تقوية الضّعيف بتعدّد الطّرق مسلك دقيق والخلاف حوله عميق.
ومهما يكن الحال بالنّسبة لصحّة هذا الحديث أو ضعفه، وحتّى على التّسليم بصحته، فالفكرة الّتي يجب أن لا تغيب عن بالنا هي لماذا ينتشر مثل هذا الحديث مثل هذا الانتشار، ويهتمّ به مثل هذا الاهتمام وحاله ما ذكرتُ؟، في الوقت الّذي لا تنال أحاديث أخرى تتكلّم على وحدة الأمّة ووجوبها وفضلها، وهي صحيحة بلا شكّ ولا ريب ولا خلاف اهتمامًا ولا انتشارًا؟. وهذا سؤال يجب أن يطرح ويتمعّن في الإجابة عنه، خاصة ونحن في زمن صناعة الرّأي العام وتوجيهه، وزمن التّلاعب بالعقول وتزوير التّاريخ والحقائق، حيث هناك مخابر عملاقة تدرس وتخطّط وتنشر وتوجّه وتصنع الرّأي العام بما يخدم مصالح الدول الكبرى، والأنظمة الحاكمة. وطبعًا هي حريصة على تفرّق الأمّة وتشرذمها.
والّذي يغفل عنه كثيرون أنّه في كثير من الأحيان لا يهمّ صحّة الخطاب الدّيني وسلامته وصدقية براهينه، بقدر ما يهمّ وجه توظيفه، والأغراض المقصودة من وراء نشره وبثّه في وقت معيّن. وبتعبير آخر: نلحظ جميعنا في مراحل معيّنة تكثيف الكلام بمضامين دينية معيّنة، وتكثيف الكلام عليها، ثمّ فجأت تستبدل بمضامين أخرى وهكذا دواليك. والعاقل مَن يسأل عن من وراء ترويج مثل هذه المضامين والأفكار في زمن دون زمن، ولمصلحة مَن يوظّفها؟. وفي الحالة المطروقة هنا: مَن وراء تكثيف الكلام على حديث تفرّق الأمّة؟، ولمصلحة مَن هذا التّكثيف والنّشر؟. وإذا قال قائل: هذه مجرّد وساوس، وإنّما ينشره الوعّاظ وطلبة العلم وبعض العلماء ويكثّفون الكلام عليه خدمة للدّين ونشرًا للسُّنّة!. فإنّ قوله السّطحي هذا لا يثبت أمام السّؤال البسيط الآتي: ولماذا لا ينشر هؤلاء الأحاديث النّبويّة الصّحيحة الوفيرة الدّاعية إلى وحدة الأمّة؟، من مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى» رواه مسلم. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا»، ثمّ شبّك بين أصابعه. رواه البخاري ومسلم. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَن صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الّذى له ذمّة الله وذمّة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمّته» رواه البخاري. بل لماذا لا ينشر هؤلاء الآيات البيّنات الآمرة بالوحدة بين المسلمين، النّاهية عن التفرّق والتّفريق بينهم، من مثل قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون}، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون}، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون}. والجواب: أنّ مَن ينشر مثل حديث افتراق الأمّة على ما ثار حوله من خلاف يريدون أن يغرسوا فينا فكرة أنّ التفرّق حتمية واقعية، وحتمية دينية، فقد بشّر بها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ وعليه فلا فائدة من العمل لوحدة الأمّة وتعاونها، فتفرّقنا قدرٌ محتوم وواقع لازم. وحتّى ترسّخ هذه الفكرة الخطيرة، لا بدّ أن تستبعد من خطابنا الدّيني كلّ الآيات والأحاديث الآمرة للمسلمين بالتوحّد والتّآلف!. والأهداف من وراء ذلك واضحة بيّنة لكلّ ذي عقل، يلخّصها شعار الاستعمار وشعار الاستبداد المشهور: فرّق تسُد. فدول الاستكبار العالمي تحرص على فرقتنا الدولية لتستولي على ثرواتنا الاقتصادية، وأنظمة الاستبداد تحرص على فرقتنا الاجتماعية لتطيل أعمارها!.
وأهمس لك ختامًا: لا يعني هذا أنّ كلّ مَن ينشر مثل هذا الفكر المأزوم، وينشر مثل هذا الحديث المختلف فيه دون تعريج على الأحاديث الصّحيحة الأخرى الآمرة بالوحدة يُعدّ عميلًا، بل قد يكون معمولًا به، مستعملًا، مغرّرًا به. وقد يأتي البلاء الشّديد من غفلة الصّالحين كما يأتي من خبث الفاسدين!.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول