أهمية الفتوى في المجتمع

اسلاميات
14 أكتوبر 2019 () - الدكتور عبد الحق حميش
0 قراءة
+ -

تُعدّ الفتوى في المجتمع المسلم إحدى الحاجات المهمّة والضرورية لدى الفرد والمجتمع، فهي ركيزة أساسية في إرشاد الفرد إلى الطريق القويم في أمور دينه ودنياه، وتعليمه الجوانب الشّرعية من منبعها الصّافي، القرآن الكريم والسُّنّة النّبويّة المطهرة، وما سار عليه الصّحابة والتّابعين والعلماء الأعلام الرّاسخين.
وتمثّل الفتوى عبر القرون المتعاقبة في الإسلام منارة هدى، فَبِها يستطيع المسلم الوقوف على الأحكام الشّرعية فيما يتعلّق من أمور العبادات والعادات من معاملات بمختلف أشكالها، إضافة إلى معرفة الثّواب والعقاب، وما يترتّب على جميع الأعمال الّتي يقوم بها المسلم في حياته الدّنيوية ومآلها في الآخرة.
وفي هذا العصر تنوّعَت طرق إيصال الفتوى للنّاس؛ فأصبح النّاس يتلقون الفتاوى عبر الإذاعة والتلفاز والفضائيات العابرة للدول، يتوجّه السّائل من خلالها إلى مقدم البرنامج بمسألته فيجيبه المفتي فورًا.
وهذه الفتاوى المباشرة لها خطورتها وزللها الكثير، لأنّ المفتي ليس له من الوقت الكافي كي يقوم بدراسة متأنية لسؤال السّائل يرجع فيه إلى المصادر والمراجع المعتمدة والموثوقة، أو أن يستشير أهل العلم والخبرة والدراية، ما أحدث حيرة وبلبلة في أوساط الجمهور المتلقي لهذه الفتاوى الصّادرة عبر الهاتف والتطبيقات المعاصرة، وبخاصة إذا كان المستفتون غير معروفين بطلب العلم والإتقان في الفتوى.
ولهذا حذَّر العلماء من الفتاوى عبر الفضائيات والإنترنت والهاتف، الصّادرة من أشخاص غير معلومين وغير مختصين تجرّأوا على الفتوى، وتصدّروا الإفتاء وهم لم يحقّقوا شروط الإفتاء الشّرعية.
إنّ شيوع الفتاوى الفردية والفتاوى العابرة للقارات عبر وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة، وغياب دور فعّال للمؤسسات الرسمية المعتمدة وللمجامع الفقهية المتخصّصة، هو أحد أسباب ظهور هذا الخلل وهذه الفوضى الّتي جعلت النّاس في حيرة من أمرهم.
فالمفتي يوقّع عن الله تعالى في حُكمه، ويقتدي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيان أحكام الشّريعة، لذلك لا بدّ أن تتوفّر في المفتي عدّة شروط بيَّنها العلماء، من أهمّها: العلم بكتاب الله تعالى وسُنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وما يتعلّق بهما من علوم، والعلم بمواطن الإجماع والخلاف والمذاهب والآراء الفقهية. والمعرفة التامة بأصول الفقه ومبادئه وقواعده ومقاصد الشّريعة والعلوم المساعدة، مثل النّحو والصّرف والبلاغة واللّغة والمنطق وغيرها. والمعرفة بأحوال النّاس وأعرافهم، وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيّرها فيما بني على العرف المعتبر الّذي لا يصادم النص.
ولا تؤخذ الفتوى من غير المتخصّصين المستوفين للشّروط المذكورة آنفًا، والفتوى الّتي تُنشر في وسائل الإعلام المختلفة كثيرًا ما لا تصلح لغير السّائل عنها، إلّا إذا كان حال المطلّع عليها كحال المستفتي، وظرفه كظرفه، وكذلك لا عبرة بالفتاوى الشّاذة المخالفة للنّصوص القطعية، وما وقع الإجماع عليه من الفتاوى.
وعلى المفتي أن يكون مخلصًا لله تعالى في فتواه، ذا وقار وسكينة، عارفًا بما حوله من أوضاع، متعفّفًا ورِعًا في نفسه، ملتزمًا بما يفتي به من فعل وترك، بعيدًا عن مواطن الرِّيب، متأنّيًا في جوابه عند المتشابهات والمسائل المشكلة، مشاورًا غيره من أهل العلم، داعيًا الله سبحانه أن يوفّقه في فتواه، متوقّفًا فيما لا يعلم، أو فيما يحتاج للمراجعة والتثبُّت.
والإفتاء من غير علم حرام، يتهاون فيه كثير من طلاب الشُّهرة والرِّياسة، فمَن أقدم على ما ليس له أهلًا من إفتاء، أو تدريس أثِم، والأدلة على حرمة الإفتاء بغير علم كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}، وقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَفْتَاهُ»، وقد ورد عن الرّسول التّحذير من الجُرأة على الإفتاء: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ».
وخطر الإفتاء خطر عام، لا يقتصر على إلحاق الضّرر بأشخاص المستفتين، بل يتعدّاهم إلى المجتمع في أمنه، واستقراره، وعلاقة أفراده بعضهم ببعض، بل إنّ خطر الإفتاء يتعدّى المجتمع الواحد ليشمل الأمّة بأسرها، فالفتوى الآثمة المضلّلة ربّما أدّت إلى بذر بذور الفرقة والشّحناء بين المجتمعات الّتي تنضوي في عموم الأمّة الإسلامية، فتكون ثمرتها الخبيثة: إشعال نار الفتنة العمياء الّتي تفرّق بين أقطار العالم الإسلامي، وتؤجّج نيران الكراهية بين بعض شعوب الأمّة الواحدة.
[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول